الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله

وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا

أعقب نسخ أحكام التبني التي منها ميراث المتبني من تبناه والعكس بإبطال [ ص: 270 ] نظيره وهو المؤاخاة التي كانت بين رجال من المهاجرين مع رجال من الأنصار وذلك أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لما نزل بالمدينة مع من هاجر معه ، جعل لكل رجل من المهاجرين رجلا أخا له من الأنصار فآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد ، وبين الزبير وكعب بن مالك ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، وبين سلمان وأبي الدرداء ، وبين عثمان بن مظعون وأبي قتادة الأنصاري ; فتوارث المتآخون منهم بتلك المؤاخاة زمانا كما يرث الإخوة ثم نسخ ذلك بهذه الآية ، كما نسخ التوارث بالتبني بآية ادعوهم لآبائهم ، فبينت هذه الآية أن القرابة هي سبب الإرث إلا الانتساب الجعلي .

فالمراد بأولي الأرحام : الإخوة الحقيقيون . وعبر عنهم بأولي الأرحام لأن الشقيق مقدم على الأخ للأب في الميراث وهم الغالب ، فبينت الآية أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث من ولاية المتآخين المهاجرين والأنصار فعم هذا جميع أولي الأرحام وخصص بقوله من المؤمنين والمهاجرين على أحد وجهين في الآيتين في معنى من . وهو بمنزلة العام الوارد على سبب خاص وهو مطلق في الأولوية والمطلق من قبيل المجمل ، وإذ لم يكن معه بيان فمحمل إطلاقه محمل العموم ، لأن الأولوية حال من أحوال أولي الأرحام وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال ، فالمعنى : أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في جميع الولايات إلا ما خصصه أو قيده الدليل .

والآية مبينة في أن القرابة الحقيقية أرجح من الأخوة الجعلية ، وهي مجملة في تفصيل ذلك فيما بين أولي الأرحام ، وذلك مفصل في الكتاب والسنة في أحكام المواريث .

وتقدم الكلام على لفظ " أولوا " عند قوله تعالى : واتقون يا أولي الألباب في سورة البقرة .

ومعنى في كتاب الله فيما كتبه ، أي فرضه وحكم به .

ويجوز أن يراد به القرآن إشارة إلى ما تضمنته آية المواريث ، وقد تقدم نظير هذه الآية في آخر سورة الأنفال . وتقدم الكلام في توريث ذوي الأرحام إن لم يكن للميت وارث معلوم سهمه .

[ ص: 271 ] وأولو الأرحام مبتدأ ، و " بعضهم " مبتدأ ثان و " أولى " خبر الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول ، و في كتاب الله متعلق بـ " أولى " .

وقوله من المؤمنين والمهاجرين يجوز أن يتعلق باسم التفضيل وهو أولى فتكون من تفضيلية ، والمعنى : أولوا الأرحام أولى بإرث ذوي أرحامهم من إرث أصحاب ولاية الإيمان والهجرة بتلك الولاية ، أي الولاية التي بين الأنصار والمهاجرين ، وأريد بالمؤمنين خصوص الأنصار بقرينة مقابلته بعطف والمهاجرين على معنى أصحاب الإيمان الكامل تنويها بإيمان الأنصار لأنهم سبقوا بإيمانهم قبل كثير من المهاجرين الذين آمنوا بعدهم فإن الأنصار آمنوا دفعة واحدة لما أبلغهم نقباؤهم دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - إياهم بعد بيعة العقبة الثانية . قال تعالى : والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أي من قبل كثير من فقراء المهاجرين عدا الذين سبق إيمانهم . فالمعنى : كل ذي رحم أولى بإرث قريبه من أن يرثه أنصاري إن كان الميت مهاجرا ، أو أن يرثه مهاجر إن كان الميت من الأنصار ، فيكون هذا ناسخا للتوارث بالهجرة الذي شرع بآية الأنفال والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ، فتوارث المسلمون بالهجرة فكان الأعرابي المسلم لا يرث قريبه المهاجر ، ثم نسخ بآية هذه السورة .

ويجوز أن يكون قوله من المؤمنين ظرفا مستقرا في موضع الصفة ، أي وأولوا الأرحام الكائنون من المؤمنين والمهاجرين ، بعضهم أولى ببعض ، أي لا يرث ذو الرحم ذا رحمه إلا إذا كانا مؤمنين ومهاجرين ، فتكون الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة الذي شرع عند قدوم المهاجرين إلى المدينة ، فلما نزلت هذه الآية رجعوا إلى مواريثهم فبينت هذه الآية أن القرابة أولى من الحلف والمواخاة ، وأيا ما كان فإن آيات المواريث نسخت هذا كله .

ويجوز أن تكون " من " بيانية ، أي وأولوا الأرحام المؤمنون والمهاجرون ، أي فلا يرث أولوا الأرحام الكافرون ولا يرث من لم يهاجر من المؤمنين لقوله تعالى : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ثم قال : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا .

[ ص: 272 ] والاستثناء بقوله إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا منقطع ، و " إلا " بمعنى ( لكن ) لأن ما بعد إلا ليس من جنس ما قبلها فإن الأولوية التي أثبتت لأولي الأرحام أولوية خاصة وهي أولوية الميراث بدلالة السياق دون أولوية حسن المعاشرة وبذل المعروف .

وهذا استدراك على ما قد يتوهم من قطع الانتفاع بأموال الأولياء عن أصحاب الولاية بالإخاء والحلف فبين أن الذي أبطل ونسخ هو انتفاع الإرث وبقي حكم المواساة وإسداء المعروف بمثل الإنفاق والإهداء والإيصاء .

وجملة كان ذلك في الكتاب مسطورا تذييل لهذه الأحكام وخاتمة لها مؤذنة بانتهاء الغرض من الأحكام التي شرعت من قوله ادعوهم لآبائهم إلى هنا ، فالإشارة بقوله ذلك إلى المذكور من الأحكام المشروعة فكان هذا التذييل أعم مما اقتضاه قولهبعضهم أولى ببعض في كتاب الله . وبهذا الاعتبار لم يكن تكريرا له ولكنه يتضمنه ويتضمن غيره فيفيد تقريره وتوكيده تبعا وهذا شأن التذييلات .

والتعريف في " الكتاب " للعهد ، أي كتاب الله ، أي ما كتبه على الناس وفرضه كقوله كتاب الله عليكم ، فاستعير الكتاب للتشريع بجامع ثبوته وضبطه التغيير والتناسي ، كما قال

الحارث بن حلزة :

حذر الجور والتطاخي وهل ينـ قض     ما في المهارق الأهواء

ومعنى هذا مثل قوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله في سورة الأنفال .

فالكتاب استعارة مكنية وحرف الظرفية ترسيخ للاستعارة .

والمسطور : المكتوب في سطور ، وهو ترشيح أيضا للاستعارة وفيه تخييل للمكنية .

وفعل كان في قوله " كان ذلك " لتقوية ثبوته في الكتاب مسطورا ، لأن " كان " إذا لم يقصد بها أن اسمها اتصف بخبرها في الزمن الماضي كانت للتأكيد غالبا مثل وكان الله غفورا رحيما أي لم يزل كذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث