الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين

قوله تعالى : ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

قوله تعالى : ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين لما تقدم ما جرى من تكذيب أممهم لأنبيائهم وإهلاكهم ; لذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم يا محمد ; أي قل لقومك : ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين أي فروا من معاصيه إلى طاعته . وقال ابن عباس : فروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم . وعنه فروا منه إليه واعملوا بطاعته . وقال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان : ففروا إلى الله اخرجوا إلى مكة . وقال الحسين بن الفضل : احترزوا من كل شيء دون الله فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه . وقال أبو بكر الوراق : فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن . وقال الجنيد : الشيطان داع إلى الباطل ففروا إلى الله يمنعكم منه . وقال ذو النون المصري : ففروا من الجهل إلى العلم ، ومن الكفر إلى الشكر . وقال عمرو بن عثمان : فروا من أنفسكم إلى ربكم . وقال أيضا : فروا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا على حركاتكم . وقال سهل بن عبد الله : فروا مما سوى الله إلى الله . إني لكم منه نذير مبين أي أنذركم عقابه على الكفر والمعصية .

ولا تجعلوا مع الله إلها آخر أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا للناس وهو النذير . وقيل : هو خطاب من الله للخلق .

إني لكم منه أي من محمد وسيوفه نذير أي أنذركم بأسه وسيفه إن أشركتم بي ; قاله ابن عباس .

[ ص: 51 ] قوله تعالى : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ; أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون ، كذب من قبلهم وقالوا مثل قولهم . والكاف من " كذلك " يجوز أن تكون نصبا على تقدير : أنذركم إنذارا كإنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم ، أو رفعا على تقدير : الأمر كذلك ، أي كالأول . والأول تخويف لمن عصاه من الموحدين ، والثاني لمن أشرك به من الملحدين . والتمام على قوله : كذلك عن يعقوب وغيره .

قوله تعالى : أتواصوا به أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب . وتواطئوا عليه ; والألف للتوبيخ والتعجب .

بل هم قوم طاغون أي لم يوص بعضهم بعضا بل جمعهم الطغيان ، وهو مجاوزة الحد في الكفر .

قوله تعالى : فتول عنهم أي أعرض عنهم واصفح عنهم فما أنت بملوم عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة ، ثم نسخ هذا بقوله تعالى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقيل : نسخ بآية السيف . والأول قول الضحاك ; لأنه قد أمر بالإقبال عليهم بالموعظة . وقال مجاهد : فتول عنهم فأعرض عنهم فما أنت بملوم أي ليس يلومك ربك على تقصير كان منك وذكر أي بالعظة فإن العظة تنفع المؤمنين . قتادة : وذكر بالقرآن فإن الذكرى به تنفع المؤمنين . وقيل : ذكرهم بالعقوبة وأيام الله . وخص المؤمنين ; لأنهم المنتفعون بها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث