الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن حج الصبي ثم بلغ ، أو حج العبد ثم أعتق لم يجزئه ذلك عن حجة الإسلام لما روى ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى ، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى } فإن بلغ الصبي أو عتق العبد في الإحرام نظرت - فإن كان قبل الوقوف بعرفة أو في حال الوقوف بعرفة - أجزأه عن حجة الإسلام [ ص: 46 ] لأنه أتى بأفعال النسك في حال الكمال فأجزأه ، وإن كان ذلك بعد فوات الوقوف لم يجزئه [ لأنه لم يدرك وقت العبادة ] وإن كان بعد الوقوف وقبل فوات وقته ، ولم يرجع إلى الموقف ، فقد قال أبو العباس : يجزئه ; لأن إدراك وقت العبادة في حال الكمال كفعلها في حال الكمال ، والدليل عليه أنه لو أحرم ثم كمل جعل كأنه بدأ بالإحرام في الكمال . وإذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخر الوقت ، جعل كأنه صلى في حال البلوغ ( والمذهب ) أنه لا يجزئه ; لأنه لم يدرك الوقوف في حال الكمال ، فأشبه إذا كمل في يوم النحر ويخالف الإحرام ; لأن هناك إدراك الكمال ، والإحرام قائم ، فوزانه في مسألتنا أن يدرك الكمال وهو بعرفة فيجزئه ، وها هنا أدرك الكمال وقد انقضى الوقوف فلم يجزئه ، كما لو أدرك الكمال بعد التحلل عن الإحرام ، ويخالف الصلاة ، فإن الصلاة تجزئه بإدراك الكمال بعد الفراغ منها ، ولو فرغ من الحج ، ثم أدرك الكمال لم يجزئه )

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس رواه البيهقي في الباب الأول من كتاب الحج بإسناد جيد ، ورواه أيضا مرفوعا ، ولا يقدح ذلك فيه ، ورواية المرفوع قوية . ولا يضر تفرد محمد بن المنهال بها ، فإنه ثقة مقبول ضابط روى عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما ( وقوله ) كمل هو - بفتح الميم وضمها وكسرها - ثلاث لغات ، وفي الكسر ضعف . أما حكم المسألة فإذا أحرم الصبي بالحج ثم بلغ أو العبد ثم عتق ، فلهما أربعة أحوال : ( أحدها ) أن يكون البلوغ والعتق بعد فراغ الحج ، فلا يجزئهما عن حجة الإسلام ، بل تكون تطوعا ، فإن استطاعا بعد ذلك لزمهما حجة الإسلام وهذا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال العلماء كافة ، ونقل ابن المنذر فيه إجماع من يعتد به للحديث المذكور ، ولأن حجه وقع تطوعا فلا يجزئه عن الواجب بعده .

( الثاني ) أن يكون البلوغ والعتق قبل الفراغ من الحج لكنه بعد خروج وقت الوقوف بعرفات فلا يجزئهما عن حجة الإسلام بلا خلاف ; لأنه لم يدرك وقت العبادة فأشبه من أدرك الإمام بعد فوات الركوع ، فإنه لا تحسب له تلك الركعة . [ ص: 47 ] الثالث ) أن يكون قبل الوقوف بعرفات أو حال الوقوف ، فيجزئهما عن حجة الإسلام بلا خلاف عندنا . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجزئهما ، والخلاف يتصور مع أبي حنيفة في العبد دون الصبي ، فإنه قال : لا يصح إحرامه . دليلنا أنه وقف بعرفات كاملا فأجزأه عن حجة الإسلام ، كما لو كمل حالة الإحرام .

( الرابع ) أن يكون بعد الوقوف بعرفات ، وقبل خروج وقت الوقوف بأن وقف يوم عرفات ثم فارقها ، ثم بلغ أو عتق قبل طلوع الفجر ليلة النحر ، فإن رجع إلى عرفات فحصل فيها ، ووقت الوقوف باق أجزأه عن حجة الإسلام بلا خلاف ، كما لو بلغ ، وهو واقف ، وإن لم يعد وجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما : ( الصحيح ) باتفاق الأصحاب لا يجزئه ، وهو المنصوص ، وقال ابن سريج يجزئه ، وسبق في أول كتاب الصلاة الفرق بين الحج والصلاة واضحا ، قال أصحابنا : وإذا أجزأه عن حجة الإسلام ، فإن بلغ أو عتق في حال الوقوف أو بعده ، وعاد إلى عرفات في وقته أو قبل الوقوف ، فإن كان لم يسع عقب طواف القدوم ، فلا بد من السعي ; لأنه ركن ، وإن كان سعى في حال الصبا والرق ففي وجوب إعادته وجهان : ( أحدهما ) لا يجب كما لا يجب إعادة الإحرام ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد ، قال أبو الطيب ، وهو قول ابن سريج : ( وأصحهما ) يجب ، وبه قطع أبو علي الطبري في الإفصاح ، والدارمي وآخرون ، ورجحه القاضي أبو الطيب والرافعي وآخرون ; لأنه وقع في حال النقص فوجبت إعادته بخلاف الإحرام فإنه مستدام .

( وأما ) السعي فانقضى بكماله في حال النقص ، فإذا وقع حجه تطوعا لم يجزئه عن حجة الإسلام ، ولا دم عليه بلا خلاف ، وإن وقع عن حجة الإسلام ففي وجوب الدم طريقان : ( أصحهما ) على قولين : ( أصحهما ) لا دم إذ لا إساءة ولا تقصير ( والثاني ) يجب لفوات الإحرام الكامل من الميقات فإن كماله أن يحرم بالغا حرا من الميقات ، ولم يوجد ذلك .

( والطريق الثاني ) لا يجب قولا واحدا ، وبه قال أبو الطيب بن سلمة [ ص: 48 ] وأبو سعيد الإصطخري ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب مواقيت الحج ، وجزم بالطريق الأول ، وهو المشهور ، قال أصحابنا : وهذا الخلاف إذا لم يعد بعد البلوغ والعتق إلى الميقات ، فإن عاد إليه محرما فلا دم على المذهب ، كما لو ترك الميقات ثم عاد إليه ، وفيه وجه أنه لا يسقط الدم بالعودة هنا .



قال أصحابنا : والطواف في العمرة كالوقوف في الحج فإذا بلغ أو عتق أجزأته عن عمرة الإسلام ، وكذا لو بلغ أو عتق فيه ، وإن كان بعده فلا ، وحيث أجزأهما عن حجة الإسلام وعمرته ، فهل نقول : وقع إحرامهما أولا تطوعا ؟ ثم انقلب فرضا عقب البلوغ والعتق ؟ أم وقع إحرامهما موقوفا ؟ فإن أدركا به حجة الإسلام تبينا وقوعه فرضا وإلا فنفلا ؟ فيه وجهان حكاهما البغوي والمتولي وآخرون ( أصحهما ) وقع تطوعا وانقلب فرضا ، وبهذا قطع البندنيجي والمحاملي في المجموع قال المحاملي : وفائدة الوجهين أنا إن قلنا : وقع نفلا وسعى عقب طواف القدوم ، ثم بلغ ، وجبت إعادة السعي وإلا فلا .



( فرع ) قد ذكرنا أن الأصحاب قالوا : إذا أفسد الصبي والعبد حجهما وقلنا : يلزمهما القضاء ، ولا يصح في الصبا والرق ، أو قلنا : يصح ولم يفعلاه حتى كملا بالبلوغ والعتق ، فإن كانت تلك الحجة لو سلمت من الإفساد لأجزأت عن حجة الإسلام ، فإن بلغ أو عتق قبل فوات الوقوف وقع القضاء عن حجة الإسلام بلا خلاف ، وإن كانت لا تجزئ عن حجة الإسلام لو سلمت من الإفساد بأن بلغ أو عتق بعد فوات الوقوف لم يقع القضاء عن حجة الإسلام ، بل عليه أن يبدأ عن حجة الإسلام ثم يقضي ، فإن نوى القضاء أولا ، وقع عن حجة الإسلام ، قال أصحابنا : وهذا أصل لكل حجة فاسدة إذا قضيت هل يقع عن حجة الإسلام ؟ فيه هذا التفصيل ، وقد سبق بيان هذه القاعدة واضحا في جماع الصبي .



قال الدارمي : ولو فات الصبي والعبد الحج وبلغ وعتق . فإن كان البلوغ والعتق قبل الفوات فعليه حجة واحدة تجزئه عن فرض الإسلام [ ص: 49 ] والقضاء ، وإن كان بعد الفوات فعليه حجتان حجة الفوات وحجة الإسلام ، ويبدأ بالإسلام ، قال : وإن أفسد الحر البالغ حجه قبل الوقوف ثم فاته الوقوف أجزأته حجة واحدة عن حجة الإسلام والفوات والقضاء ، وعليه بدنتان إحداهما للإفساد والأخرى للفوات ، والله أعلم .



( فرع ) في حكم إحرام الكافر ومروره بالميقات وإسلامه في إحرامه ، وهذا الفرع ذكره المزني في مختصره والأصحاب أجمعون ، مع مسائل حج الصبي والعبد ، وترجموا للجميع بابا واحدا ، وقد ذكر المصنف مسألة منه في باب مواقيت الحج ، فرأيت ذكره هنا أولى لموافقة الجمهور ، ومبادرة إلى الخيرات قال أصحابنا : إذا أتى كافر الميقات يريد النسك فأحرم منه ، لم ينعقد إحرامه بلا خلاف كما سبق بيانه ، فإن أسلم قبل فوات الوقوف ولزمه الحج لتمكنه منه ، فله أن يحج من سنته ، وله التأخير ; لأن الحج على التراخي ، والأفضل حجه من سنته فإن حج من سنته ، وعاد إلى الميقات فأحرم منه أو عاد منه محرما بعد إسلامه فلا دم بالاتفاق ، وإن لم يعد بل أحرم وحج من موضعه ، لزمه الدم كالمسلم إذا جاوزه بقصد النسك ، هكذا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب إلا المزني ، فإنه قال : لا دم ; لأنه مر به وليس هو من أهل النسك ، فأشبه غير مريد النسك والمذهب الأول . هذا كله إذا أسلم وأمكنه من سنته فإن لم يمكن بأن أسلم بعد الفجر من ليلته لم يجب عليه الحج في هذه السنة فإن استطاع بعد ذلك لزمه وإلا فلا ، ولا خلاف أنه لا أثر لإحرامه في الكفر في شيء من الأحكام فلو قتل صيدا أو وطئ أو تطيب أو لبس أو حلق شعره أو فعل غير ذلك من محرمات الإحرام فلا شيء عليه ولا ينعقد نكاحه ، وكل هذا لا خلاف فيه ، ولو مر كافر بالميقات مريدا للنسك وأقام بمكة ليحج قابلا منها وأسلم قال الدارمي : فإن كان حين مر بالميقات أراد حج تلك السنة ثم حج بعدها فلا دم بالاتفاق ; لأن الدم إنما يجب على تارك الميقات إذا حج من سنته وهذا لم يحج من سنته وإن كان نوى حال مروره حج السنة الثانية التي حج فيها [ ص: 50 ] ففي وجوب الدم وجهان قال : ولو كان حين مروره لا يريد إحراما بشيء ثم أسلم وأحرم في السنة الثانية ففعله من مكة في السنة الثانية ففي وجوب الدم الوجهان كالكافر .



( فرع ) في مذاهب العلماء في حج العبد والصبي سوى ما سبق قد ذكرنا أن الصبي والعبد إذا أحرما وبلغ وعتق قبل فوات الوقوف أجزأهما عن حجة الإسلام وبه قال إسحاق بن راهويه وقال به الحسن البصري وأحمد في العبد . قال أبو حنيفة ومالك وأبو ثور : لا يجزئهما واختاره ابن المنذر ( أما ) إذا لم يبلغ أو لم يعتق إلا بعد الوقوف فلا يجزئه سواء كان بعد ذهاب وقت الوقوف أو في الوقت ولم يعد إلى عرفات كما سبق ، هذا هو المشهور من مذهبنا ، وقال ابن سريج : يجزئهما إن كان وقت الوقوف باقيا وإن لم يرجعا والصحيح لغير ابن سريج الأول قال العبدري : وبهذا قال جمهور العلماء ، ولم يذكر في المسألة خلافا قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم ممن لا يعتد بخلافه خلافا أن الصبي إذا حج ثم بلغ ، والعبد إذا حج ثم عتق أن عليهما بعد ذلك حجة الإسلام إن استطاعا ، وإحرام العبد بغير إذن سيده صحيح عندنا كما سبق ، قال العبدري : وبه قال جميع الفقهاء ، واختلف فيه أصحاب داود والمشهور عنه بطلانه ، ولو مر الكافر بالميقات مريدا نسكا وجاوزه ثم أسلم ثم أحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه دم كما سبق ، وبه قال أحمد وقال مالك والمزني وداود : لا يلزمه .



( فرع ) قال أصحابنا : المحجور عليه لسفه يسد في وجوب الحج ، لكن لا يجوز للولي دفع المال إليه ، بل يصحبه الولي وينفق عليه بالمعروف ، أو ينصب قيما ينفق عليه من مال السفيه ، قال البغوي : وإذا شرع السفيه في حج الفرض أو حج نذره قبل الحجر بغير إذن الولي لم يكن للولي تحليله ، بل يلزمه الإنفاق عليه من مال السفيه إلى فراغه ، ولو [ ص: 51 ] شرع في حج تطوع ثم حجر عليه فكذلك ولو شرع فيه بعد الحجر فللولي تحليله إن كان يحتاج إلى مؤنة تزيد على نفقته المعهودة ، ولم يكن له كسب ، فإن لم تزد أو كان له كسب يفي مع قدر النفقة المعهودة بمؤنة سفره وجب إتمامه ولم يكن له تحليله .



( فرع ) يصح حج الأغلف وهو الذي لم يختن . هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة ( وأما ) حديث أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يحج الأغلف حتى يختن } فضعيف ، قال ابن المنذر في كتاب الختان من الإشراف : هذا الحديث لا يثبت وإسناده مجهول .



( فرع ) إذا حج بمال حرام أو راكبا دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك والعبدري وبه قال أكثر الفقهاء . وقال أحمد : لا يجزئه ، ودليلنا أن الحج أفعال مخصوصة والتحريم لمعنى خارج عنها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث