الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه

قوله تعالى : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون .

[ ص: 304 ] قوله تعالى : قل إنما أنا بشر مثلكم أي لست بملك بل أنا من بني آدم . قال الحسن : علمه الله تعالى التواضع . يوحى إلي أي من السماء على أيدي الملائكة أنما إلهكم إله واحد " ف " آمنوا به و استقيموا إليه أي وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه ، كما يقول الرجل : استقم إلى منزلك ، أي : لا تعرج على شيء غير القصد إلى منزلك . واستغفروه أي من شرككم . وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة قال ابن عباس : الذين لا يشهدون " أن لا إله إلا الله " وهي زكاة الأنفس . وقال قتادة : لا يقرون بالزكاة أنها واجبة . وقال الضحاك ومقاتل : لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة . قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء ، وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه . وقال الفراء وغيره : كان المشركون ينفقون النفقات ، ويسقون الحجيج ويطعمونهم ، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلت فيهم هذه الآية .

وهم بالآخرة هم كافرون فلهذا لا ينفقون في الطاعة ولا يستقيمون ولا يستغفرون . الزمخشري : فإن قلت : لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة ؟ قلت : لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته . ألا ترى إلى قوله - عز وجل - : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم أي : يثبتون أنفسهم ، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال ، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا ، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم ، وأهل الردة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة ، فنصبت لهم الحروب وجوهدوا . وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة ، وتخويف شديد من منعها ، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين ، وقرن بالكفر بالآخرة .

قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون قال ابن عباس : غير مقطوع ، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته ، ومنه قول ذي الإصبع :

[ ص: 305 ]

إني لعمرك ما بابي بذي غلق على الصديق ولا خيري بممنون



وقال آخر :


فترى خلفها من الرجع والوق     ع منينا كأنه أهباء



يعني بالمنين الغبار المنقطع الضعيف . وعن ابن عباس أيضا ومقاتل : غير منقوص . ومنه المنون ; لأنها تنقص منة الإنسان أي : قوته ، وقاله قطرب ، وأنشد قول زهير :


فضل الجياد على الخيل البطاء فلا     يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا



قال الجوهري : والمن القطع ، ويقال النقص ، ومنه قوله تعالى : لهم أجر غير ممنون . وقال لبيد :

عبس كواسب لا يمن طعامها



وقال مجاهد : غير ممنون غير محسوب . وقيل : غير ممنون عليهم به . قال السدي : نزلت في الزمنى والمرضى والهرمى ، إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث