الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل فإذا كان يوم التروية : أحرم وأهل بالحج فيفعل كما فعل عند [ ص: 129 ] الميقات وإن شاء أحرم من مكة وإن شاء من خارج مكة هذا هو الصواب . وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرموا كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم من البطحاء والسنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه وكذلك المكي يحرم من أهله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { من كان منزله دون مكة فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة } .

والسنة أن يبيت الحاج بمنى : فيصلون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ولا يخرجون منها حتى تطلع الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

وأما الإيقاد فهو بدعة مكروهة باتفاق العلماء . وإنما الإيقاد بمزدلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة وأما الإيقاد بمنى أو عرفة فبدعة أيضا .

ويسيرون منها إلى نمرة على طريق ضب من يمين الطريق و " نمرة " كانت قرية خارجة عن عرفات من جهة اليمين فيقيمون بها إلى الزوال كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي وهو موضع النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى فيه الظهر والعصر وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرنة وهناك مسجد يقال له : مسجد إبراهيم وإنما بني في أول دولة [ ص: 130 ] بني العباس .

فيصلي هناك الظهر والعصر قصرا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي خلفه جميع الحاج : أهل مكة وغيرهم قصرا وجمعا يخطب بهم الإمام كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره ثم إذا قضى الخطبة أذن المؤذن وأقام ثم يصلي كما جاءت بذلك السنة ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرا ويقصر أهل مكة وغير أهل مكة .

وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى كما كان أهل مكة يفعلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه أحدا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ ولكن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة .

وأما في حجه فإنه لم ينزل بمكة ولكن كان نازلا خارج مكة وهناك كان يصلي بأصحابه ثم لما خرج إلى منى وعرفة خرج معه أهل مكة وغيرهم ولما رجع من عرفة رجعوا معه ولما صلى بمنى أيام منى صلوا معه ولم يقل لهم أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ولم يحد النبي [ ص: 131 ] صلى الله عليه وسلم السفر لا بمسافة ولا بزمان ولم يكن بمنى أحد ساكنا في زمنه ولهذا قال : { منى مناخ من سبق } ولكن قيل إنها سكنت في خلافة عثمان وأنه بسبب ذلك أتم عثمان الصلاة لأنه كان يرى أن المسافر من يحمل الزاد والمزاد .

ثم بعد ذلك يذهب إلى عرفات . فهذه السنة ; لكن في هذه الأوقات لا يكاد يذهب أحد إلى نمرة . ولا إلى مصلى النبي صلى الله عليه وسلم بل يدخلون عرفات بطريق المأزمين ويدخلونها قبل الزوال ومنهم من يدخلها ليلا ويبيتون بها قبل التعريف وهذا الذي يفعله الناس كله يجزي معه الحج لكن فيه نقص عن السنة فيفعل ما يمكن من السنة مثل الجمع بين الصلاتين فيؤذن أذانا واحدا ويقيم لكل صلاة والإيقاد بعرفة بدعة مكروهة وكذلك الإيقاد بمنى بدعة باتفاق العلماء وإنما يكون الإيقاد بمزدلفة خاصة في الرجوع .

ويقفون بعرفات إلى غروب الشمس ولا يخرجون منها حتى تغرب الشمس وإذا غربت الشمس يخرجون إن شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبيهما . والعلمان الأولان حد عرفة فلا يجاوزوهما حتى تغرب الشمس والميلان بعد ذلك حد مزدلفة وما بينهما بطن عرنة .

ويجتهد في الذكر والدعاء هذه العشية فإنه ما رئي إبليس في [ ص: 132 ] يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحض من عشية عرفة لما يرى من تنزيل الرحمة وتجاوز الله سبحانه عن الذنوب العظام إلا ما رئي يوم بدر فإنه رأى جبريل يزع الملائكة .

ويصح وقوف الحائض وغير الحائض . ويجوز الوقوف ماشيا وراكبا . وأما الأفضل فيختلف باختلاف الناس فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه أو كان يشق عليه ترك الركوب وقف راكبا فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا .

وهكذا الحج فإن من الناس من يكون حجه راكبا أفضل ومنهم من يكون حجه ماشيا أفضل ولم يعين النبي صلى الله عليه وسلم لعرفة دعاء ولا ذكرا بل يدعو الرجل بما شاء من الأدعية الشرعية وكذلك يكبر ويهلل ويذكر الله تعالى حتى تغرب الشمس .

والاغتسال لعرفة قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن ابن عمر وغيره ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال : غسل الإحرام والغسل عند دخول مكة والغسل يوم عرفة . وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار وللطواف والمبيت بمزدلفة فلا أصل له لا عن النبي [ ص: 133 ] صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا استحبه جمهور الأئمة : لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه . بل هو بدعة إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها فيغتسل لإزالتها .

وعرفة كلها موقف ولا يقف ببطن عرنة وأما صعود الجبل الذي هناك فليس من السنة ويسمى جبل الرحمة ويقال له إلال على وزن هلال وكذلك القبة التي فوقه التي يقال لها : قبة آدم لا يستحب دخولها ولا الصلاة فيها . والطواف بها من الكبائر وكذلك المساجد التي عند الجمرات لا يستحب دخول شيء منها ولا الصلاة فيها . وأما الطواف بها أو بالصخرة أو بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم وما كان غير البيت العتيق فهو من أعظم البدع المحرمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث