الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن كانت امرأة ، لم يلزمها إلا أن تأمن على نفسها بزوج أو محرم أو نساء ثقات ، قال في الإملاء : أو امرأة واحدة وروى الكرابيسي عنه إذا كان الطريق آمنا جاز من غير نساء ، وهو الصحيح ، لما روى عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { حتى لتوشك الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة . قال عدي : فلقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة حتى تطوف بالكعبة بغير جوار } ولأنها تصير مستطيعة بما ذكرناه ، ولا تصير مستطيعة بغيره )

التالي السابق


( الشرح ) حديث عدي هذا صحيح رواه البخاري في صحيحه بمعناه في باب علامات النبوة ، وهذا لفظه عن عدي بن حاتم قال : { بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ، ثم أتى إليه آخر فشكا قطع السبيل فقال يا عدي ، هل رأيت الحيرة ؟ قلت : لم أرها ، وقد أنبئت عنها ، قال : فإن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله تعالى - } ، قال عدي : فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله " هذا اللفظ رواية البخاري مختصرا ، وهو بعض من حديث طويل . ( وأما ) قوله : من غير جوار - فبكسر الجيم - ومعناه بغير أمان وذمة والحيرة - بكسر الحاء المهملة - وهي مدينة عند الكوفة ، والظعينة المرأة ، ويوشك بكسر الشين - أي يدنو ، وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم . [ ص: 69 ] أما حكم المسألة فقال الشافعي والأصحاب - رحمهم الله - تعالى - : لا يلزم المرأة الحج إلا إذا أمنت على نفسها بزوج أو محرم نسب ، أو غير نسب ، أو نسوة ثقات ، فأي هذه الثلاثة وجد لزمها الحج بلا خلاف ، وإن لم يكن شيء من الثلاثة لم يلزمها الحج على المذهب سواء وجدت امرأة واحدة أم لا ( وقول ثالث ) أنه يجب أن تخرج للحج وحدها إذا كان الطريق مسلوكا كما يلزمها إذا أسلمت في دار الحرب الخروج إلى دار الإسلام وحدها بلا خلاف ، وهذا القول اختيار المصنف وطائفة ، والمذهب عند الجمهور ما سبق ، وهو المشهور من نصوص الشافعي .

( والجواب ) عن حديث عدي بن حاتم أنه إخبار عما سيقع ، وذلك محمول على الجواز ; لأن الحج يجب بذلك ، والجواب عن الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام أن الخوف في دار الحرب أكثر من الخوف في الطريق ، وإذا خرجت مع نسوة ثقات فهل يشترط لوجوب الحج أن يكون مع واحدة منهن محرم لها ؟ أو زوج ؟ فيه وجهان : ( أصحهما ) لا يشترط ; لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن ( والثاني ) يشترط ، فإن فقد لم يجب الحج ، قال القفال : لأنه قد ينوبهن أمر يحتاج إلى الرجل ، وقطع العراقيون وكثير من الخراسانيين بأنه لا يشترط ، ونقله المتولي عن عامة أصحابه سوى القفال قال إمام الحرمين : ولم يشترط أحد من أصحابنا أن يكون مع كل واحدة منهن محرم أو زوج ، قال : يقصد بما قاله القفال حكم الخلوة ، فإنه كما يحرم على الرجل أن يخلو بامرأة واحدة كذلك يحرم عليه أن يخلو بنسوة ، ولو خلا رجل بنسوة وهو محرم إحداهن جاز ، وكذلك إذا خلت امرأة برجال وأحدهم محرم لها جاز ، ولو خلا عشرون رجلا بعشرين امرأة وإحداهن محرم لأحدهم جاز ، قال : وقد نص الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات إلا أن تكون إحداهن محرما له ، هذا كلام إمام الحرمين هنا ، وحكى صاحب العدة عن القفال في الخلوة مثل ما ذكره إمام الحرمين بحروفه ، وحكى فيه نص الشافعي في تحريم خلوة بنسوة منفردا بهن ، هذا الذي ذكره الإمام وصاحب العدة ، والمشهور هو جواز [ ص: 70 ] خلوة رجل بنسوة لا محرم له فيهن لعدم المفسدة غالبا ; لأن النساء يستحيين من بعضهن بعضا في ذلك وقد سبقت هذه المسألة في باب صفة الأئمة .



( فرع ) هل يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطوع ؟ أو لسفر زيارة وتجارة ونحوهما مع نسوة ثقات ؟ أو امرأة ثقة ؟ فيه وجهان وحكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وآخرون من الأصحاب في باب الإحصار ، وحكاهما القاضي حسين والبغوي والرافعي وغيرهم ( أحدهما ) يجوز كالحج ( والثاني ) وهو الصحيح باتفاقهم وهو المنصوص في الأم ، وكذا نقلوه عن النص : لا يجوز ; لأنه سفر ليس بواجب ، هكذا علله البغوي . ويستدل للتحريم أيضا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تسافر امرأة ثلاثا إلا ومعها محرم } رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم : { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم } وعن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { لا تسافر امرأة إلا مع محرم فقال رجل : يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا ، وامرأتي تريد الحج قال : اخرج معها } رواه البخاري ومسلم وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تسافر امرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم } رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة ليس معها ذو حرمة } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم { مسيرة يوم } وفي رواية له { مسيرة ليلة } وسأعيد هذه المسألة بأبسط من هذا مع ذكر مذاهب العلماء فيها في آخر باب الفوات والإحصار إن شاء الله - تعالى - .



( فرع ) يجب الحج على الخنثى المشكل البالغ ، ويشترط في حقه من المحرم ما شرط في المرأة ، فإن كان معه نسوة من محارمه كأخواته جاز ، وإن كن أجنبيات فلا ; لأنه يحرم عليه الخلوة بهن ، ذكره القاضي أبو الفتح وصاحب البيان وغيرهما .



[ ص: 71 ] فرع ) اتفق أصحابنا على أن المرأة إذا أسلمت في دار الحرب لزمها الخروج إلى دار الإسلام وحدها من غير اشتراط نسوة ، ولا امرأة واحدة قال أصحابنا : وسواء كان طريقها مسلوكا أو غير مسلوك ; لأن خوفها على نفسها ودينها بالمقام فيهم أكثر من خوف الطريق ، وإن خافت في الطريق سبعا لم يجب سلوكه ، هكذا ذكر هذه المسألة بتفصيلها هنا القاضي حسين والمتولي وغيرهما وذكرها الأصحاب في كتاب السير .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث