الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 156 ] النوع السادس عشر .

في كيفية إنزاله .

فيه مسائل :

المسألة الأولى :

قال - تعالى - : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [ البقرة : 185 ] . وقال : إنا أنزلناه في ليلة القدر [ القدر : 1 ] .

اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال :

أحدها : وهو الأصح الأشهر : أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ، ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة ، أو ثلاثة وعشرين ، أو خمسة وعشرين ، على حسب الخلاف في مدة إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد البعثة .

أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا ، وكان بمواقع النجوم ، وكان الله ينزله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضه في إثر بعض .

وأخرج الحاكم والبيهقي أيضا والنسائي من طريق داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنزل القرآن في ليلة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة ، ثم قرأ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [ الفرقان : 33 ] . وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا [ الإسراء : 106 ] .

[ ص: 157 ] وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه ، وفي آخره : فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا .

وأخرج الحاكم وابن أبي شيبة من طريق حسان بن حريث ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : فصل القرآن من الذكر ، فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا ، فجعل جبريل ينزل به على النبي - صلى الله عليه وسلم - .

أسانيدها كلها صحيحة .

وأخرج الطبراني والبزار من وجه آخر عنه قال : أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ، ونزله جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بجواب كلام العباد وأعمالهم .

وأخرج ابن أبي شيبة في فضائل القرآن ، من وجه آخر عنه : دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة واحدة ، فوضعه في بيت العزة ، ثم جعل ينزله تنزيلا .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدي ، عن محمد ، عن ابن أبي المجالد ، عن مقسم ، عن ابن عباس أنه سأل عطية بن الأسود فقال : أوقع في قلبي الشك قوله - تعالى - : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [ البقرة : 185 ] وقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر وهذا نزل في شوال وفي ذي القعدة وذي الحجة وفي المحرم [ ص: 158 ] وصفر وشهر ربيع ؟ فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام .

قال أبو شامة : قوله ( رسلا ) : أي : رفقا ، ( وعلى مواقع النجوم ) أي : على مثل [ مواقع النجوم ، ومواقعها ] : مساقطها ، يريد أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على ما وقع مفرقا يتلو بعضه بعضا ، على تؤدة ورفق .

القول الثاني : أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر ، أوثلاث وعشرين ، أو خمس وعشرين ، في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ، ثم أنزل بعد ذلك منجما في جميع السنة .

وهذا القول ذكره الإمام فخر الدين الرازي بحثا ، فقال : يحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثلها ، من اللوح إلى السماء الدنيا . ثم توقف ، هل هذا أولى أو الأول ! .

قال ابن كثير : وهذا الذي جعله احتمالا نقله القرطبي ، عن مقاتل بن حيان وحكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا .

قلت : وممن قال بقول مقاتل : الحليمي والماوردي ، ويوافقه قول ابن شهاب : آخر القرآن عهدا بالعرش آية الدين .

القول الثالث : أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات . وبه قال الشعبي .

قال ابن حجر في شرح البخاري : والأول هو الصحيح المعتمد ، قال : وقد حكى الماوردي قولا رابعا : أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة ، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة ، وأن جبريل نجمه على النبي - صلى الله عليه وسلم - في عشرين سنة . وهذا أيضا غريب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث