الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون

قوله تعالى : قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين .

قوله تعالى : قل عسى أن يكون ردف لكم أي اقترب لكم ودنا منكم بعض الذي تستعجلون أي من العذاب ; قاله ابن عباس . وهو من : ردفه : إذا تبعه وجاء في أثره ; وتكون [ ص: 213 ] اللام أدخلت لأن المعنى : اقترب لكم ودنا لكم . أو تكون متعلقة بالمصدر . وقيل : معناه ( معكم ) . وقال ابن شجرة : تبعكم ; ومنه ردف المرأة ; لأنه تبع لها من خلفها ; ومنه قول أبي ذؤيب :

.

عاد السواد بياضا في مفارقه لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا



قال الجوهري : و ( أردفه أمر ) لغة في : ردفه ، مثل : تبعه وأتبعه ، بمعنى ; قال خزيمة بن مالك بن نهد :


إذا الجوزاء أردفت الثريا     ظننت بآل فاطمة الظنونا



يعني فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظين . وقال الفراء : ردف لكم دنا لكم . ولهذا قال : ( لكم ) . وقيل : ردفه وردف له ، بمعنى فتزاد اللام للتوكيد ; عن الفراء أيضا . كما تقول : نقدته ونقدت له ، وكلته ووزنته ، وكلت له ووزنت له ; ونحو ذلك بعض الذي تستعجلون من العذاب فكان ذلك يوم بدر . وقيل : عذاب القبر . وإن ربك لذو فضل على الناس في تأخير العقوبة وإدرار الرزق ولكن أكثرهم لا يشكرون فضله ونعمه .

قوله تعالى : وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم أي تخفي صدورهم . وقرأ ابن محيصن وحميد ( ما تكن ) من كننت الشيء إذا سترته ، هنا وفي ( القصص ) تقديره : ما تكن صدورهم عليه ; وكأن الضمير الذي في ( الصدور ) كالجسم السائر . ومن قرأ : ( تكن ) فهو المعروف ; يقال : أكننت الشيء : إذا أخفيته في نفسك .

قوله تعالى : وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين قال الحسن : الغائبة هنا القيامة . وقيل : ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض ; حكاه النقاش . وقال ابن شجرة : الغائبة هنا جميع ما أخفى الله تعالى عن خلقه وغيبه عنهم ، وهذا عام . وإنما دخلت الهاء في ( غائبة ) إشارة إلى الجمع ; أي : ما من خصلة غائبة عن الخلق إلا والله عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده ، فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء وما يعلنونه . وقيل : أي كل شيء هو مثبت في أم الكتاب يخرجه للأجل المؤجل له ; فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه . والكتاب : اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد ليعلم بذلك من يشاء من ملائكته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث