الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن قدر على الحج راكبا وماشيا ، فالأفضل أن يحج راكبا { ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبا } ; ولأن الركوب أعون على المناسك )

التالي السابق


( الشرح ) : المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى في الإملاء وغيره ، أن الركوب في الحج أفضل من المشي ، ونص أنه إذا نذر الحج ماشيا لزمه ، وأنه إذا أوصى بحجه ماشيا لزم أن يستأجر عنه من يحج ماشيا ، وللأصحاب طريقان : ( أصحهما ) وبه قطع المصنف ومعظم العراقيين أن الركوب أفضل { لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبا } ; ولأنه أعون على المناسك والدعاء وسائر عباداته في طريقه ، وأنشط له ( والثاني ) : وهو مشهور في كتب الخراسانيين ، فيه قولان ( أصحهما ) : هذا ( والثاني ) : المشي [ ص: 74 ] لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : { على قدر نصبك } وحكى الرافعي وغيره في باب النذر قولا ثالثا : أنهما سواء ، وقال ابن سريج : هما قبل الإحرام ، فإذا أحرم فالمشي أفضل .

وقال الغزالي : من سهل عليه المشي ، فهو أفضل في حقه ، ومن ضعف وساء خلقه بالمشي ، فالركوب أفضل ، والصحيح أن الركوب أفضل مطلقا ، وأجاب القائلون بهذا عن نصه في الوصية بالحج ماشيا أن الوصية يتبع فيها ما سماه الموصي ، وإن كان غيره أفضل ، ولهذا لو أوصى أن يتصدق عنه بدرهم لا يجوز التصدق عنه بدينار ، والله أعلم ( فرع ) : في مذاهب العلماء في الحج ماشيا وراكبا أيهما أفضل ؟ قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أن الراكب أفضل .

قال العبدري : وبه قال أكثر الفقهاء ، وقال داود : ماشيا أفضل واحتج بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : { ولكنها على قدر نفقتك - أو نصبك } - رواه البخاري ومسلم وفي رواية صحيحة : { على قدر عنائك ونصبك } وروى البيهقي بإسناده عن ابن عباس قال : " ما آسى على شيء ما آسى أني لم أحج ماشيا " وعن عبيدة وابن عمير قال ابن عباس : " ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشيا " " ولقد حج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا ، وإن النجائب لتقاد معه ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات ، حتى كان يعطي الخف ويمسك النعل " وابن عمير يقول ذلك رواية عن الحسن بن علي ، قال البيهقي : وقد روي فيه حديث مرفوع من رواية ابن عباس - وفيه ضعف - عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من حج من مكة ماشيا حتى رجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، وحسنات الحرم الحسنة بمائة ألف حسنة } وهو ضعيف . وبإسناده عن مجاهد " { أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين } ومن حيث المعنى أن الأجر على قدر النصب ، قال المتولي : ولهذا كان الصوم في السفر أفضل من الفطر لمن أطاق الصوم ، وصيام الصيف أفضل . واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج راكبا } ( فإن [ ص: 75 ] قيل : ) حج راكبا لبيان الجواز ، وكان يواظب في معظم الأوقات على الصفة الكاملة ، فأما ما لم يفعله إلا مرة واحدة ، فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه ومنه الحج ، فإنه لم يحج صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلا حجة واحدة بإجماع المسلمين ، وهي حجة الوداع ، سميت بذلك ; لأنه ودع الناس فيها لا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم { لتأخذوا عني مناسككم } ; ولأنه أعون له على المناسك كما سبق والله أعلم .

( فرع ) : قال أصحابنا : الحج على المقتب والزاملة أفضل من المحمل لمن أطاق ذلك ، ودليل ذلك حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس قال : " حج أنس على رحل ، ولم يكن صحيحا ، وحدث { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل ، وكانت زاملة } رواه البخاري والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث