الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو

قوله : قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى

قوله تعالى : قال اهبطا منها جميعا خطاب آدم وإبليس . منها أي من الجنة . وقد قال لإبليس : اخرج منها مذءوما مدحورا فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء ، ثم أهبط إلى الأرض . بعضكم لبعض عدو تقدم في ( البقرة ) أي أنت عدو للحية ولإبليس وهما عدوان لك . وهذا يدل على أن قوله : اهبطا ليس خطابا لآدم وحواء ؛ لأنهما ما كانا متعاديين ؛ وتضمن هبوط آدم هبوط حواء . فإما يأتينكم مني هدى أي رشدا وقولا حقا . وقد تقدم في ( البقرة ) . فمن اتبع هداي يعني الرسل والكتب . فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس : ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ، وتلا الآية . من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ، ثم تلا الآية . ومن أعرض عن ذكري أي ديني ، وتلاوة كتابي ، والعمل بما [ ص: 170 ] فيه . وقيل : عما أنزلت من الدلائل . ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول ؛ لأنه كان منه الذكر . فإن له معيشة ضنكا أي عيشا ضيقا ؛ يقال : منزل ضنك وعيش ضنك يستوي فيه الواحد والاثنان والمؤنث والجمع ؛ قال عنترة :


إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل



وقال أيضا :


إن المنية لو تمثل مثلت     مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل



وقرئ ( ضنكى ) على وزن فعلى : ومعنى ذلك أن الله - عز وجل - جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته ، فصاحبه ينفق مما رزقه الله - - عز وجل - - بسماح وسهولة ويعيش عيشا رافعا ؛ كما قال الله تعالى : فلنحيينه حياة طيبة . والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا ، مسلط عليه الشح ، الذي يقبض يده عن الإنفاق ، فعيشه ضنك ، وحاله مظلمة ، كما قال بعضهم : لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه ، وكان في عيشة ضنك . وقال عكرمة : ضنكا كسبا حراما . الحسن : طعام الضريع والزقوم . وقول رابع وهو الصحيح أنه عذاب القبر ؛ قاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود ، ورواه أبو هريرة مرفوعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ؛ قال أبو هريرة : يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ، وهو المعيشة الضنك .

ونحشره يوم القيامة أعمى قيل أعمى في حال وبصيرا في حال ؛ وقد تقدم في آخر ( سبحان ) وقيل : أعمى عن الحجة ؛ قاله مجاهد . وقيل : أعمى عن جهات الخير ، لا يهتدي لشيء منها . وقيل : عن الحيلة في دفع العذاب عن نفسه ، كالأعمى الذي لا حيلة له فيما لا يراه . قال رب لم حشرتني أعمى أي بأي ذنب عاقبتني بالعمى . وقد كنت بصيرا أي في الدنيا ، وكأنه يظن أنه لا ذنب له . وقال ابن عباس ومجاهد : أي لم حشرتني أعمى عن حجتي وقد كنت بصيرا أي عالما بحجتي ؛ القشيري : وهو بعيد إذ ما كان للكافر حجة في الدنيا . قال كذلك أتتك آياتنا أي قال الله تعالى له : كذلك أتتك آياتنا أي دلالاتنا على وحدانيتنا وقدرتنا . فنسيتها أي تركتها ولم تنظر فيها ، وأعرضت عنها . وكذلك اليوم تنسى أي تترك في العذاب ؛ يريد جهنم .

[ ص: 171 ] وكذلك نجزي من أسرف أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن ، وعن النظر في المصنوعات ، والتفكير فيها ، وجاوز الحد في المعصية . ولم يؤمن بآيات ربه أي لم يصدق بها . ولعذاب الآخرة أشد أي أفظع من المعيشة الضنك ، وعذاب القبر . وأبقى أي أدوم وأثبت ؛ لأنه لا ينقطع ولا ينقضي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث