الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتأوي إليك من تشاء

ترجي من تشاء منهن وتأوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك .

استئناف بياني ناشئ عن قوله إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله لكيلا يكون عليك حرج فإنه يثير في النفس تطلبا لبيان مدى هذا التحليل . والجملة خبر مستعمل في إنشاء تحليل الإرجاء والإيواء لمن يشاء النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والإرجاء حقيقته : التأخير إلى وقت مستقبل . يقال : أرجأت الأمر وأرجيته مهموزا ومخففا ، إذا أخرته .

وفعله ينصرف إلى الأحوال لا الذوات فإذا عدي فعله إلى اسم ذات تعين انصرافه إلى وصف من الأوصاف المناسبة والتي تراد منها ، فإذا قلت : أرجأت غريمي ، كان المراد : أنك أخرت قضاء دينه إلى وقت يأتي .

والإيواء : حقيقته جعل الشيء آويا ، أي راجعا إلى مكانه . يقال : آوى ، إذا رجع حيث فارق ، وهو هنا مجاز في مطلق الاستقرار سواء كان بعد إبعاد أم بدونه ، وسواء كان بعد سبق استقرار بالمكان أم لم يكن .

ومقابلة الإرجاء بالإيواء تقتضي أن الإرجاء مراد منه ضد الإيواء أو أن الإيواء ضد الإرجاء والإيواء صريحهما وكنايتهما .

فضمير ( منهن ) عائد إلى النساء المذكورات ممن هن في عصمته ومن أحل الله له نكاحهن غيرهن من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته ، والواهبات أنفسهن فتلك أربعة أصناف :

الصنف الأول : وهن اللاء في عصمة النبيء - عليه الصلاة والسلام - فهن متصلن به فإرجاء هذا الصنف ينصرف إلى تأخير الاستمتاع إلى وقت مستقبل يريده [ ص: 73 ] والإيواء ضده . فيتعين أن يكون الإرجاء منصرفا إلى القسم فوسع الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن أباح له أن يسقط حق بعض نسائه في المبيت معهن فصار حق المبيت حقا له لا لهن بخلاف بقية المسلمين ، وعلى هذا جرى قول مجاهد ، وقتادة ، وأبي رزين قاله الطبري .

وقد كانت إحدى نساء النبيء - صلى الله عليه وسلم - أسقطت عنه حقها في المبيت وهي سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة وكان ذلك قبل نزول هذه الآية ولما نزلت هذه الآية صار النبي - عليه الصلاة والسلام - مخيرا في القسم لأزواجه . وهذا قول الجمهور ، قال أبو بكر بن العربي : وهو الذي ينبغي أن يعول عليه . وهذا تخيير للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه لم يأخذ لنفسه به تكرما منه على أزواجه . قال الزهري . ما علمنا أن رسول الله أرجأ أحدا من أزواجه بل آواهن كلهن . قال أبو بكر بن العربي : وهو المعنى المراد . وقال أبو رزين العقيلي أرجأ ميمونة وسودة وجويرية وأم حبيبة وصفية ، فكان يقسم لهن ما شاء ، أي دون مساواة لبقية أزواجه . وضعفه ابن العربي .

وفسر الإرجاء بمعنى التطليق ، والإيواء بمعنى الإبقاء في العصمة ، فيكون إذنا له بتطليق من يشاء تطليقها وإطلاق الإرجاء على التطليق غريب .

وقد ذكروا أقوالا أخر وأخبارا في سبب النزول لم تصح أسانيدها فهي آراء لا يوثق بها . ويشمل الإرجاء الصنف الثاني وهن ما ملكت يمينه وهو حكم أصلي إذ لا يجب للإماء عدل في المعاشرة ولا في المبيت .

ويشمل الإرجاء الصنف الثالث وهن : بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته ، فالإرجاء تأخير تزوج من يحل منهن ، والإيواء العقد على إحداهن ، والنبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج واحدة بعد نزول هذه الآية ، وذلك إرجاء العمل بالإذن فيهن إلى غير أجل معين .

وكذلك إرجاء الصنف الرابع اللاء وهبن أنفسهن ، سواء كان ذلك واقعا بعد [ ص: 74 ] نزول الآية أم كان بعضه بعد نزولها فإرجاؤهن عدم قبول نكاح الواهبة ، عبر عنه بالإرجاء إبقاء على أملها أن يقبلها في المستقبل ، وإيوائهن قبول هبتهن .

قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، وخلف ( ترجي ) بالياء التحتية في آخره مخفف ( ترجئ ) المهموز . وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم ، ويعقوب ترجئ بالهمز في آخره . وقال الزجاج : الهمز أجود وأكثر . والمعنى واحد .

واتفق الرواة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستعمل مع أزواجه ما أبيح له أخذا منه بأفضل الأخلاق ، فكان يعدل في القسم بين نسائه إلا أن سودة وهبت يومها لعائشة طلبا لمسرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وأما قوله ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك فهذا لبيان أن هذا التخيير لا يوجب استمرار ما أخذ به من الطرفين المخير بينهما ، أي لا يكون عمله بالعزل لازم الدوام بمنزلة الظهار والإيلاء ، بل أذن الله أن يرجع إلى من يعزلها منهن ، فصرح هنا بأن الإرجاء شامل للعزل .

ففي الكلام جملة مقدرة دل عليها قوله ابتغيت إذ هو يقتضي أنه ابتغى إبطال عزلها فمفعول ( ابتغيت ) محذوف دل عليه قوله وتؤوي إليك من تشاء كما هو مقتضى المقابلة بقوله ترجي من تشاء ، فإن العزل والإرجاء مؤداهما واحد .

والمعنى : فإن عزلت بالإرجاء إحداهن فليس العزل بواجب استمراره بل لك أن تعيدها إن ابتغيت العود إليها ، أي فليس هذا كتخيير الرجل زوجه فتختار نفسها ، المقتضي أنها تبين منه . ومتعلق الجناح محذوف دل عليه قوله ( ابتغيت ) أي ابتغيت إيوائها فلا جناح عليك من إيوائها .

و ( من ) يجوز أن تكون شرطية وجملة فلا جناح عليك جواب الشرط . و يجوز أن تكون موصولة مبتدأ فإن الموصول يعامل معاملة الشرط في كلامهم بكثرة إذا قصد منه العموم فلذلك يقترن خبر الموصول العام بالفاء كثيرا كقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، وعليه فجملة فلا جناح [ ص: 75 ] عليك خبر المبتدأ اقترن بالفاء لمعاملة الموصول معاملة الشرط ومفعول ( عزلت ) محذوف عائد إلى ( من ) أي التي ابتغيتها ممن عزلتهن وهو من حذف العائد المنصوب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث