الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فيومئذ وقعت الواقعة

قوله تعالى : فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [ ص: 245 ] قوله تعالى : فيومئذ وقعت الواقعة أي قامت القيامة .

وانشقت السماء أي انصدعت وتفطرت . وقيل : تنشق لنزول ما فيها من الملائكة ; دليله قوله تعالى : ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا وقد تقدم .

فهي يومئذ واهية أي ضعيفة . يقال : وهى البناء يهي وهيا فهو واه إذا ضعف جدا . ويقال : كلام واه ; أي ضعيف . فقيل : إنها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوهي ويكون ذلك لنزول الملائكة كما ذكرنا . وقيل : لهول يوم القيامة . وقيل : واهية أي متخرقة ; قاله ابن شجرة . مأخوذ من قولهم : وهي السقاء إذا تخرق . ومن أمثالهم :

خل سبيل من وهى سقاؤه ومن هريق بالفلاة ماؤه

أي من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه .

" والملك " يعني الملائكة ; اسم للجنس .

" على أرجائها " أي على أطرافها حين تنشق ; لأن السماء مكانهم ; عن ابن عباس . الماوردي : ولعله قول مجاهد وقتادة . وحكاه الثعلبي عن الضحاك ، قال : على أطرافها مما لم ينشق منها . يريد أن السماء مكان الملائكة فإذا انشقت صاروا في أطرافها . وقال سعيد بن جبير : المعنى والملك على حافات الدنيا ; أي ينزلون إلى الأرض ويحرسون أطرافها . وقيل : إذا صارت السماء قطعا تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها . وقيل : إن الناس إذا رأوا جهنم هالتهم ; فيندوا كما تند الإبل ، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاءوا . وقيل : " على أرجائها " ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السوق إليها ، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة . وهذا كله راجع إلى معنى قول ابن جبير . ويدل عليه : ونزل الملائكة تنزيلا وقوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض على ما بيناه هناك . والأرجاء النواحي والأقطار بلغة هذيل ، واحدها رجا مقصور ، وتثنيته رجوان ; مثل عصا وعصوان . قال الشاعر :

فلا يرمى بي الرجوان أني     أقل القوم من يغني مكاني

ويقال ذلك لحرف البئر والقبر .

قوله تعالى : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية قال ابن عباس : ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله . وقال ابن زيد : هم ثمانية أملاك . وعن الحسن : الله أعلم كم هم ، ثمانية أم ثمانية آلاف . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم [ ص: 246 ] القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة آخرين فكانوا ثمانية " . ذكره الثعلبي . وخرجه الماوردي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يحمله اليوم أربعة وهم يوم القيامة ثمانية " . وقال العباس بن عبد الملك : هم ثمانية أملاك على صورة الأوعال . ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي الحديث : " إن لكل ملك منهم أربعة أوجه : وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ، وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس " . ولما أنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قول أمية بن أبي الصلت : رجل وثور تحت رجل يمينه     والنسر للأخرى وليث مرصد
والشمس تطلع كل آخر ليلة     حمراء يصبح لونها يتورد
ليست بطالعة لهم في رسلها     إلا معذبة وإلا تجلد
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " صدق "
. وفي الخبر : " أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء ، وفوق ظهورهن العرش " . ذكره القشيري وخرجه الترمذي من حديث العباس بن عبد المطلب . وقد مضى في سورة " البقرة " بكماله . وذكر نحوه الثعلبي ولفظه . وفي حديث مرفوع : أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع . وفي تفسير الكلبي : ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة . وعنه : ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء من الملائكة . ثم ذكر عدة الملائكة بما يطول ذكره . حكى الأول عنه الثعلبي والثاني القشيري . وقال الماوردي عن ابن عباس : ثمانية أجزاء من تسعة وهم الكروبيون . والمعنى ينزل بالعرش . ثم إضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت ، وليس البيت للسكنى ، فكذلك العرش . ومعنى : فوقهم أي فوق رءوسهم . قال السدي : العرش تحمله الملائكة الحملة [ ص: 247 ] فوقهم ولا يحمل حملة العرش إلا الله . وقيل : " فوقهم " أي إن حملة العرش فوق الملائكة الذين في السماء على أرجائها . وقيل : " فوقهم " أي فوق أهل القيامة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث