الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار

قوله تعالى : واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب إن هذا لرزقنا ما له من نفاد .

[ ص: 196 ] قوله تعالى : واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل مضى ذكر اليسع في ( الأنعام ) وذكر ذي الكفل في ( الأنبياء ) . وكل من الأخيار : أي ممن اختير للنبوة . هذا ذكر : بمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا ، وشرف يذكرون به في الدنيا أبدا . وإن للمتقين لحسن مآب أي لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة . ثم بين ذلك في قوله تعالى : جنات عدن والعدن في اللغة الإقامة ، يقال : عدن بالمكان إذا أقام . وقال عبد الله بن عمر : إن في الجنة قصرا يقال له عدن ، حوله البروج والمروج ، فيه خمسة آلاف باب ، على كل باب خمسة آلاف حبرة ، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد .

" مفتحة " : حال " لهم الأبواب " : رفعت الأبواب لأنه اسم ما لم يسم فاعله . قال الزجاج : أي : مفتحة لهم الأبواب منها . وقال الفراء : مفتحة لهم أبوابها . وأجاز الفراء : " مفتحة لهم الأبواب " بالنصب . قال الفراء : أي : مفتحة الأبواب ثم جئت بالتنوين فنصبت . وأنشد هو وسيبويه : [ للنابغة الذبياني ] .


ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام



وإنما قال : " مفتحة " ولم يقل مفتوحة ; لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس . قال الحسن : تكلم : انفتحي فتنفتح ، انغلقي فتنغلق . وقيل : تفتح لهم الملائكة الأبواب .

قوله تعالى : متكئين فيها هو حال قدمت على العامل فيها وهو قوله : يدعون فيها أي يدعون في الجنات متكئين فيها .

بفاكهة كثيرة أي بألوان الفواكه " وشراب " : أي وشراب كثير ، فحذف لدلالة الكلام عليه .

قوله تعالى : وعندهم قاصرات الطرف أي على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ، وقد مضى في الصافات . أتراب : أي على سن واحد . وميلاد امرأة واحدة ، وقد تساوين في الحسن والشباب ، بنات ثلاث وثلاثين سنة . قال ابن عباس : يريد الآدميات . و " أتراب " جمع ترب ، وهو نعت لقاصرات ; لأن " قاصرات " نكرة ، وإن كان مضافا إلى المعرفة . والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه كما قال [ امرؤ القيس ] :


من القاصرات الطرف لو دب محول     من الذر فوق الإتب منها لأثرا



قوله تعالى : هذا ما توعدون ليوم الحساب أي هذا الجزاء الذي وعدتم به . وقراءة العامة بالتاء أي : ما توعدون أيها المؤمنون . وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب بالياء [ ص: 197 ] على الخبر ، وهي قراءة السلمي واختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، لقوله تعالى : وإن للمتقين لحسن مآب فهو خبر . " ليوم الحساب " أي : في يوم الحساب ، قال الأعشى :


المهينين ما لهم لزمان     السوء حتى إذا أفاق أفاقوا



أي : في زمان السوء .

قوله تعالى : إن هذا لرزقنا ما له من نفاد دليل على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع ، كما قال : عطاء غير مجذوذ وقال : لهم أجر غير ممنون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث