الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإذا جاءت الصاخة

قوله تعالى : فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرةقوله تعالى : فإذا جاءت الصاخة لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد ، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة ، وبالإنفاق مما امتن به عليهم . والصاخة : الصيحة التي تكون عنها القيامة ، وهي النفخة الثانية ، تصخ الأسماع : أي تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للأحياء . وذكر ناس من المفسرين قالوا : تصيخ لها الأسماع ، من قولك : أصاخ إلى كذا : أي استمع إليه ، ومنه الحديث : " ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة إلا الجن والإنس " . وقال الشاعر :


يصيخ للنبأة أسماعه إصاخة المنشد للمنشد

[ ص: 193 ] قال بعض العلماء : وهذا يؤخذ على جهة التسليم للقدماء ، فأما اللغة فمقتضاها القول الأول ، قال الخليل : الصاخة : صيحة تصخ الآذان صخا أي تصمها بشدة وقعتها . وأصل الكلمة في اللغة : الصك الشديد . وقيل : هي مأخوذة من صخه بالحجر : إذا صكه قال الراجز :


يا جارتي هل لك أن تجالدي     جلادة كالصك بالجلامد

ومن هذا الباب قول العرب : صختهم الصاخة وباتتهم البائتة ، وهي الداهية . الطبري : وأحسبه من صخ فلان فلانا : إذا أصماه . قال ابن العربي : الصاخة التي تورث الصمم ، وإنها لمسمعة ، وهذا من بديع الفصاحة ، حتى لقد قال بعض حديثي الأسنان حديثي الأزمان :


أصم بك الناعي وإن كان أسمعا

وقال آخر :


أصمني سرهم أيام فرقتهم     فهل سمعتم بسر يورث الصمما

لعمر الله إن صيحة القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا ، وتسمع أمور الآخرة .

قوله تعالى : يوم يفر المرء من أخيه أي يهرب ، أي تجيء الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه ; أي من موالاة أخيه ومكالمته ; لأنه لا يتفرغ لذلك ، لاشتغاله بنفسه ; كما قال بعده : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه أي يشغله عن غيره . وقيل : إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه ، لما بينهم من التبعات . وقيل : لئلا يروا ما هو فيه من الشدة . وقيل : لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا ; كما قال : يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا . وقال عبد الله بن طاهر الأبهري : يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم ، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه ، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى . وصاحبته أي زوجته وبنيه أي أولاده .

وذكر الضحاك عن ابن عباس قال : يفر قابيل من أخيه هابيل ، ويفر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمه ، وإبراهيم - عليه السلام - من أبيه ، ونوح - عليه السلام - من ابنه ، ولوط من امرأته ، وآدم من سوأة بنيه . وقال الحسن : أول من يفر يوم القيامة من أبيه : إبراهيم ، وأول من يفر من ابنه نوح ; وأول من يفر من امرأته لوط . قال : فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ .

لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه في صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ، قلت ، يا رسول الله ! الرجال [ ص: 194 ] والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : يا عائشة ، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض . خرجه الترمذي عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يحشرون حفاة عراة غرلا " فقالت امرأة : أينظر بعضنا ، أو يرى بعضنا عورة بعض ؟ قال : " يا فلانة " ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) . قال : حديث حسن صحيح . وقراءة العامة بالغين المعجمة ; أي حال يشغله عن الأقرباء . وقرأ ابن محيصن وحميد ( يعنيه ) بفتح الياء ، وعين غير معجمة ; أي يعنيه أمره . وقال القتبي : يعنيه : يصرفه ويصده عن قرابته ، ومنه يقال : اعن عني وجهك : أي اصرفه واعن عن السفيه ; قال خفاف :


سيعنيك حرب بني مالك     عن الفحش والجهل في المحفل

قوله تعالى : وجوه يومئذ مسفرة : أي مشرقة مضيئة ، قد علمت ما لها من الفوز والنعيم ، وهي وجوه المؤمنين . ضاحكة أي مسرورة فرحة . مستبشرة : أي بما آتاها الله من الكرامة . وقال عطاء الخراساني : مسفرة من طول ما اغبرت في سبيل الله جل ثناؤه . ذكره أبو نعيم . الضحاك : من آثار الوضوء . ابن عباس : من قيام الليل ; لما روي في الحديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار يقال : أسفر الصبح إذا أضاء .

ووجوه يومئذ عليها غبرة أي غبار ودخان ، ترهقها أي تغشاها قترة أي كسوف وسواد . كذا قال ابن عباس . وعنه أيضا : ذلة وشدة . والقتر في كلام العرب : الغبار ، جمع القترة ، عن أبي عبيد ; وأنشد الفرزدق :


متوج برداء الملك يتبعه     موج ترى فوقه الرايات والقترا

وفي الخبر : إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة حول ذلك التراب في وجوه الكفار . وقال زيد بن أسلم ، القترة : ما ارتفعت إلى السماء ، والغبرة : ما انحطت إلى الأرض ، والغبار والغبرة : واحد .

أولئك هم الكفرة جمع كافر الفجرة جمع فاجر ، وهو الكاذب المفتري على الله تعالى . وقيل : الفاسق ; [ يقال ] : فجر فجورا : أي فسق ، وفجر : أي كذب . وأصله : الميل ، والفاجر : المائل . وقد مضى بيانه والكلام فيه . والحمد لله وحده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث