الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما جعل أدعياءكم أبناءكم

وما جعل أدعياءكم أبناءكم هذا هو المقصود الذي وطئ بالآيتين قبله ، ولذلك أسهب الكلام بعده بتفاصيل التشريع فيه . وعطفت هاته الجملة على اللتين قبلها لاشتراك ثلاثتها في أنها نفت مزاعم لا حقائق لها .

والقول في المراد من قوله ما جعل كالقول في نظيره من قوله ( وما جعل أزواجكم اللاء تظهرون منهن أمهاتكم ) .

والمعنى : أنكم تنسبون الأدعياء أبناء فتقولون للدعي : هو ابن فلان ، للذي تبناه ، وتجعلون له جميع ما للأبناء .

والأدعياء : جمع دعي بوزن فعيل بمعنى مفعول مشتقا من مادة الادعاء ، والادعاء : زعم الزاعم الشيء حقا له من مال أو نسب أو نحو ذلك بصدق أو كذب ، وغلب وصف الدعي على المدعي أنه ابن لمن يتحقق أنه ليس أبا له ; فمن ادعي أنه ابن لمن يحتمل أنه أب له فذلك هو اللحيق أو المستلحق ، فالدعي لم يجعله الله ابنا لمن ادعاه للعلم بأنه ليس أبا له ، وأما المستلحق فقد جعله الله ابنا لمن استلحقه بحكم استلحاقه مع إمكان أبوته له .

وجمع على أفعلاء لأنه معتل اللام فلا يجمع على فعلى ، والأصح أن أفعلاء يطرد في جمع فعيل المعتل اللام سواء كان بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول .

نزلت هذه الآية في إبطال التبني ، أي إبطال ترتيب آثار البنوة الحقيقة من الإرث ، وتحريم القرابة ، وتحريم الصهر ، وكانوا في الجاهلية يجعلون للمتبنى أحكام البنوة كلها ، وكان من أشهر المتبنين في عهد الجاهلية زيد بن حارثة ، تبناه النبيء - صلى الله عليه وسلم - وعامر بن ربيعة تبناه الخطاب أبو عمر بن الخطاب ، وسالم تبناه أبو حذيفة ، والمقداد بن عمرو تبناه الأسود بن عبد يغوث ، فكان كل واحد من هؤلاء الأربعة يدعى ابنا للذي تبناه .

[ ص: 259 ]

وزيد بن حارثة الذي نزلت الآية في شأنه كان غريبا من بني كلب من وبرة ، من أهل الشام ، وكان أبوه حارثة توفي وترك ابنيه جبلة وزيدا ، فبقيا في حجر جدهما ، ثم جاء عماهما فطلبا من الجد كفالتهما فأعطاهما جبلة وبقي زيد عنده فأغارت على الحي خيل من تهامة فأصابت زيدا فأخذ جده يبحث عن مصيره ، وقال أبياتا منها :

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل

وأنه علم أن زيدا بمكة وأن الذين سبوه باعوه بمكة فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد زوج النبيء - صلى الله عليه وسلم - فوهبته خديجة للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فأقام عنده زمنا ثم جاء جده وعمه يرغبان في فدائه فأبى الفداء واختار البقاء على الرق عند النبيء فحينئذ أشهد النبيء قريشا أن زيدا ابنه ، يرث أحدهما الآخر ، فرضي أبوه وعمه وانصرفا فأصبح يدعى : زيد بن محمد

وذلك قبل البعثة . وقتل زيد في غزوة مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث