الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثامن فيما حازه المشركون من الأموال وغيرها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 433 ] الباب الثامن

فيما حازه المشركون من الأموال وغيرها

وفي ( الاستذكار ) : فيما حازه المشركون خمسة أقوال : لا يملكون مطلقا ، وتؤخذ من الغنيمة قبل القسمة وبعدها بغير شيء ، ويوقف لربه إن جهل ، وقاله ( ش ) لأن المشركين أغاروا على سرح المدينة ، فأخذوا منه ناقته عليه السلام ، فنجت عليها امرأة ، فنذرت نحرها إن نجاها الله تعالى ، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فحملت له عليه السلام فأخبرته المرأة بنذرها فقال لها عليه السلام : ( بئس ما جزيتها ، لا نذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملكه ابن آدم ) وقياسا لأموالنا على رقابنا ، ويملكون مطلقا فإذا غنمه الجيش لا يأخذه ربه قبل القسم ولا بعده ، قاله علي - رضي الله عنه - وجماعة لقوله عليه السلام : ( ما ترك لنا عقيل منزلا ) وللفرق بين ما غلبونا عليه فيملكون ، وبين ما أبق إليهم ، قال الثوري ، وقال ( ح ) إن غلبونا عليه فصاحبه أحق به قبل القسم بغير شيء وبعده بالقيمة ، وإن أخذوه بغير غلبة أخذه صاحبه مطلقا ، وقال مالك وابن حنبل : هو أحق به قبل القسم بغير [ ص: 434 ] شيء وبعده بالثمن من غير تفصيل ، لما يروى أن رجلا وجد بعيرا كان المشركون أصابوه فقال عليه السلام : (إن أصبته قبل القسم فهو لك ، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة ) قال : وهو ضعيف السند .

تفاريع اثنا عشر :

الأول : في ( الكتاب ) : ما حازه المشركون من مال مسلم أو ذمي من عرض ، أو عبد أو غيره ، أو أبق إليهم ثم غنمناه لهم ، فإن عرفه ربه قبل القسمة كان أحق به ، وإن لم يعرف ربه بعينه وعرف أنه لمسلم أو ذمي قسم ، فإن جاء به فهو أحق به بالثمن بالغا ما بلغ ، ولا يخير على فدائه ، ومن وقع له أمة يعلمها لمسلم فلا يطؤها حتى يعرضها عليه فيأخذها بماله أو يدع ، وسواء اشتراها ببلد الإسلام أو الحرب ، وكذلك العبد ، وما وجده السيد قد فات بعتق أو استيلاد فلا سبيل له عليه ، وكان من مغنم أو ابتياع من حربي ، ووافقنا ( ح ) ووافق ( ش ) في أم الولد والمكاتب والمدبر ، والفرق بين قبل القسم وبعده : ضرر نقض القسمة أو ذهاب آخذه بغير شيء ، قال ابن يونس : قال محمد : إذا كان عرف ربه ، وكان غائبا ، وكان نقله له مصلحة فعل ذلك وإلا باعه الإمام له ، قال أشهب : إن كان إيصاله من غير كلفة كالعبد والسيف فباعوه بعد علمهم ، أخذه ربه بغير ثمن ، قال سحنون : إذا وجد الفرس في المغنم موسوما بالحبس لا يقسم ، ويخلى السبيل ، وقال أيضا : لا عبرة بذلك ; لأنه قد يوسم ليلا يؤخذ من ربه .

الثاني : في ( الكتاب ) : إذا أسر أهل الحرب ذميا ثم غنمناه لم يكن فيئا ورد [ ص: 435 ] إلى ذمته ، قال ابن القاسم : ولو أسلم أهل بلد على إحراز ذمتنا وفي أيديهم رقيق لهم فهم أحق بجميع الأمتعة من أربابها ؛ لقوله عليه السلام ( من أسلم على شيء في يده للمسلمين فهو له ) وإذا قدم تاجر بأمان بعبيد المسلمين فلا يؤخذوا منه ، وإن أسلم عندنا كانوا له ، ومن اشترى أم ولد رجل من حربي فعلى سيدها جميع الثمن ، وإن كان أكثر من قيمتها ، ولا خيار له بخلاف العبد ، والفرق أن أم الولد لا يجوز الانتفاع بها لغيره ، وإذا قسمت في المغنم أخذها بالقيمة ، ولو أعتقت لم تؤخذ فيها فدية ، قال ابن يونس ، قال أشهب : على سيدها الأقل من ثمنها أو قيمتها ، قال سحنون : إن صارت في سهم رجل بمائتين ثم غنمت فصارت في سهم رجل آخر بخمسين فله أخذها بمائتين يأخذ منها من هي بيده خمسين ، والباقي للأول ، وكذلك لو توالت البياعات أو كانت أمة وإليه رجع سحنون ، وقال : إذا أعتق أم الولد من صارت في سهمه عالما بها فكأنه وضع المال عن سيدها فله أخذها بغير ثمن ، ويبطل العتق ولو أولدها المبتاع أخذها بالثمن ، ويرجع عليه بقيمة ولدها ولو مات سيدها عتقت ، وبطل حق المبتاع ولو قتلت ثم مات سيدها قبل فدائها بيعت ; لأن هذا فعلها بخلاف الأول ولو ماتت بيد من صارت بيده لم يتبع سيدها بشيء ، وكذلك إذا ماتت في الجناية قبل الفداء ، ولو أسلم عليها أهل الحرب أخذها سيدها بقيمتها .

الثالث : في ( الكتاب ) : ما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم أتوا به إلينا : كره شراؤه منهم ، ومن ابتاع عبدا من دار الحرب أو وهب له فكافأ عليه فلسيده أخذه ودفع ما ودى من ثمن أو عرض ، فإن لم يكاف على الهبة أخذه بغير شيء ، فإن باعه بطل أخذ ربه لتعلق حق المشتري وضعف ملك ربه بشبهة ملك الحربي ، وقال غيره : يأخذه بدفع الثمن إلى المبتاع ويرجع به على الموهوب ، قال ابن [ ص: 436 ] يونس : قال أشهب : الأمة كالأمة المستحقة يأخذها ربها وقيمة ولدها ، وقاله ابن القاسم ثم رجع ، والفرق عنده : أن المستحق يأخذ بغير ثمن فهو أقوى ، قال سحنون : إذا وقع الآبق في سهم رجل فباعه وتداولته الأملاك : لربه أخذه بأي ثمن شاء كالشفعة ، ثم رجع فقال بل بما وقع في المقاسم ، ورواه عن ابن القاسم ، قال ابن القاسم : ولو سبي العبد ثانية بعد تداول الأملاك فلا مقال للذي سبي منه أولا ، والذي سبي منه آخرا أولى منه بعد دفع ما وقع به إلى من هو بيده ، فإن أخذه فلربه الأول أخذه بما وقع به في المقاسم الثانية ; لأنه ملك ثان . ومن كتاب محمد : ومن ابتاع عبدا من المغنم بمائة ، ولم يعرف ربه ثم سبي ثم اشتراه رجل بخمسين يقال لربه : ادفع مائة للأول وخمسين للثاني إن شاء ويأخذه وإلا فلا ، ثم إن شاء الأول فداه من الثاني بخمسين ، فإن أسلمه إليه فلربه الأول من الثاني إعطاء خمسين وأخذه .

الرابع : قال ابن يونس : قال سحنون : العبد المأذون يركبه الدين ويجني ، ثم يأسره العدو فيقع في سهم رجل فلربه فداؤه بالأكثر مما وقع به في المقاسم ، أو أرش الجناية ، فإن كان الأرش عشرين وثمن المغانم عشرة أخذ من صار له عشرة والمجني عليه عشرة . فإن كان الأرش عشرة أخذ من هو بيده العشرين ولا شيء لصاحب الجناية كما لو سبي فابتاعه رجل ، ثم سبي ثانية وغنمه ففداه ربه بالأكثر وبه ، قال ابن القاسم ، وقال أشهب : إذا أعتق المشتري من المغنم لربه نقض عتقه ، وهو خلاف قول ابن القاسم في البيع والهبة ، ولم يختلف قول أشهب في نقص البيع .

الخامس : قال ابن يونس : ويرد المدبر من المغانم لسيده إن عرفت عينه ، قال سحنون : وإن لم يعرف بعينه دخلت خدمته في المغانم ، قال عبد الوهاب : [ ص: 437 ] يريد : يؤاجر بمقدار قيمته فيجعل ذلك من المغانم ، أو يتصدق به إن تفرق الجيش ، فإذا استوفى المستأجر حقه كان باقي خراجه موقوفا كاللقطة ، قال ابن القاسم : وإن جهلوه اقتسموه ، ولسيده فداؤه بالثمن ويرجع مدبرا ، ولا يتبع المدبر بشيء ، فإن امتنع من فدائه أخدمه من صار إليه في الثمن فإذا وفى رجع لسيده مدبرا ، فإن مات سيده في أثناء الخدمة عتق واتبع بباقي الثمن ، وإن لم يسعه الثلث عتق ما وسعه واتبع ما عتق منه بما يقع عليه من بقية الثمن كالجناية ، ويحسب قيمة المدبر عبدا حتى يعلم ما يحمله الثلث ، وإن لم يترك السيد شيئا عتق ثلثه ورق ثلثاه ، ولا قول للورثة ، وفي الجناية يخيرون فيما رق في الإسلام أو دفع ما يقع عليه من الجناية ، والفرق أن المشتري من المغانم إنما اشتراه مما يرق منه ، وفي الجناية أسلمت خدمته فإذا لم يحمله الثلث فهو كمعتق بعضه فيخير الورثة ، وقال غير ابن القاسم : إن حمله الثلث عتق ولم يتبع بشيء ، وإن حمل البعض لم يتبع تلك الحصة المعتقة بشيء ، بخلاف الجناية التي هي فعله ، وفرق عبد الملك بين وقوعه في المقاسم وبين المشتري في بلد الحرب ، فقال في الثاني : يتبعه مشتريه بما بقي عليه ، ويحاسبه بما يخدمه به ، وإن حمله الثلث لا يتبع بشيء كالمشتري من المغنم ، والمشتري من بلد الحرب لا يحاسب بشيء ما أخذ به ويتبع بالثمن ، وإذا أسلم حربي على مدبر ، قال سحنون : له جميع خدمته ، وإن مات سيده عتق في ثلثه ولم يتبع بشيء كحر أسلم عليه ، وإن حمل الثلث بعضه رق باقيه ولم يتبع ما عتق منه بشيء ، وإن كان على السيد دين محيط بجميع ماله وعلى المدبر الذي أسلم عليه ، وقال : إذا اشتريت المدبرة من العدو أو المغانم أو أسلم عليها حربي فوطئها فحملت كانت له أم ولد ، ولا ترجع إلى سيدها ، وإن دبرها الثاني ولم يعلم سيدها فدفع سيدها إليه ما فداها به بطل تدبيره ، وعادت على حالها ، وإن أسلمها بقيت بيد سيدها تخدمه ولا يبطل تدبيره ، فإن مات الأول وحملها الثالث عتقت ولا يتبعها الثاني بجميع الفداء ، فإن مات الثاني وحملها الثالث يسقط الفداء ، قال ابن القاسم : لو أعتق المدبر مشتريه نفذ العتق بخلاف أم الولد ، والمعتق إلى أجل [ ص: 438 ] لعدم قبولها الملك الثاني ، وخالف أصبغ في المعتق إلى أجل وسحنون إن أعتقه وهو عالم به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث