الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الثالث : الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه ، أو يترك ما حلف على فعله مختارا ذاكرا ، وإن فعله ناسيا أو مكرها فلا كفارة عليه ، وعنه : على الناسي كفارة ، وإن حلف ، فقال : إن شاء الله ، لم يحنث ، فعل أو ترك ، إذا كان متصلا باليمين . وإذا حلف ليفعلن شيئا ، ونوى وقتا بعينه ، تقيد به ، وإن لم ينو لم يحنث حتى ييأس من فعله ، إما بتلف المحلوف عليه ، أو موت الحالف ، ونحو ذلك . وإذا حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها استحب له الحنث والتكفير ، ولا يستحب تكرار الحلف ، وإن دعي إلى الحلف عند الحاكم وهو محق ، استحب افتداء يمينه ، فإن حلف فلا بأس .

التالي السابق


( الثالث : الحنث في يمينه ) لأن من لم يحنث لا كفارة عليه ، لأنه لم يهتك حرمة القسم ( بأن يفعل ما حلف على تركه ، أو يترك ما حلف على فعله ) لأن الحنث الإثم ، ولا وجود له إلا بما ذكر ( مختارا ذاكرا ) لأن غيرهما المكره والناسي ، ونبه عليهما بقوله ( وإن فعله ناسيا أو مكرها فلا كفارة عليه ) ذكره في الوجيز ، ونصر في الشرح أنه لا يحنث في يمين مكفرة ، ويحنث في عتق وطلاق ، قال السامري : اختاره أكثر شيوخنا ، ولأن فعل المكره لا ينسب إليه ، فلم تكن عليه كفارة ، كما لو لم يفعله ، وقال أبو الخطاب : الإكراه كالنسيان ، لشمول الحديث لهما ، وذكر في الشرح : المكره على الفعل ينقسم إلى قسمين :

أحدهما : أن يلجأ إليه ، فلا يحنث في قول أكثرهم .

الثاني : أن يكره بالضرب ونحوه ، ففيه روايتان : إحداهما : يحنث ، ككفارة الصيد ، ونصر في الشرح عدمه ، ولا نسلم الكفارة في الصيد ، [ ص: 269 ] بل إنما تجب على المكره ( وعنه : على الناسي كفارة ) لأن الفعل ينسب إليه في الجملة ، أشبه الذاكر ، والفرق واضح ( وإن حلف ، فقال : إن شاء الله ، لم يحنث ) ويسمى هذا استثناء ، لقوله عليه السلام : من حلف فقال : إن شاء الله ، لم يحنث . رواه أحمد والترمذي ، وقال : سألت محمدا عنه ، فقال : هذا خطأ أخطأ فيه عبد الرزاق ، ورواه النسائي ، ولفظه : قد استثنى ، وابن ماجه ، ولفظه : فله ثنياه ، وعن ابن عمر مرفوعا ، قال : من حلف على يمين ، فقال : إن شاء الله ، فلا حنث عليه . رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه ، وقال غير واحد عن ابن عمر موقوفا ، ولا نعلم أحدا رفعه عن أيوب السختياني ، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، ولأنه متى قال : لأفعلن إن شاء الله ، فقد علمنا أنه متى شاء الله فعل ، ومتى لم يفعل لم يشأ الله ( فعل أو ترك إذا كان متصلا باليمين ) من غير فصل بكلام أجنبي ، ولا سكوت يمكن الكلام فيه ، لأن الاستثناء من تمام الكلام ، فاعتبر اتصاله كالشرط وجوابه : وخبر المبتدأ ، والاستثناء بـ إلا ، فعلى هذا : لو سكت لانقطاع نفسه ، أو عطس ونحوه ، لم يمنع صحة الاستثناء ، وعنه : مع فصل يسير ، ولم يتكلم ، جزم به في عيون المسائل ، قال في رواية أبي داود حديث ابن عباس : والله لأغزون قريشا ، ثم سكت ، ثم قال : إن شاء الله ، ثم لم يغزهم ، إنما هو استثناء بالقرب ، ولم يخلط كلامه بغيره ، ونقل عنه إسماعيل بن سعيد مثله ، ويحتمله كلام الخرقي ، فإنه قال : إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء كلام ، وعنه ، وفي المجلس ، وحكاه في الإرشاد عن بعض أصحابنا ، قدم الاستثناء على الجزاء أو أخره ، [ ص: 270 ] وعن ابن عباس : إذا استثنى بعد سنة فله ثنياه ، وهو قول مجاهد ، وهذا لا يصح ، قال أحمد : حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة : إذا حلفت على يمين الخبر ، ولم يقل فاستثن ، ولو جاز لأمر به وحمله في موضع آخر على قوله تعالى : ولا تقولن لشيء الآية ] الكهف : 23 [ فهذا استثناء من الكذب ، لأن الكذب ليس فيه كفارة ، وهو أشد من اليمين ، لأن اليمين تكفر ، والكذب لا يكفر ، قال ابن الجوزي : فائدته الخروج من الكذب ، وفي المبهج : يصح ، ولو تكلم ، ويشترط نطقه ، إلا من مظلوم خائف ، نص عليه ، ولم يقل في المستوعب : خائف ، لأن يمينه غير منعقدة ، أو لأنه بمنزلة المتأول ، وفي اعتبار قصد الاستثناء ، وجهان : فائدتهما فيمن سبق على لسانه عادة ، أو أتى به تبركا ، ولم يعتبره الشيخ تقي الدين ، وإن شك في الاستثناء ، فالأصل عدمه ، قال الشيخ تقي الدين : إلا ممن عادته الاستثناء ، واحتج بالمستحاضة تعمل بالعادة والتمييز ، ولم تجلس أقل الحيض ، والأصل وجوب العبادة ( وإذا حلف ليفعلن شيئا ، ونوى وقتا بعينه ، تقيد به ) لأن النية تصرف ظاهر اللفظ إلى غير ظاهره ، فلأن تصرفه إلى وقت آخر بطريق الأولى ( وإن لم ينو لم يحنث حتى ييأس من فعله ، إما بتلف المحلوف عليه ، أو موت الحالف ، ونحو ذلك ) لقول عمر : يا رسول الله ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ، ونطوف به ؛ قال : بلى ، أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؛ قال : لا ، قال : فإنك آتيه ومطوف به ولأن المحلوف على فعله لم يتوقف بوقت معين ، وفعله ممكن ، فلم تحصل مخالفة ما حلف عليه ، وذلك يوجب عدم الحنث ، لأن شرطه المخالفة ( وإذا حلف على يمين ، فرأى [ ص: 271 ] غيرها خيرا منها استحب له الحنث والتكفير ) كذا في المحرر والوجيز ، وقدمه في الفروع لأخبار ، منها خبر عبد الرحمن بن سمرة وأبي موسى ، متفق عليهما ، وعن عائشة : أن أبا بكر رضي الله عنه لم يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين ، فقال : لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير ، وكفرت عن يميني . رواه البخاري . وقدم في الترغيب : أن بره وإقامته على يمينه أولى ، وسبق تقسيمه إلى الخمسة ( ولا يستحب تكرار الحلف ) كذا في المستوعب والفروع ، وظاهره الكراهة ، وصرح بها في الرعاية ، لقوله تعالى : ولا تطع كل حلاف مهين ] القلم : 10 [ هذا ذم له يقتضي كراهة فعله ، فإن لم يخرج إلى حد الإكثار فليس بمكروه ، إلا أن يقترن به ما يقتضي كراهته ، ونقل حنبل : لا يكثر الحلف ، لأنه مكروه ، لقوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ] البقرة : 224 [ وبعضهم كرهه مطلقا ، وجوابه : بأنه عليه السلام حلف في غير حديث ، ولو كان مكروها كان أبعد الناس منه ، وأما الآية فمعناها : لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، قال أحمد : وذكر حديث ابن عباس بإسناده في قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم الرجل يحلف ألا يصل قرابته ، وقد جعل الله له مخرجا في التكفير ، فليكفر عن يمينه ويبر ، وإن كان النهي عاد إلى اليمين ، فالنهي عنه : الحلف على قول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، لا على كل يمين ( وإندعي إلى الحلف عند الحاكم ، وهو محق استحب ) وفي الفروع وغيره : فالأولى ( افتداء يمينه ) لما [ ص: 272 ] روي أن عثمان والمقداد تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد ، فجعل عمر اليمين على المقداد ، فردها على عثمان ، فقال عمر : لقد أنصفك ، فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ، ولم يحلف ، فقيل له في ذلك ، فقال : خفت أن يوافق قدر بلاء ، فيقال : يمين عثمان ( فإن حلف فلا بأس ) كذا في المحرر والوجيز ، قال بعض أصحابنا : تركه أولى ، فيكون مكروها ، والأشهر أنه ليس بمكروه ، وإنما هو مباح كتركه ، لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام أن يحلف على تصديق ما أخبره في ثلاثة مواضع في القرآن ، في سبأ ، ويس ، والتغابن ، وقال عمر على المنبر وفي يده عصا : أيها الناس لا تمنعنكم اليمين من حقوقكم ، ولأنه حلف صدق على حق ، أشبه الحلف عند غير الحاكم ، قال في الفروع ، ويتوجه فيه : يستحب لمصلحة ، كزيادة طمأنينة ، وتوكيد الأمر ، وغيره ، ومنه قوله عليه السلام لعمر عن صلاة العصر : والله ما صليتها تطمينا منه لقلبه .

فرع : ذكر في المستوعب والرعاية أنه إن أراد اليمين عند غير الحاكم فالمشروع أن يقول : والذي نفسي بيده ، والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لا ومقلب القلوب ، وما أشبه ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث