الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا

[ ص: 14 ] إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا متصل بما قبله إذ هو تعليل لما تضمنته الآيات السابقة من أمر ونهي ، ابتداء من قوله تعالى ( يا نساء النبيء من يأت منكن ) الآية . فإن موقع ( إنما ) يفيد ربط ما بعدها بما قبلها لأن حرف " إن " جزء من ( إنما ) وحرف إن من شأنه أن يغني غناء فاء التسبب كما بينه الشيخ عبد القاهر ، فالمعنى أمركن الله بما أمر ونهاكن عما نهى ؛ لأنه أراد لكن تخلية عن النقائص والتحلية بالكمالات . وهذا التعليل وقع معترضا بين الأوامر والنواهي المتعاطفة .

والتعريف في ( البيت ) تعريف العهد وهو بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرة فالمراد بالبيت هنا بيت كل واحدة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل بيت من تلك البيوت أهله النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجه صاحبة ذلك ، ولذلك جاء بعده قوله ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن ) ، وضميرا الخطاب موجهان إلى نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - على سنن الضمائر التي تقدمت . وإنما جيء بالضميرين بصيغة جمع المذكر على طريقة التغليب لاعتبار النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الخطاب ؛ لأنه رب كل بيت من بيوتهن وهو حاضر الخطاب إذ هو مبلغه . وفي هذا التغليب إيماء إلى أن هذا التطهير لهن لأجل مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - لتكون قريناته مشابهات له في الزكاء والكمال ، كما قال تعالى والطيبات للطيبين يعني أزواج النبي للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو نظير قوله في قصة إبراهيم رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت والمخاطب زوج إبراهيم وهو معها .

والرجس في الأصل : القذر الذي يلوث الأبدان ، واستعير هنا للذنوب والنقائص الدينية لأنها تجعل عرض الإنسان في الدنيا والآخرة مرذولا مكروها كالجسم الملوث بالقذر . وقد تقدم في قوله تعالى رجس من عمل الشيطان في سورة العقود . واستعير التطهير لضد ذلك وهو تجنيب الذنوب والنقائص كما يكون الجسم أو الثوب طاهرا .

واستعير الإذهاب للإنجاء والإبعاد .

[ ص: 15 ] وفي التعبير بالفعل المضارع دلالة على تجدد الإرادة واستمرارها ، وإذا أراد الله أمرا قدره إذ لا راد لإرادته .

والمعنى : ما يريد الله لكن مما أمركن ونهاكن إلا عصمتكن من النقائص وتحليتكن بالكمالات ودوام ذلك ، أي لا يريد من ذلك مقتا لكن ولا نكاية . فالقصر قصر قلب كما قال تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم . وهذا وجه مجيء صيغة القصر بإنما . والآية تقتضي أن الله عصم أزواج نبيئه - صلى الله عليه وسلم - من ارتكاب الكبائر وزكى نفوسهن .

وأهل البيت : أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - والخطاب موجه إليهن وكذلك ما قبله وما بعده لا يخالط أحدا شك في ذلك ولم يفهم منها أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام - و التابعون إلا أن أزواج النبي - عليه الصلاة والسلام - هن المراد بذلك وأن النزول في شأنهن .

وأما ما رواه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة قال : لما نزلت على النبيء إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا في بيت أم سلمة دعا فاطمة وحسنا ، وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجللهم بكساء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . وقال : هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة ولم يسمه الترمذي بصحة ولا حسن ووسمه بالغرابة . وفي صحيح مسلم عن عائشة خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرحل فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا . وهذا أصرح من حديث الترمذي .

فمحمله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية وجعلهم أهل بيته كما ألحق المدينة بمكة في حكم الحرمية بقوله إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها . وتأول البيت على معنييه الحقيقي والمجازي يصدق ببيت النسب كما يقولون : فيهم البيت والعدد ، ويكون هذا من حمل القرآن على جميع محامله غير المتعارضة كما أشرنا إليه في المقدمة التاسعة . وكأن حكمة [ ص: 16 ] تجليلهم معه بالكساء تقوية استعارة البيت بالنسبة إليهم تقريبا لصورة البيت بقدر الإمكان في ذلك الوقت ; ليكون الكساء بمنزلة البيت ، ووجود النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم في الكساء كما هو في حديثمسلم تحقيق لكون ذلك الكساء منسوبا إليه ، وبهذا يتضح أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - هن آل بيته بصريح الآية وأن فاطمة وابنيها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها . ولذلك هم أهل بيته بدليل السنة ، وكل أولئك قد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا : بعضه بالجعل الإلهي ، وبعضه بالجعل النبوي ، ومثله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - سلمان منا أهل البيت . وقد استوعب ابن كثير روايات كثيرة من هذا الخبر مقتضية أن أهل البيت يشمل فاطمة وعليا ، وحسنا ، وحسينا . وليس فيها أن هذه الآية نزلت فيهم إلا حديثا واحدا نسبه ابن كثير إلى الطبري ، ولم يوجد في تفسيره عن أم سلمة أنها ذكر عندها علي بن أبي طالب فقالت : فيه نزلت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وذكرت خبر تجليله مع فاطمة وابنيه بكساء ( [1] ) .

وقد تلقف الشيعة حديث الكساء فغصبوا وصف أهل البيت وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما - عليهم الرضوان - وزعموا أن أزواج النبيء - صلى الله عليه وسلم - لسن من أهل البيت . وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشوا بين ما خوطب به أزواج النبيء - صلى الله عليه وسلم - . وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء إذ ليس في قوله ( هؤلاء أهل بيتي ) صيغة قصر وهو كقوله تعالى إن هؤلاء ضيفي ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم ، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها . ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين ، وأن منشأ قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها . ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال : من شاء بأهلية أنها نزلت في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه قال أيضا : ليس بالذي تذهبون إليه إنما هو نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان يصرخ بذلك في السوق . وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعو النبي الدعوة لأهل الكساء وأنها نزلت في بيت أم سلمة .

[ ص: 17 ] وأما ما وقع من قول عمر بن أبي سلمة أن أم سلمة قالت : وأنا معهم يا رسول الله ؟ . فقال : أنت على مكانك وأنت على خير . فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته ، وهذه جهالة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد ما سألته من الحاصل ; لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم ، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل وهو مناف بآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه ، فكان جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - تعليما لها . وقد وقع في بعض الروايات أنه قال لأم سلمة : ( إنك من أزواج النبي ) . وهذا أوضح في المراد بقوله ( إنك على خير ) .

ولما استجاب الله دعاءه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلق أهل البيت على فاطمة وعلي وابنيهما ، فقد روى الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .

واللام في قوله ليذهب لام جر تزاد للتأكيد غالبا بعد مادتي الإرادة والأمر ، وينتصب الفعل المضارع بعدها ( بأن ) مضمرة إضمارا واجبا ، ومنه قوله تعالى وأمرنا لنسلم لرب العالمين وقول كثير :


أريد لأنسى حبها فكأنما تمثل لي ليلى بكل مكان

وعن النحاس أن بعض القراء سماها ( لام أن ) وتقدم قوله تعالى يريد الله ليبين لكم في سورة النساء .

وقوله أهل البيت نداء للمخاطبين من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - مع حضرة النبي - عليه الصلاة والسلام - وقد شمل كل من ألحق النبي - صلى الله عليه وسلم - بهن بأنه من أهل البيت وهم : فاطمة وابناها وزوجها وسلمان لا يعدو هؤلاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث