الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 42 - 43 ] والإمارة على الجهاد مختصرة بقتال المشركين . وهي على ضربين : أحدهما أن تكون مقصورة على سياسة الجيش وتدبير الحرب ; فيعتبر فيها شروط الإمارة الخاصة .

والضرب الثاني أن يفوض إلى الأمير فيها جميع أحكامها من قسم الغنائم وعقد الصلح ، فيعتبر فيها شروط الإمارة العامة ، وهي أكبر الولايات الخاصة أحكاما وأوفرها فصولا وأقساما ، وحكمها إذا خصت داخل في حكمها إذا عمت ، فاقتصرنا عليه إيجازا .

والذي يتعلق بها من الأحكام إذا عمت ستة أقسام :

القسم الأول في تسيير الجيش ، وعليه في السير بهم سبعة حقوق :

أحدها الرفق بهم في السير الذي يقدر عليه أضعفهم وتحفظ به قوة أقواهم ، ولا يجد السير فيهلك الضعيف ويستفرغ جلد القوي ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وشر السير الحقحقة } .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { المضعف أمير الرفقة } يريد أن من ضعفت دابته كان على القوم أن يسيروا بسيره .

والثاني أن يتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها وظهورهم التي يمتطونها ، فلا يدخل في خيل الجهاد ضخما كبيرا ولا ضرعا صغيرا ولا حطما كسيرا ولا أعجف زارحا هزيلا ، لأنها لا تقي وربما كان ضعفها وهنا ، ويتفقد ظهور الامتطاء [ ص: 44 ] والركوب ، فيخرج منها ما لا يقدر على السير ويمنع من حمل زيادة على طاقتها ، قال الله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ارتبطوا الخيل ، فإن ظهورها لكم عز ، وبطونها لكم كنز } .

والثالث : أن يراعي من معه من المقاتلة وهم صنفان : مسترزقة ومتطوعة ، فأما المسترزقة فهم أصحاب الديوان من أهل الفيء والجهاد ، يفرض لهم العطاء من بيت المال من الفيء بحسب الغنى والحاجة .

وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان من البوادي والأعراب وسكان القرى والأمصار الذين خرجوا في النفير الذي ندب الله تعالى إليه بقوله : { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله } . وفي قوله تعالى : { خفافا وثقالا } . أربعة تأويلات : أحدها شبانا وشيوخا قاله الحسن وعكرمة .

والثاني أغنياء وفقراء قاله أبو صالح .

والثالث : ركبانا ومشاة قاله أبو عمر .

والرابع : ذا عيال وغير ذي عيال قاله الفراء وهؤلاء يعطون من الصدقات دون الفيء من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور في آية الصدقات ، ولا يجوز أن يعطوا من الفيء لأن حقهم في الصدقات ولا يعطى أهل الفيء المسترزقة من الديوان من مال الصدقات ، لأن حقهم في الفيء ولكل واحد من الفريقين مال لا يجوز أن يشارك غيره فيه ، وجوز أبو حنيفة صرف كل واحد من المالين إلى كل واحد من الفريقين بحسب الحاجة ، وقد ميز الله تعالى بين الفريقين فلم يجز الجمع بين ما فرق .

والرابع أن يعرف على الفريقين العرفاء ، وينقل عليهما النقباء [ ص: 45 ] ليعرف من عرفائهم ونقبائهم أحوالهم ويقربون عليه إذا دعاهم ، { فقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في مغازيه } وقال الله تعالى : { وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } .

وفيها ثلاثة تأويلات :

أحدها : أن للشعوب النسب الأقرب . والقبائل النسب الأبعد قاله مجاهد .

والثاني : أن الشعوب عرب قحطان ، والقبائل عرب عدنان .

والثالث : أن الشعوب بطون العجم ، والقبائل بطون العرب .

والخامس : أن يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به ليصيروا متميزين وبالاجتماع متظافرين .

روى عروة بن الزبير عن أبيه : { أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد الله ، وشعار الأوس يا بني عبيد الله ، وسمى خيله خيل الله } .

والسادس : أن يتصفح الجيش ومن فيه ليخرج منهم من كان فيه تخذيل للمجاهدين وإرجاف للمسلمين أو عينا عليهم للمشركين . { فقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ابن سلول في بعض غزواته لتخذيله المسلمين } ، وقال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } .

أي لا يفتن بعضكم بعضا .

والسابع : أن لا يمالئ من ناسبه أو وافق رأيه ومذهبه على من باينه في نسب أو خالفه في رأي ومذهب ، فيظهر من أحوال المباينة ما تفرق به الكلمة الجامعة تشاغلا بالتقاطع والاختلاف ، وقد أغضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين وهم أضداد في الدين ، وأجرى عليهم حكم الظاهر حتى قويت بهم الشوكة وكثر بهم العدد وتكاملت بهم القوة ، ووكلهم فيما أضمرته قلوبهم من النفاق إلى علام الغيوب المؤاخذ بضمائر القلوب .

قال الله تعالى : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } [ ص: 46 ] وفيه تأويلان :

أحدهما أن المراد بالريح الدولة قاله أبو عبيد

والثاني : أن المراد بها القوة فضرب الريح بها مثلا لقوتها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث