الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يحج عن الغير من لم يحج عن نفسه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : { سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، فقال : أحججت عن نفسك ؟ قال : لا ، قال : فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ، } ولا يجوز أن يعتمر عن غيره من لم يعتمر عن نفسه قياسا على الحج ، قال الشافعي رحمه الله : وأكره أن يسمى من لم يحج صرورة ، لما روى ابن عباس قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : { لا صرورة في الإسلام } ولا يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة وعليه فرضهما ، [ ص: 102 ] ولا يحج ويعتمر عن النذر ، وعليه فرض حجة الإسلام ; لأن النفل والنذر أضعف من حجة الإسلام ، فلا يجوز تقديمهما عليها كحج غيره على حجه ، فإن أحرم عن غيره وعليه فرضه انعقد إحرامه لنفسه ، لما روي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : أحججت عن نفسك ؟ قال : لا قال : فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة } فإن أحرم بالنفل ، وعليه فرضه انعقد إحرامه عن الفرض ، وإن أحرم من النذر ، وعليه فرض الإسلام انعقد إحرامه عن فرض الإسلام قياسا على من أحرم عن غيره وعليه فرضه ، فإن أمر المعضوب من يحج عنه عن النذر وعليه حجة الإسلام ، فأحرم عنه انصرف إلى حجة الإسلام ; لأنه نائب عنه ، ولو أحرم هو عن النذر انصرف إلى حجة الإسلام ، فكذلك النائب عنه ، وإن كان عليه حجة الإسلام وحجة نذر فاستأجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة فقد نص في الأم أنه يجوز ، وكان أولى ; لأنه لم يقدم النذر عن حجة الإسلام ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز ; لأنه لا يحج بنفسه حجتين في سنة وليس بشيء )

التالي السابق


( الشرح ) : حديث ابن عباس : ( { لا صرورة في الإسلام } ) رواه أبو داود بإسناد صحيح بعضه على شرط مسلم وباقيه على شرط البخاري ، والصرورة - بالصاد المهملة - قد بيناه قريبا ، وأنه اسم لمن لم يحج ، سمي بذلك ; لأنه صر بنفسه عن خراجها في الحج ، ويقال أيضا لمن لم يتزوج : صرورة ; لأنه صر بنفسه عن إخراجها في النكاح .

( وأما ) حديث ابن عباس في قصة شبرمة فرواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة ولفظ أبي داود عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة قال : من شبرمة ؟ قال : أخ لي أو قريب قال أحججت عن نفسك ؟ قال : لا ، قال : حج عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة } هذا لفظ أبو داود وإسناده على شرط مسلم ، ورواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة فقال : من شبرمة ؟ فذكر أخا له أو قرابة ، فقال : أحججت قط ؟ قال : لا ، قال فاجعل هذه عنك ، ثم حج عن شبرمة } " قال البيهقي : هذا إسناد صحيح ، قال : وليس في هذا ؟ [ ص: 103 ] الباب أصح منه ، ثم رواه من طرق كذلك مرفوعا ، قال : وروي موقوفا عن ابن عباس ، قال : ومن رواه مرفوعا حافظ ثقة ، فلا يضره خلاف من خالفه . قال البيهقي : وأما حديث الحسن بن عمارة عن عبد الملك عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من شبرمة ؟ فقال : أخ لي ، فقال : هل حججت ؟ قال : لا ، قال : حج عن نفسك ، ثم احجج عن شبرمة } ، قال البيهقي : قال الدارقطني : هذا هو الصواب عن ابن عباس ، والذي قبله وهم ، قال : إن الحسن بن عمارة كان يرويه ، ثم رجع عنه فحدث به على الصواب موافقا لرواية غيره عن ابن عباس ، قال : وهو متروك الحديث على كل حال والله أعلم ( وأما ) شبرمة فبشين معجمة مضمومة ، ثم باء موحدة ساكنة ، ثم راء مضمومة .

أما أحكام الفصل ففيه مسائل ( إحداها ) : قال الشافعي والأصحاب : لا يجوز لمن عليه حجة الإسلام أو حجة قضاء أو نذر أن يحج عن غيره ، ولا لمن عليه عمرة الإسلام إذا أوجبناها ، أو عمرة قضاء أو نذر أن يعتمر عن غيره بلا خلاف عندنا ، فإن أحرم عن غيره وقع عن نفسه لا عن الغير ، هذا مذهبنا وبه قال ابن عباس والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وعن أحمد رواية أنه لا ينعقد عن نفسه ولا غيره ، ومن أصحابه من قال : ينعقد الإحرام عن الغير ، ثم ينقلب عن نفسه ، وقال الحسن البصري وجعفر بن محمد وأيوب السجستاني وعطاء والنخعي وأبو حنيفة : ينعقد وهل يستحق الأجرة ؟ نظر ، إن ظنه قد حج فبان لم يحج لم يستحق أجرة لتغريره ، وإن علم أنه لم يحج ، وقال : يجوز في اعتقادي أن يحج عن غيره من لم يحج ، فحج الأجير وقع عن نفسه ، وفي استحقاقه . أجرة المثل قولان أو وجهان سبق نظائرهما . [ ص: 104 ] وأما ) إذا استأجر للحج من حج ولم يعتمر أو للعمرة من اعتمر ولم يحج ، فقرن الأجير ، وأحرم بالنسكين عن المستأجر أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالأجير عن نفسه ، فقولان حكاهما البغوي وآخرون ( الجديد ) : الأصح يقعان عن الأجير ; لأن نسكي القران لا يفترقان لاتحاد الإحرام ، ولا يمكن صرف ما لم يأمر به المستأجر إليه ( والثاني ) : أن ما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر عن الأجير ، وقطع كثيرون بالجديد ، وصورة المسألة أن يكون المستأجر عنه حيا ، فإن كان ميتا وقع النسكان جميعا عن الميت بلا خلاف نص عليه الشافعي والأصحاب ، قالوا : لأن الميت يجوز أن يحج عنه الأجنبي ، ويعتمر من غير وصية ولا إذن وارث بلا خلاف كما يقضي دينه .

( أما ) إذا استأجر رجلان شخصا ( أحدهما ) : ليحج عنه ( والآخر ) : ليعتمر عنه فقرن عنهما ، فعلى الجديد يقعان عن الأجير ، وعلى الثاني يقع عن كل واحد ما استأجر له .



( فرع ) : لو أحرم الأجير عن المستأجر ، ثم نذر حجة - نظر إن نذره بعد الوقوف - لم ينصرف حجه إليه ، بل يقع عن المستأجر ، وإن نذره قبله ، فوجهان حكاهما الرافعي وآخرون ( أصحهما ) : انصرافه إلى الأجير ( والثاني ) : لا ينصرف . ولو أحرم رجل بحج تطوع ، ثم نذر حجا بعد الوقوف لم ينصرف إلى النذر ، وقبله على الوجهين .

( المسألة الرابعة ) : نقل المصنف والأصحاب أن الشافعي رحمه الله قال : أكره أن يسمى من لم يحج صرورة ، قال القاضي وغيره : سبب الكراهة أنه من ألفاظ الجاهلية ، كما كره أن يقال للعشاء ( عتمة ) وللمغرب ( عشاء ) وللطواف ( شوط ) قالوا : وكانت العرب تسمي من [ ص: 105 ] لم يحج صرورة لصره النفقة وإمساكها ، وتسمي من لم يتزوج صرورة ; لأنه صر الماء في ظهره ، هذا كلام القاضي ( وقوله : ) يكره تسمية الطواف شوطا هكذا نص عليه الشافعي وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر وابن عباس تسمية الطواف شوطا ، وهذا يقتضي أن لا كراهة فيه إلا أن يقال : إنما استعملاه لبيان الجواز ، وهذا جواب ضعيف ، وسنعيد المسألة في مسائل الطواف إن شاء الله تعالى .

( وأما ) كراهية تسمية من لم يحج صرورة ، واستدلالهم بهذا الحديث ، ففيه نظر ; لأنه ليس في الحديث تعرض للنهي عن ذلك ؟ وإنما معناه لا ينبغي أن يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج ، والله أعلم .



( فرع ) : في مذاهب العلماء فيمن عليه حجة الإسلام وحجة نذر قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب تقديم حجة الإسلام ، وبه قال ابن عمر وعطاء وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ، وقال ابن عباس وعكرمة والأوزاعي : يجزئه حجة واحدة عنهما ، وقال مالك : إذا أراد بذلك وفاء نذره فهي عن النذر ، وعليه حجة الإسلام من قابل ، والله أعلم .



[ ص: 106 ] فصل في الاستئجار للحج هذا الفصل ذكر المصنف بعضه في كتاب الإجارة ، وبعضا منه في كتاب الوصية وحذف بعضا منه ، وقد ذكره المزني في المختصر هنا ، وترجم له بابا مستقلا في أواخر كتاب الحج ، وتابعه الأصحاب على ذكره هنا إلا المصنف . فأردت موافقة المزني والأصحاب فأذكر إن شاء الله تعالى مقاصد ما ذكروه مختصرة . قال الشافعي والأصحاب : يجوز الاستئجار على الحج وعلى العمرة لدخول النيابة فيهما كالزكاة ، ويجوز بالبذل كما يجوز بالإجارة ، وهذا لا خلاف فيه ، صرح به القاضي أبو الطيب في المجرد والأصحاب ، قالوا : وذلك بأن يقول : حج عنى وأعطيك ، نفقتك ، أو كذا وكذا ، وإنما يجوز الاستئجار حيث تجوز النيابة ، وإنما تجوز في صورتين في حق الميت وفي المعضوب كما سبق بيانه ، وأجرة الحج حلال من أطيب المكاسب .



( فرع ) : الاستئجار في جميع الأعمال ضربان ( أحدهما ) : استئجار عين الشخص ( والثاني ) : إلزام ذمته العمل ، مثال الأول من الحج أن يقول المعضوب استأجرتك أن تحج [ عني ، أو ] عن ميتي ، ولو قال : احجج بنفسك كان تأكيدا ( ومثال الثاني ) ألزمت ذمتك تحصيل الحج لي أو له ، ويفترق النوعان في أمور ستراها إن شاء الله تعالى . ثم لصحة الاستئجار شروط وآثار وأحكام موضعها كتاب الإجارة ، والذي نذكر هنا ما يتعلق بخصوص الحج . قال أصحابنا : وكل واحد من ضربي الإجارة قد يعين فيه زمن العمل وقد لا يعين ، وإذا عين فقد تعين السنة الأولى ، وقد تعين غيرها ، فأما في إجارة العين فإن عينا السنة الأولى جاز بشرط أن يكون الخروج والحج فيما بقي منها مقدورا للأجير ، فلو كان مريضا لا يمكنه الخروج أو كان الطريق غير آمن ، أو كانت المسافة بعيدة بحيث لا تنقطع في بقية السنة لم [ ص: 107 ] يصح العقد للعجز عن المنفعة ، فإن عينا غير السنة الأولى لم يصح العقد ، كاستئجار الدار للشهر المستقبل . قال أصحابنا : إلا أن تكون المسافة بعيدة بحيث لا يمكن قطعها في سنة فلا يضر التأخير ، ولكن يشترط السنة الأولى من سني الإمكان ، فيعتبر فيها ما سبق ( وأما ) الإجارة الواردة على الذمة ، فلا يشترط فيها السنة الأولى ، بل يجوز تعين السنة الأولى وتعين غيرها ، فإن عين الأولى أو غيرها تعينت ، وإن أطلق حمل على الأولى ولا يقدح في هذه الإجارة مرض الأجير ، ولا خوف الطريق ، لإمكان الاستنابة في هذه الإجارة ، ولا يقدح فيها أيضا ضيق الوقت ، إن عين غير السنة الأولى .



قال أصحابنا : وليس للأجير في إجارة العين أن يستنيب بحال ، وأما في إجارة الذمة ، فقد أطلق الجمهور أن له الاستنابة ، وقال الصيدلاني والبغوي وآخرون : إن قال : ألزمت ذمتك تحصيل حجة لي جاز أن يستنيب ، وإن قال احجج بنفسك لم يجز أن يستنيب ، بل يلزمه أن يحج بنفسه ; لأن الغرض يختلف باختلاف أعيان الأجراء وحكى إمام الحرمين هذا الفصل عن الصيدلاني وخطأه فيه ، وقال : الإجارة في الصورة الثانية باطلة ; لأن الدينية مع الربط بالعينية يتناقضان كمن أسلم في ثمرة بستان معين ، قال الرافعي : وهذا إشكال قوي .



( فرع ) : ذكر الشيخ أبو حامد في تعليقه والمحاملي وآخرون من الأصحاب في هذا الموضع أن البيع ينقسم إلى ضربين كالإجارة ( أحدهما ) : بيع عين ، وهو أن يبيع عينا بعين فيقول : بعتك هذا ، فإن أطلق العقد اقتضى الصحة وتسليم العين في الحال ، فإن تأخر التسليم يوما أو شهرا أو أكثر لم يبطل العقد ، سواء كان بعذر أو بلا عذر ، وإن شرط في العقد تأخير السلم ولو ساعة بطل العقد ; لأنه غرر لا يفتقر العقد إليه ، وربما [ ص: 108 ] تلف المعقود عليه والصواب الثاني ، وهو بيع صفة وهو السلم ، فإن أطلق العقد اقتضى الحلول ، وإن شرط أجلا صح ، بخلاف الضرب الأول ; لأن ما في الذمة لا يتصور تلفه ، فلا غرر .



( فرع ) : قال أصحابنا : أعمال الحج معروفة فإن علمها المتعاقدان عند العقد صحت الإجارة ، وإن جهلها أحدهما لم تصح بلا خلاف ، وممن صرح به إمام الحرمين البغوي والمتولي ، وهل يشترط تعيين الميقات الذي يحرم منه الأجير ؟ نص الشافعي في الأم ومختصر المزني أنه يشترط ، ونص في الإملاء أنه لا يشترط ، والأصحاب أربع طرق ( أصحها ) : وبه قال أبو إسحاق المروزي والأكثرون ، ووافق المصنفون على تصحيحه : فيه قولان ( أصحهما ) : لا يشترط ، ويحمل على ميقات تلك البلدة في العادة الغالبة ; لأن الإجارة تقع على حج شرعي والحج الشرعي له ميقات معقود شرعا وغيرها ، فانصرف الإطلاق إليه ; ولأنه لا فرق بين ما يقرره المتعاقدان وما تقرر في الشرع أو العرف ، كما لو باع بثمن مطلق ، فإنه يحمل ، على ما تقرر في العرف ، وهو النقد الغالب ويكون كما قرراه ، وممن ، نص على تصحيح هذا القول الشيخ أبو حامد في تعليقه والمحاملي والبندنيجي والرافعي وآخرون ( والقول الثاني ) : يشترط ; لأن الإحرام قد يكون من الميقات وفوقه ودونه ، والغرض يختلف ، بذلك ، فوجب بيانه .

( والطريق الثاني ) : إن كان للبلد طريقان مختلفا الميقات ، أو طريق يفضي إلى ميقاتين ، كقرن وذات عرق لأهل العراق ، وكالجحفة وذي الحليفة لأهل الشام فإنهم تارة يمرون بهذا وتارة يمرون بهذا ، اشترط بيانه وإلا فلا . وهذا الطريق مشهور في طريق العراق وخراسان .

( والثالث ) : إن كان الاستئجار عن حي اشترط ، وإن كان عن ميت فلا ; لأن الحي قد يتعلق له به غرض بخلاف الميت ، فإن المقصود في حقه [ ص: 109 ] تحصيل الحج ، وهذا الطريق حكاه المصنف في كتاب الإجارة والشيخ أبو حامد والمحاملي وسائر العراقيين ، وضعفه الشيخ أبو حامد وآخرون وقالوا : هذا والذي قبله ليس بشيء ، ونقله إمام الحرمين .

( والرابع ) : يشترط قولا واحدا حكاه الدارمي ، قال أصحابنا : فإن شرطا تعيينه فأهملاه فسدت الإجارة ، لكن يقع الحج عن المستأجر له لوجود الإذن ويلزمه أجرة المثل ، وهذا لا خلاف فيه ، قاله المتولي وغيره ، ولو عينا ميقاتا أقرب إلى مكة من ميقات بلد المستأجر ، فهو شرط فاسد ، وتفسد الإجارة ، لكن يصح الحج عن المستأجر ، وعليه أجرة المثل كما سبق ، ولو عينا ميقاتا أبعد عن مكة من ميقاته صحت الإجارة ويتعين ذلك الميقات كما لو نذره ، وأما تعيين زمان الإحرام ، فليس بشرط بلا خلاف ; لأن للإحرام وقتا مضبوطا لا يجوز التقدم عليه ، فلو شرط الإحرام من أول يوم من شوال جاز ، ولزمه الوفاء به ، ذكره المتولي وغيره . قال القاضي حسين والمتولي : وعلى هذا لو أحرم في أول شوال وأفسده لزمه في القضاء أن يحرم في أول شوال كما في ميقات المكان ، قال أصحابنا : وإن كانت الإجارة للحج والعمرة ، اشترط بلا خلاف بيان أنهما فراد أو تمتع أو قران لاختلاف الغرض به ، وقد ذكر المصنف هذا في كتاب الإجارة .



( فرع ) : نقل المزني أن الشافعي نص في المنثور أنه إذا قال المعضوب : من حج عنى فله مائة درهم ، فحج عنه إنسان استحق المائة ، قال المزني : ينبغي أن يستحق أجرة المثل ; لأن هذا إجارة ، فلا يصح من غير تعيين الأجر ، هذا كلام الشافعي والمزني ، وقد ذكر المصنف المسألة في أول باب الجعالة ، وللأصحاب في المسألة ثلاثة أوجه ( الصحيح ) : وقوع الحج عن المستأجر ، ويستحق الأجير الأجرة المسماة ، وبهذا قطع المصنف والجمهور كما نص الشافعي ، قالوا : لأنه جعالة وليس بإجارة ، والجعالة تجوز على عمل مجهول ، فالمعلوم أولى . [ ص: 110 ] والثاني ) وهو اختيار المزني أنه يقع عن المستأجر ويستحق الأجير أجرة المثل لا المسمى ، حكى إمام الحرمين أن معظم الإصحاب مالوا إلى هذا وليس كما قال ، وهذا القائل يقول : لا تجوز الجعالة على عمل معلوم ; لأنه يمكن الاستئجار عليه .

( والثالث ) : أنه يفسد الإذن ويقع الحج عن الأجير ; لأن الإذن غير متوجه إلى إنسان بعينه ، فهو كما لو قال : وكلت من أراد بيع داري في بيعها ، فالوكالة باطلة ، ولا يصح تصرف البائع اعتمادا على هذا التوكيل ، وهذا الوجه حكاه الرافعي ، وذكر إمام الحرمين أن الشيخ والده أبا محمد أشار إليه ، فقال : لا يمتنع أن يحكم بفساد الإذن ، وهذا الوجه ضعيف جدا ، بل باطل مخالف للنص والمذهب والدليل ، فإذا قلنا بالمذهب والمنصوص ، فقال : من حج عنه ، فله مائة درهم ، فسمعه رجلان وأحرما عنه قال القاضي حسين والأصحاب إن سبق إحرام أحدهما وقع عن المستأجر القائل ، ويستحق السابق المائة ، وإحرام الثاني يقع عن نفسه ، ولا يستحق شيئا ، وإن أحرما معا أو شك في السبق والمعية ، لم يقع شيء منه عن المستأجر ، بل يقع إحرام كل واحد منهما عن نفسه ; لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر ، فصار كمن عقد نكاح أختين بعقد واحد ، ولو قال : من حج عني ، فله مائة دينار ، فأحرم عنه رجلان أحدهما بعد الآخر ، وقع إحرام السابق بالإحرام عن المستأجر القائل ، وله عليه المائة ، ولو أحرما معا وقع حج كل واحد منهما عن نفسه ولا شيء لهما على القائل ، لما ذكرناه في الصورة السابقة ; ولأنه ليس فيها أول ، ولو كان العوض مجهولا بأن قال : من حج عني ، فله عبد أو ثوب أو دراهم ، وقع الحج عن القائل بأجرة المثل والله أعلم .



( فرع ) إذا استأجر من يحج عنه بأجرة فاسدة أو فسدت الإجارة بشرط فاسد ، وحج الأجير وقع الحج عن المستأجر بأجرة المثل بلا خلاف صرح به أصحابنا ، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه لصحة الإذن . قال الإمام وغيره : وهو كما لو وكله في البيع بشرط عوض فاسد للوكيل [ ص: 111 ] فالإذن صحيح ، والعوض فاسد ، فإذا باع الوكيل صح واستحق أجر المثل .



( فرع ) : قال الرافعي : مقتضى كلام إمام الحرمين والغزالي تجويز تقديم إجارة العين على وقت خروج الناس للحج ، وأن للأجير انتظار خروجهم ، ويخرج مع أول رفقة ، قال الرافعي : والذي ذكره جمهور الأصحاب على اختلاف طبقاتهم ينازع فيه ، ويقتضي اشتراط وقوع العقد في وقت خروج الناس من ذلك البلد ، حتى قال البغوي : لا تصح إجارة العين إلا في وقت خروج القافلة من ذلك البلد ، بحيث يشتغل عقب العقد بالخروج أو بأسبابه ، مثل شراء الزاد ونحوه فإن كان قبله لم يصح ، قال : وبنوا على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكة لم يجز إلا في أشهر الحج لتمكنه من الاشتغال بالعمل عقب العقد ، قال : وعلى ما قاله الإمام والغزالي لو جرى العقد في وقت تراكم الثلوج والأنداد فوجهان ( أحدهما ) : يجوز ، وبه قطع الغزالي في الوجيز ، وصححه في الوسيط ; لأن توقع زوالها مضبوط ( والثاني ) : لا ، لتعذر الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف انتظار خروج الرفقة ، فإن خروجها في الحال غير متعذر هذا كله في إجارة العين .

( أما ) إجارة الذمة فيجوز تقديمها على الخروج بلا شك ، هذا آخر كلام الرافعي ، وقد أنكر عليه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - هذا النقل عن جمهور الأصحاب ، قال : وما ذكره عن البغوي يمكن التوفيق بينه وبين كلام الإمام ، أو هو شذوذ من البغوي لا ينبغي أن يضاف إلى جمهور الأصحاب ، فإن الذي رأيناه في الشامل والتنبيه والبحر وغيرها ، مقتضاه أنه يصح العقد في وقت يمكن فيه الخروج والسير على العادة ، والاشتغال بأسباب الخروج قال صاحب البحر : أما عقدها في أشهر الحج : فيجوز في كل موضع لإمكان الإحرام في الحال ، هذا كلام أبي عمرو .

وقد قال القاضي حسين في تعليقه : إنما يجوز عقد إجارة العين في وقت الخروج إلى الحج واتصال القوافل ; لأن عليه الاشتغال بعمل الحج عقيب العقد ، والاشتغال بشراء الزاد ، والتأهب للسفر منزل منزلة السفر ، [ ص: 112 ] وليس عليه الخروج قبل الرفقة ، ولو استأجر أخاه من قبل زمان خروج القافلة لم تنعقد الإجارة ; لأن الإجارة في زمان مستقبل باطلة ، هذا كلام القاضي حسين ، وقال المصنف في أول باب الإجارة : فإن استأجر من يحج لم يجز إلا في الوقت الذي يتمكن فيه من التوجه ، فإن كان في موضع قريب لم يجز قبل أشهر الحج ; لأنه يتأخر استيفاء المعقود عليه عن حال العقد ، وإن كان في موضع بعيد لا يدرك الحج إلا أن يسير قبل أشهره لم يستأجر إلا في الوقت الذي يتوجه بعده ; لأنه وقت الشروع في الاستيفاء . وقال المحاملي في المجموع في هذا الباب من كتاب الحج : لا يجوز أن يستأجره في إجارة العين إلا في الوقت الذي يتمكن من أفعال الحج أو ما يحتاج إليه في سيره إلى الحج عقب العقد ، قال : فإن كان ذلك بمكة أو غيرها من البلاد التي يمكن ابتداء الحج فيها في أشهر الحج ويدركه لم يجز أن يستأجره قبل أشهر الحج ; لأنه لا حاجة به إلى ذلك ، فيكون في معنى شرط تأخير السلم في إجارة العين ، وإن استأجره في أشهر الحج صح ; لأنه يمكنه أن يحرم بالحج ويأخذ في أفعاله عقب عقد الإجارة ، فلا يتأخر المعقود عليه عن حال العقد ، وإن كان ببلد لا يمكنه أن يحج إلا بأن يخرج منه قبل أشهر الحج ، جاز أن يستأجره في الوقت الذي يحتاج فيه إلى السير إلى الحج ، والخروج له من البلد ، ولا يجوز قبل ذلك ، ومثله في تعليق الشيخ أبي حامد وذكره البندنيجي وكثيرون .

وقال القاضي أبو الطيب في المجرد : لا يجوز إجارة العين إلا في وقت يمكن العمل فيه ، أو يحتاج فيه إلى السبب ، فإن كان بمكة أو في بلاد قريبة بحيث لا يحتاج إلى تقديم السير على أشهر الحج كبلاد العراق ، لم يجز عقدها إلا في أشهر الحج وإن كان يحتاج إلى تقديم السير قبل أشهره كبلاد خراسان جاز تقديم العقد على ، أشهر الحج بحسب الحاجة ، فأما عقده في أشهر الحج ، فيجوز في كل مكان لإمكان الاشتغال به ، وقال الدارمي : إذا استأجر عنه ، فإن وصل العقد بالرحيل صح العقد ، وإن لم يصله - فإن كان في غير أشهر الحج - لم يجز ، وقال ابن المرزبان : يجوز ، وقيل : إن كان ببلد قريب كبغداد لم يجز ، وإن كان بعيدا جاز .



[ ص: 113 ] فرع ) : إذا لم يشرع في الحج في السنة الأولى لعذر أو لغير عذر ، فإن كانت الإجارة على العين انفسخت بلا خلاف لفوات المعقود عليه ، وإن كانت في الذمة ينظر - إن لم يعينا سنة - فقد سبق أنه كتعيين السنة الأولى وذكر البغوي أنه يجوز التأخير عن السنة الأولى والحالة هذه ، لكن يثبت للمستأجر الخيار ، وإن عينا السنة الأولى أو غيرها وأخر عنها فطريقان مشهوران ( أصحهما ) : على قولين كما لو انقطع المسلم فيه في محله ( أظهرهما ) : لا ينفسخ العقد ( والثاني ) : ينفسخ قولا واحدا ، وهو مقتضى كلام المصنف في باب الإجارة ، وبه قطع غيره ، فإذا قلنا : لا ينفسخ - فإن كان المستأجر هو المعضوب عن نفسه - فله الخيار إن شاء فسخ ، وإن شاء أخر ، ليحج الأجير في السنة الأخرى . وإن كان الاستئجار عن ميت ، فقال المصنف وسائر أصحابنا العراقيين وجماعة من غيرهم : لا خيار للمستأجر ، قالوا : لأنه لا يجوز التصرف في الأجرة إذا فسخ العقد ، ولا بد من استئجار غيره في السنة الثانية ، فلا وجه للفسخ . وحكى إمام الحرمين هذا عن العراقيين ، ثم قال : وفيما ذكروه نظر قال : ولا يمنع أن يثبت الخيار للورثة نظرا للميت وسيعيدون بالفسخ استرداد الأجرة ، وصرفها إلى إحرام آخر أحرى بتحصيل المقصود ، هذا كلام الإمام ، وتابعه الغزالي على ذلك ، فحكى قول العراقيين وجزم به ، ثم قال : وفيه احتمال ، وذكر احتمال إمام الحرمين ، وقال البغوي وآخرون : يجب على المولى مراعاة المصلحة ، فإن كانت في ترك الفسخ تركه ، وإن كانت في الفسخ لخوف إفلاس الأجير أو هربه ، لزمه أن يفسخ فإن لم يفسخ ضمن قال الرافعي : هذا هو الأصح ، قال : فيجوز أن يحمل المنقول عن العراقيين على أحد أمرين وأثبتهما الأئمة ( أحدهما ) : صور بعضهم المنع بما إذا كان الميت قد أوصى بأن يحج عنه فلان مثلا ، ووجهه بأن الوصية مستحقة الصرف إليه .

[ ص: 114 ] والثاني ) : قال أبو إسحاق في الشرح : للمستأجر عن الميت أن يرفع الأمر إلى القاضي ليفسخ العقد ، إن كانت المصلحة تقتضيه ، وأن لا يستقل به ، فإذا نزل ما ذكروه على المعنى الأول ارتفع الخلاف ، وإن نزل على الثاني هان أمره ، هذا كلام الرافعي ( أما ) إذا استأجر إنسان من حال نفسه من يحج عن الميت ، فهو كاستئجار المعضوب لنفسه في ثبوت الخيار بالاتفاق ( وأما ) إذا استأجر المعضوب لنفسه من يحج عنه ، فمات المعضوب وأخر الأجير الحج عن السنة المعينة ، فقال الرافعي : لم أر المسألة مسطورة . قال : وظاهر كلام الغزالي أنه ليس للوارث فسخ الإجارة ، قال الرافعي : والقياس ثبوت الخيار للوارث كالرد بالعيب ونحوه ، هذا كلام الرافعي ، والصحيح المختار أنه ليس له الفسخ إذ لا ميراث في هذه الأجرة بخلاف الرد بالعيب قال أصحابنا : ولو قدم الأجير على السنة المعينة جاز بلا خلاف ، وقد زاد خيرا ، وفرقوا بينه وبين من عجل المسلم فيه قبل المحل ، فإن في وجوب قبوله خلافا وتفصيلا بأنه قد يكون له غرض في تأخير قبض المسلم فيه ، ليحفظ في الذمة ونحو ذلك ، بخلاف الحج .



( فرع ) : إذا انتهى الأجير إلى الميقات المتعين للإحرام ، إما بشرطه وإما بالشرع إذا لم يشترط تعيينها ، فلم يحرم عن المستأجر ، بل أحرم عن نفسه بعمرة ، فلما فرغ منها أحرم عن المستأجر بالحج فله حالان ( أحدهما ) : أن لا يعود إلى الميقات فيصح الحج عن المستأجر للإذن ، ويحط شيء من الأجرة المسماة لإخلاله بالإحرام من الميقات الملتزم ، وفي قدر المحطوط خلاف متعلق بأصل ، وهو أنه إذا سار الأجير من بلد الإجارة وحج ، فالأجرة تقع عن مقابلة أصل الحج وحدها ؟ أم موزعة على السير والأعمال ؟ فيه قولان مشهوران سنوضحهما قريبا إن شاء الله تعالى فيما إذا مات الأجير ( أصحهما ) : توزع على الأعمال والسير جميعا ( والثاني ) : على الأعمال ، وقال ابن سريج : إن قال : استأجرتك لتحج عني ، يقسط على الأعمال فقط وإن قال : لتحج عني من بلد كذا يقسط عليهما ، وحمل القولين على هذين الحالين ، فإن خصصناها بالأعمال وزعت الأجرة المسماة على حجة من [ ص: 115 ] الميقات وحجة من مكة ; لأن المقابل بالأجرة على هذا هو الحج من الميقات ، فإذا كانت أجرة الحجة المسماة من مكة ديناران ، والمسماة من الميقات خمسة دنانير ، فالتفاوت ثلاثة أخماس ، فيحط ثلاثة أخماس المسمى .

وإن وزعنا الأجرة على السير والأعمال - وهو المذهب - فقولان ( أحدهما ) : لا تحسب له المسافة هنا ; لأنه صرفها إلى غرض نفسه لإحرامه بالعمرة من الميقات ، فعلى هذا توزع على حجة تنشأ من بلد الإجارة ، ويقع الإحرام بها من الميقات ، وعلى حجة تنشأ من مكة فيحط من المسمى بنسبته ، فإذا كانت أجرة المنشأة من البلد مائة ، والمنشأة من مكة عشرة ، حط تسعة أعشار المسمى ( والقول الثاني ) وهو الأصح يحسب قطع المسافة إلى الميقات لجواز أنه قصد الحج منه ، إلا أنه عرض له العمرة ، فعلى هذا توزع المسماة على حجة منشأة من بلد الإجارة ، إحرامها من الميقات ، وعلى حجة منشأة من البلد إحرامها من مكة ، فإذا كانت أجرة الأولى مائة ، والثانية تسعين ، حط عشر المسمى ، فحصل في الجملة ثلاثة أقوال ( المذهب ) : منها هذا الأخير . قال أصحابنا : ثم إن الأجير في مسألتنا يلزمه دم لإحرامه بالحج بعد مجاوزة الميقات ، وسنذكر إن شاء الله تعالى خلافا في غير صورة الاعتمار ، أن إساءة المجاوزة هل تنجبر بإخراج الدم حتى لا يحط شيء من الأجرة ؟ أم لا ؟ وذلك الخلاف يجيء هنا ، ذكره أبو الفضل بن عبدان وآخرون فإذن الخلاف في قدر المحطوط فرع للقول بإثبات أصل الحط قال الرافعي : ويجوز أن يفرق بين الصورتين ويقطع بعدم الانجبار هنا ; لأنه ارتفق بالمجاوزة هنا ، حيث أحرم بالعمرة لنفسه ( الحال الثاني ) : أن يعود إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة ، فيحرم بالحج منه ، فهل يحط شيء من الأجرة ؟ يبنى على الخلاف السابق ( إن قلنا ) الأجرة موزعة على الأعمال والسير لم يحسب السير لانصرافه إلى عمرة ، ووزعت الأجرة على حجة منشأة من بلد الإجارة ، إحرامها من الميقات ، وعلى حجة منشأة من الميقات بغير قطع مسافة . ويحط بالنسبة من المسمى ( وإن قلنا : ) الأجرة في مقابلة الأعمال أو وزعناها عليه وعلى السير ، وحسبت المسافة ، فلا حط .

[ ص: 116 ] وتجب الأجرة كلها ، وهذا هو المذهب ولم يذكر البندنيجي وكثيرون غيره .



( فرع ) : قال الشافعي : الواجب على الأجير أن يحرم من الميقات الواجب بالشرع أو الشرط ، فإن أحرم منه . فقد فعل واجبا ، وإن أحرم قبله ، فقد زاد خيرا هذه عبارة الشيخ أبي حامد وسائر الأصحاب ، فإن جاوز الأجير الميقات المعتبر بالشرط أو الشرع غير محرم ، ثم أحرم بالحج للمستأجر - فينظر إن عاد إليه وأحرم منه - فلا دم ، ولا يحط من الأجرة شيء ، وإن أحرم من جوف مكة أو بين الميقات ومكة ولم يعد ، لزمه دم للإساءة بالمجاوزة ، وهل ينجبر به الخلل حتى لا يحط شيء من الأجرة ؟ فيه طريقان مشهوران ، حكاهما المصنف في كتاب الإجارة والأصحاب ( أصحهما ) : عند المصنف والأصحاب : فيه قولان ( أحدهما ) : ينجبر ويصير كأنه لا مخالفة ، فيجب جميع الأجرة ، وهذا ظاهر نصه في الإملاء والقديم ; لأنه قال : يجب الدم ، ولم يذكر الحط ( وأصحهما ) : وهو نصه في الأم والمختصر يحط .

( والطريق الثاني ) : القطع بالحط وتأولوا ما قاله في الإملاء والقديم بأنه سكت عن وجوب الحط ، ولا يلزم من سكوته عنه عدم وجوبه ، مع أنه نص على وجوب الحط في المختصر والأم ( فإن قلنا ) بالانجبار ، فهل نعتبر قيمة الدم ؟ ونقابلها بالتفاوت ؟ فيه وجهان حكاهما القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي والمتولي البغوي وآخرون ( أصحهما ) : لا ، لأن التعويل في هذا القول على جبر الخلل ، وقد حكم الشرع بأن الدم يجبره من غير نظر إلى اعتبار القيمة ( والثاني ) : نعم ، فلا ينجبر ما زاد على قيمة الدم ، فعلى هذا تعتبر قيمة الدم ، فإن كان التفاوت مثلها أو أقل ، حصل الانجبار ولا حط ، وإن كان أكثر ، وجب الزائد .

هذا إذا قلنا بالانجبار ، وإن قلنا بالمذهب وهو الحط ، ففي قدره وجهان ، بناء على الأصل السابق وهو أن الأجرة في مقابلة ماذا ؟ ( إن قلنا ) في مقابلة الأعمال فقط ، وزعنا المسمى على حجة من الميقات وحجة من حيث أحرم ( وإن قلنا ) في مقابلة الأعمال والسير ، وهو المذهب ، وزعنا المسمى على حجة من بلدة إحرامها [ ص: 117 ] من الميقات ، وعلى حجة من بلدة إحرامها من حيث أحرم وعلى هذا يقل المحطوط ، ثم حكى الشيخ أبو محمد وإمام الحرمين ومن تابعهما وجهين في أن النظر إلى الفراسخ وحدها أم يعتبر مع ذلك السهولة والحزونة ( أصحهما ) : الثاني .



( أما ) إذا عدل الأجير عن طريق الميقات المعتبر إلى طريق آخر ميقاته مثل المعتبر أو أقرب إلى مكة فطريقان ( أصحهما ) : وهو المنصوص ، وبه قطع البندنيجي والجمهور ، أنه لا شيء عليه ، وحكى القاضي حسين البغوي وغيرهما فيه وجهين ( أصحهما ) : هذا ; لأنه قائم مقام الميقات المعتبر ( والثاني ) : أنه كمن ترك الميقات وأحرم بعده ; لأنه بالشرط تعين المكان ( أما ) إذا عينا موضعا آخر ، فإن كان أقرب إلى مكة من الشرعي فالشرط فاسد يفسد الإجارة كما سبق إذ لا يجوز لمريد النسك مجاوزة الميقات غير محرم ، وإن كان أبعد بأن عينا الكوفة ، فيلزم الأجير الإحرام منها وفاء بالشرط ، فلو جاوزها وأحرم بعد مجاوزتها ، فهل يلزمه الدم ؟ فيه وجهان ( الأصح ) : المنصوص نعم ; لأنه جاوز الميقات الواجب بالشرط ، فأشبه مجاوزة الميقات الشرعي ( والثاني ) : لا ; لأن الدم يجب في مجاوزة الشرعي ، فإن قلنا : لا يلزمه الدم وجب حط قسط من الأجرة قطعا . وإن ألزمناه الدم ، ففي حصول الانجبار به الطريقان السابقان ( المذهب ) : لا ينجبر .



وكذا لو لزمه الدم لترك مأمور به ، كالرمي والمبيت ، ففيه الطريقان ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : فإن ترك نسكا لا دم فيه كالمبيت وطواف الوداع - إذا قلنا لا دم فيهما - لزمه رد شيء من الأجرة بقسطه بلا خلاف ، ولا ينجبر ; لأنه ليس هنا دم ينجبر به على القول الضعيف ، فإن لزمه بفعل محظور كاللبس والقلم لم يحط شيء من الأجرة بلا خلاف ; لأنه لم ينقص شيئا من العمل ، اتفق أصحابنا على التصريح بهذا ، ونقل الغزالي وغيره الاتفاق عليه ، ويجب الدم في مال الأجير بلا خلاف ولو شرط الإحرام في أول شوال فأخره لزمه الدم ، وفي الانجبار الخلاف ، وكذا لو شرط أن يحج ماشيا ، فحج راكبا ; لأنه ترك مقصودا ، هكذا حكى المسألتين عن القاضي [ ص: 118 ] حسين والرافعي ، ثم قال : ويشبه أن يكونا مفرعين ، على أن الميقات المشروط الشرعي وإلا ، فلا يلزمه الدم ، كما في مسألة تعيين الكوفة ، هذا كلام الرافعي . وقطع البغوي بأنه إذا استأجره ليحج ماشيا فحج راكبا ( فإن قلنا ) الحج راكبا أفضل ، فقد زاد خيرا ( وإن قلنا : ) الحج ماشيا أفضل فقد أساء بترك المشي ، وعليه دم ، وفي وجوب رد التفاوت ، بين أجرة الراكب والماشي وجهان بناء على ما سبق ، وهذا الذي قاله المتولي هو الأصح



( فرع ) : قال أصحابنا : إذا استأجره للقران بين الحج والعمرة ، فتارة يمتثل ، وتارة يعدل إلى جهة أخرى ، فإن امتثل فقد وجب دم القران ، وعلى من يجب ؟ فيه وجهان ، وقيل : قولان ( أصحهما ) : على المستأجر ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي ، كما لو حج بنفسه ; لأنه الذي شرط القران ( والثاني ) : على الأجير ; لأنه المترفه ، فعلى الأول لو شرطاه على الأجير فسدت الإجارة نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ; لأنه جمع بين بيع مجهول وإجارة ; لأن الدم مجهول الصفة ، فإن كان المستأجر معسرا فالصوم الذي هو بدل الهدي على الأجير ; لأن بعض الصوم ، وهو الأيام الثلاثة ينبغي أن يكون في الحج لقوله تعالى : { فصيام ثلاثة أيام في الحج } والذي في الحج منهما هو الأجير ، كذا ذكره البغوي ، وقال المتولي ، هو كالعاجز عن الهدي والصوم جميعا وعلى الوجهين يستحق الأجرة بكمالها .

( فأما ) إذا عدل ، فينظر إن عدل إلى الإفراد ، فحج ، ثم اعتمر ، فإن كانت الإجارة على العين لزمه أن يرد من الأجرة حصة العمرة . نص عليه الشافعي في المناسك الكبير . واتفق عليه الأصحاب ، قالوا : لأنه لا يجوز تأخير العمل في هذه الإجارة عن ، الوقت المعين ، وإن كانت في الذمة نظر فإن عاد إلى الميقات للعمرة - فلا شيء عليه ; لأنه زاد خيرا ، ولا على [ ص: 119 ] المستأجر أيضا ; لأنه لم يقرن ، وإن لم يعد ، فعلى الأجير دم لمجاوزته الميقات للعمرة ، وهل يحط شيء من الأجرة ؟ أم تنجبر الإساءة بالدم ؟ فيه الخلاف السابق . وإن عدل إلى التمتع ، فقد أشار المتولي إلى أنه إن كانت إجارة عين لم يقع الحج عن المستأجر لوقوعه في غير الوقت المعين ، وهذا هو قياس ما سبق قريبا من نص الشافعي ، وإن كانت على الذمة - نظر إن عاد إلى الميقات للحج فلا دم عليه ، ولا على المستأجر ، وإن لم يعد فوجهان ( أحدهما ) : لا يجعل مخالفا لتقارب الجهتين ، فيكون حكمه كما لو امتثل ، وفي كون الدم على الأجير أو المستأجر الوجهان ( وأصحهما ) : يجعل مخالفا ، فيجب الدم على الأجير لإساءته ، وفي حط شيء من الأجرة الخلاف السابق في الأجير إذا أحرم بعد مجاوزة الميقات ( قيل : ) يحط قولا واحدا ، والأصح قولان ( أصحهما ) : يحط ( والثاني ) : لا ، قال الرافعي : وذكر أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يلزم الأجير دم لترك الميقات ، وعلى المستأجر دم آخر ; لأن القران الذي أمر به يتضمنه ، قال : واستبعده ابن الصباغ وغيره .



( فرع ) : إذا استأجره للتمتع فامتثل ، فهو كما لو استأجره للقران فامتثل ، وإن أفرد - نظر ، إن قدم العمرة وعاد لإحرام الحج إلى الميقات - فقد زاد خيرا ، ولمن أخر العمرة - نظرت ، فإن كانت إجارة عين - انفسخت في العمرة لفوات وقتها المعين ، فيرد حصتها من المسمى ، وإن كانت الإجارة في الذمة وعاد إلى الميقات للعمرة لم يلزمه شيء ، وإن لم يعد ، فعليه دم لترك الإحرام بالعمرة من الميقات ، وفي حط شيء من الأجرة الخلاف السابق ، وإن قرن ، فقد زاد خيرا . نص عليه الشافعي ; لأنه أحرم بالنسكين من الميقات ، وكان مأمورا بأن يحرم بالحج من مكة ، ثم إن عدد الأفعال بالنسكين ، فلا شيء عليه ، وإلا فهل يحط شيء من الأجرة لاقتصاره على الأفعال ؟ فيه وجهان ، وكذا الوجهان في أن الدم على المستأجر أم الأجير ؟



[ ص: 120 ] فرع ) : لو استأجره للإفراد ، فامتثل ، فذاك ، فلو قرن - نظر ، إن كانت الإجارة على العين - فالعمرة واقعة في غير وقتها ، فهو كما لو استأجره للحج وحده فقرن ، وقد سبق بيانه في فرع بعد المسألة الثالثة من المسائل التي قبل فصل الاستئجار ، وذكرنا فيه قولين بتفريعهما ( الجديد ) : الأصح : وقوع النسكين عن الأجير ( وأما ) إن كانت الإجارة في الذمة ، فيقعان عن المستأجر وعلى الأجير الدم ، وهل يحط شيء من الأجرة للخلل ؟ أم ينجبر بالدم ؟ فيه الخلاف ، وإن تمتع - فإن كانت الإجارة على العين ، وقد أمره بتأخير العمرة - فقد وقعت في غير وقتها ، فيرد ما يخصها من الأجرة ، وإن أمره بتقديمها ، أو كانت الإجارة على الذمة ، وقعا عن المستأجر ، ولزم الأجير دم إن لم يعد إلى الميقات لإحرام الحج ، وفي حط شيء من الأجرة الخلاف . هذا كله إذا كان المحجوج عنه حيا ، فإن كان ميتا فقرن الأجير أو تمتع وقع النسكان عن الميت بكل حال ، صرح به الشيخ أبو حامد والأصحاب ، قالوا : لأن الميت لا يفتقر إلى إذنه في وقوع الحج والعمرة عنه ; لأن الشافعي نص على أنه لو بادر أجنبي ، فحج عن الميت صح ووقع عن فرض الميت من غير وصية ولا إذن وارث ، ولو قال الحي للأجير : حج عني وإن تمتعت أو قرنت فقد أحسنت ، فقرن أو تمتع وقع النسكان بلا خلاف صرح به البندنيجي وغيره ، ولو استؤجر للحج فاعتمر ، أو للعمرة فحج ، فإن كانت الإجارة لميت وقع عن الميت لما ذكرنا ، وإن كانت عن حي وقعت عن الأجير ولا أجرة له في الحالين .



( فرع ) : إذا جامع الأجير وهو محرم قبل التحلل الأول فسد حجه . وانقلب الحج إليه ، فيلزمه الفدية في ماله ، والمضي في فاسده ، والقضاء ، هذا هو الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور وتظاهرت عليه نصوص الشافعي وفيه قول آخر أنه لا ينقلب ولا يفسد ولا يجب القضاء بل يبقى صحيحا واقعا عن المستأجر ; لأن العبادة للمستأجر ، فلا تفسد بفعل غيره ، وبهذا القول قال المزني أيضا ، والمذهب الأول . [ ص: 121 ] قال إمام الحرمين إنما قلنا : تنقلب الحجة الفاسدة إلى الأجير ولا تضاف بعد الفساد إلى المستأجر ; لأن الحجة المطلوبة لا تحصل بالحجة الفاسدة ، بخلاف من ارتكب محظورا غير مفسد وهو أجير ; لأن مثل هذه الحجة يعتد به شرعا ، فوقع الاعتداد به في حق المستأجر ، والحج لله تعالى ، وإن اختلفت الإضافات ، والحجة الفاسدة لا تبرئ الذمة .

( فإذا قلنا ) بالمذهب فإن كانت إجارة عين انفسخت ، ويكون القضاء الذي يأتي به واقعا عن الأجير ، ويرد الأجرة بلا خلاف ، وإن كانت في الذمة لم تنفسخ ; لأنها لا تختص بزمان ، فإذا قضى في السنة الثانية فعمن يقع القضاء ؟ فيه وجهان مشهوران ، وقال جماعة : هما قولان ( أحدهما ) : عن المستأجر ; لأنه قضاء الأول ، ولو سلم الأول من الإفساد لكان عن المستأجر ، فكذا قضاؤه ( وأصحهما ) : عن الأجير وبه قطع البندنيجي وآخرون ; لأن الأداء الفاسد وقع عنه ، فعلى هذا يلزمه سوى القضاء حجة أخرى ، فيقضي عن نفسه ، ثم يحج عن المستأجر في سنة أخرى أو يستنيب من يحج عنه في تلك السنة أو غيرها ، وإذا لم تنفسخ الإجارة فللمستأجر خيار الفسخ لتأخر المقصود هذا إن كان معضوبا ، فإن كانت الإجارة عن ميت ففيه الوجهان السابقان فيما إذا لم يحج الأجير في السنة المعينة في إجارة الذمة ، قال الخراسانيون : يثبت الخيار ومنعه العراقيون ، وقد سبق توجيههما .



( فرع ) : إذا أحرم الأجير عن المستأجر ، ثم صرف الإحرام إلى نفسه ظنا منه أنه ينصرف ، وأتم الحج على هذا الظن فلا ينصرف الحج إلى الأجير بل يبقى للمستأجر بلا خلاف ، نص عليه واتفق عليه الأصحاب ، وعللوه بأن الإحرام من العقود اللازمة ، فإذا انعقد على وجه لا يجوز صرفه إلى غيره ، وفي استحقاق الأجير الأجرة قولان مشهوران في الطريقين ( أحدهما ) : لا يستحق شيئا لإعراضه عنها ; ولأنه عمل لنفسه فيما يعتقد ( وأصحهما ) : عند الأصحاب في الطريقين يستحق لحصول غرض المستأجر ، وكما لو [ ص: 122 ] استأجره ليبني له حائطا فبناه الأجير ، ظانا أن الحائط له ، فإنه يستحق الأجرة بلا خلاف وقد سبق هذا وسبق الفرق بينه وبين الأجير في الحج على القول الأول ، لأن الأجير في البناء لم يجر ، ولا خالف وفي الحج جار وخالف فإن قلنا : يستحق الأجير في الحج ، فهل يستحق المسمى أم أجرة المثل ؟ وفيه وجهان حكاهما المتولي وغيره ( أصحهما ) : وبه قطع الجمهور : يستحق المسمى ; لأن العقد لم يفسد فبقي المسمى ( والثاني ) : أجرة المثل ; لأنه عين العقد بنيته وهذا ضعيف نقلا ودليلا ، قال إمام الحرمين : وهذان القولان في استحقاق الأجرة بناهما الأئمة على ما إذا دفع ثوبا إلى صباغ ليصبغه بأجرة فجحد الثوب وأصر على أخذه لنفسه ، ثم صبغه لنفسه ، ثم ندم ورده على مالكه ، هل يستحق الأجرة على مالك الثوب ؟ فيه قولان والله أعلم .



( فرع ) : إذا مات الحاج عن نفسه في أثنائه ، هل تجوز البناية على حجه ؟ فيه قولان مشهوران ( الأصح ) : الجديد لا يجوز كالصلاة والصوم ( والقديم ) : يجوز لدخول النيابة فيه ، فعلى الجديد يبطل المأتي به إلا في الثواب ، ويجب الإحجاج عنه من تركته ، إن كان قد استقر الحج في ذمته ، وإن كان تطوعا أو لم يستطع إلا هذه السنة لم يجب وعلى القديم قد يموت وقد بقي وقت الإحرام وقد يموت بعد خروج وقته ، فإن بقي أحرم النائب بالحج ، ويقف بعرفة إن لم يكن الميت وقف ، ولا يقف إن كان وقف ، ويأتي بباقي الأعمال ، فلا بأس بوقوع إحرام النائب داخل الميقات ; لأنه يبني على إحرام أنشئ منه . وإن لم يبق وقت الإحرام فبم يحرم به النائب ؟ وجهان ( أحدهما ) : وبه قال أبو إسحاق : يحرم بعمرة ثم يطوف ويسعى ، فيجزئانه عن طواف الحج وسعيه ، ولا يبيت ولا يرمي ; لأنهما ليسا من العمرة ، ولكن يجبران بالدم ( وأصحهما ) وبه قطع الأكثرون تفريعا على القديم أنه يحرم بالحج ، ويأتي ببقية الأعمال ، وإنما يمنع إنشاء الإحرام بعد أشهر الحج إذا ابتدأه ، [ ص: 123 ] وهذا ليس مبتدأ ، بل مبني على إحرام قد وقع في أشهر الحج وعلى هذا إذا مات بين التحللين أحرم إحراما لا يحرم اللبس والقلم ، وإنما يحرم النساء كما لو بقي الميت . هذا كله إذا مات قبل التحللين فإن مات بعدهما لم تجز النيابة بلا خلاف ; لأنه يمكن جبر الباقي بالدم . قال الرافعي : وأوهم بعضهم إجراء الخلاف وهذا غلط .



( فرع ) : إذا مات الأجير في أثناء الحج ، فله أحوال ( أحدها ) : يموت بعد الشروع في الأركان ، وقبل فراغها ، فهل يستحق شيئا من الأجرة ؟ فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف في كتاب الإجارة ( أحدهما ) : لا يستحق شيئا ; لأنه لم يحصل المقصود ، فهو كما لو قال : من رد عبدي فله دينار ، فرده إلى باب الدار ، ثم هرب أو مات ، فإنه لا يستحق شيئا ( وأصحهما ) : عند المصنف والأصحاب يستحق بقدر عمله ; لأنه عمل بعض ما استؤجر عليه ، فوجب له قسطه كمن استؤجر لبناء عشرة أذرع فبنى بعضها ، ثم مات ، فإنه يستحق بقسطه بخلاف الجعالة ، فإنها ليست عقدا لازما ، إنما هي التزام بشرط ، فإذا لم يوجد الشرط بكماله لا يلزمه شيء كتعليق الطلاق والعتق ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : القول الأول هو نصه في القديم والثاني الأصح هو نصه في الأم والإملاء . قال أصحابنا : وسواء مات بعد الوقوف بعرفات أو قبله ففيه القولان ، هذا هو المذهب ( وقيل : ) يستحق بعده قطعا ، حكاه الرافعي وهو شاذ ضعيف ، فإذا قلنا : يستحق ، فهل يقسط على الأعمال فقط أم عليها وعلى قطع المسافة جميعا ؟ فيه قولان مشهوران وقد ذكرهما المصنف في باب الإجارة وسبق بيانهما قريبا ( فأصحهما ) : عند المصنف وطائفة على الأعمال فقط ( وأصحهما ) عند الأكثرين على الأعمال والمسافة جميعا ، ممن صححه الرافعي وآخرون وفي المسألة طريق آخر قدمناه عن ابن سريج أنه إن قال : استأجرتك لتحج عني قسط على العمل فقط ، وإن قال : لتحج من بلد كذا قسط عليهما ، وحمل القولين على هذين الحالين والله أعلم .

[ ص: 124 ] ثم هل يجوز البناء على فعل الأجير ؟ ينظر إن كانت إجارة عين انفسخت ولا بناء لورثة الأجير ، كما لو لم يكن له أن يستنيب ، وهل للمستأجر أن يستأجر من يبني ؟ فيه القولان السابقان في الفرع قبله ، في جواز البناء ، وإن كانت الإجارة على الذمة ( فإن قلنا ) لا يجوز البناء فلورثة الأجير أن يستأجروا من يستأنف الحج عن المستأجر ، فإن أمكنهم في تلك السنة لبقاء الوقت ، فذلك وإن تأخر إلى السنة القابلة ثبت الخيار في فسخ الإجارة كما سبق ( وإن جوزنا ) البناء ، فلورثة الأجير أن يبنوا ، ثم القول فيما يحرم به النائب وفي حكم إحرامه بين التحللين على ما سبق في الفرع قبله .

( الحال الثاني ) : أن يموت بعد . الشروع في السفر وقبل الإحرام ، وفيه وجهان مشهوران حكاهما المصنف في باب الإجارة ( الصحيح ) : المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى في القديم والجديد ، وبه قطع الجمهور لا يستحق شيئا من الأجرة بناء على أن الأجرة لا تقابل قطع المسافة بسبب إلى الحج ، وليس بحج ، فلم يستحق في مقابلته أجرة كما لو استأجر رجلا ليخبز له فأحضر الآلة وأوقد النار ومات قبل أن يخبز ، فإنه لا يستحق شيئا ، هذا تعليل المصنف وعلل غيره بأنه لم يحصل شيئا من المقصود ( والثاني ) وهو قول أبي سعيد الإصطخري وأبي بكر الصيرفي : يستحق من الأجرة بقدر ما قطع من المسافة وافيا ، بهذا نسبه العراقيون وحكى الرافعي وجها ثالثا عن أبي الفضل بن عبدان أنه إن قال : استأجرتك لتحج من بلد كذا استحق بقسطه ، وهذا نحو ما سبق عن ابن سريج في الحال الأول .

( الحال الثالث ) : أن يموت بعد فراغ الأركان وقبل فراغ باقي الأعمال ، فينظر إن فات وقتها أو لم يفت ، ولكن ( إذا ) لم نجوز البناء وجب جبر الباقي بالدم من مال الأجير ، وهل يرد شيئا من الأجرة ؟ فيه الخلاف السابق فيمن أحرم بعد مجاوزة الميقات ، ولم يعد إليه وجبره بالدم [ ص: 125 ] وهو طريقان ( المذهب ) وجوب الرد ، وإن جوزنا البناء وكان وقتها باقيا ، فإن كانت الإجارة على العين - انفسخت الأعمال الباقية . ووجب رد قسطها من الأجرة ، ويستأجر المستأجر من يرمي ويبيت ، ولا دم في تركة الأجير ، وإن كانت في الذمة استأجر وارث الأجير من يرمي ويبيت ، ولا حاجة إلى الإحرام ; لأنهما عملان يفعلان بعد التحللين ولا يلزم الدم ولا رد شيء من الأجرة ، ذكره المتولي وغيره .



( فرع ) : إذا أحصر الأجير قبل إمكان الأركان تحلل ، قال الشافعي في الأم والأصحاب : ولا قضاء عليه ، ولا على المستأجر ، كأنه أهل وتحلل فإن كانت حجة تطوع أو كانت حجة إسلام ، وقد استقرت قبل هذه السنة بقي الاستقرار ، وإن كان استطاعها هذه السنة سقطت الاستطاعة ، فإذا تحلل الأجير ، فعمن يقع ما أتى به ؟ فيه قولان ( أصحهما ) : عن المستأجر كما لو مات إذ لا تقصير ( والثاني ) : عن الأجير كما لو أفسده ، فعلى هذا دم الإحصار على الأجير ، وعلى الأول هو على المستأجر ، وفي استحقاقه شيئا من الأجرة الخلاف المذكور في الموت ، وإن لم يتحلل ودام على الإحرام حتى فاته الحج انقلب الإحرام إليه كما في الإفساد ; لأنه مقصر حيث لم يتحلل بأعمال عمرة وعليه دم الفوات ، ولو حصل الفوات بنوم أو تأخر عن القافلة أو غيرهما من غير إحصار انقلب المأتي به إلى الأجير أيضا كما في الإفساد ، ولا شيء للأجير على المذهب ، وقيل : فيه الخلاف المذكور في الموت ، وقال الشيخ أبو حامد هل له من الأجرة بقدر ما عمله إلى حين انقلب الإحرام إليه ؟ فيه قولان منصوصان .



( فرع ) : لو استأجر المعضوب من يحج عنه ، فأحرم الأجير عن نفسه تطوعا ، فوجهان ، حكاهما إمام الحرمين ( أحدهما ) : وهو قول الشيخ أبي محمد ينصرف إلى المستأجر ، قال أبو محمد : وكذا كل من في ذمته حجة مرسلة بإجارة ، فإذا نوى التطوع بالحج انصرف إلى ما في ذمته ، كما لو نوى التطوع وعليه حجة الإسلام أو النذر أو القضاء ، فإنه ينصرف إلى ما عليه دون التطوع بلا خلاف ( والوجه الثاني ) : وهو الصحيح وهو [ ص: 126 ] قول سائر الأصحاب يقع تطوعا للأجير ، قال إمام الحرمين : وما قاله شيخي أبو محمد انفرد به ، ولا يساعده عليه أحد من الأصحاب ، لأنا إنما نقدم واجب الحج على نفله لأمر يرجع إلى نفس الحج مع بقاء الأمة على تقديم الأولى فالأولى في مراتب الحج .

( وأما ) الاستحقاق على الأجير ، فليس من خاصة الحج ، ولو ألزم الأجير ذمته بالإجارة ما لا يلزم مثله ، لكان حكم الوجوب فيه حكم الوجوب في الحج قال : والذي يوضح ذلك أن الحجة قد تكون تطوعا من المستأجر إذا جوزنا الاستئجار في حج التطوع وهو الأصح ، فلا خلاف في أن ذلك اللزوم ليس من مقتضيات الحج ، والله أعلم .



( فرع ) : قال أصحابنا : لو استأجر رجلان رجلا يحج عنهما ، فأحرم عنهما معا أنعقد إحرامه لنفسه تطوعا ، ولا ينعقد لواحد منهما ; لأن الإحرام لا ينعقد عن اثنين ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، ولو أحرم عن أحدهما وعن نفسه معا انعقد إحرامه عن نفسه ; لأن الإحرام عن اثنين لا يجوز ، وهو أولى من غيره فانعقد ، هكذا نص عليه الشافعي في الأم وتابعه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والأصحاب



( فرع ) : إذا استأجره اثنان ليحج عنهما أو أمراه بلا إجارة ، فأحرم عن أحدهما لا بعينه ، انعقد إحرامه عن أحدهما ، وكان له صرفه إلى أيهما شاء ، قبل التلبس بشيء من أفعال الحج . هذا مذهبنا ونقله العبدري عن مذهبنا وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ، وقال أبو يوسف : يقع عن نفسه . دليلنا أن مالكا يعتقد ابتداء ذلك الإحرام به مطلقا ، ثم يصرفه إلى ما يشاء ، كما لو أحرم مطلقا عن نفسه ، ثم صرفه إلى حج أو عمرة . واحتج أبو يوسف بأنه أحرم بإحرام معين ، فإذا أحرم مطلقا لم يأت بالمأمور فيه ( قلنا : ) نقيض ما أسند للنيابة هذا إذا استأجراه ليحج بنفسه ، فإن عقدا معا ، فالعقد باطل في حقهما ، وإن عقد أحدهما بعد الآخر ، فالأول صحيح والثاني باطل ، وإن عقد العقدين في الذمة صحا ، فإن تبرع بالحج عن أحدهما يثبت للآخر الخيار في فسخ العقد لتأخير حقه .



[ ص: 127 ] فرع ) : قال صاحب الحاوي في باب الإجارة على الحج من كتاب الحج : لو استأجره لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لم تصح قال : وأما الجعالة على زيارة القبر ، فإن كانت على مجرد الوقوف عند القبر ومشاهدته لم تصح ; لأنه لا تدخله النيابة وإن كانت على الدعاء عند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم صحت ; لأن الدعاء تدخله النيابة ولا تضر الجهالة بنفس الدعاء .



( فرع ) : في مذاهب العلماء في الاستئجار للحج ، قد ذكرنا أن مذهبنا صحة الإجارة للحج بشرطه السابق وبه قال مالك وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يصح عقد الإجارة عليه ، بل يعطي رزقا عليه قال أبو حنيفة : يعطيه نفقة الطريق فإن أفضل منها شيئا رده ، ويكون الحج للفاعل ، وللمستأجر ثواب نفقته ; لأنه عبادة بدنية ، فلا يجوز الاستئجار عليها كالصلاة والصوم ; لأن الحج يقع طاعة ، فلا يجوز أخذ العوض عليه دليلنا أنه عمل تدخله النيابة ، فجاز أخذ العوض عليه ، كتفرقة الصدقة وغيرها من الأعمال ( فإن قيل : ) لا نسلم دخول النيابة ، بل يقع الحج عن الفاعل ( قلنا : ) هذا منابذ للأحاديث الصحيحة السابقة في إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحج عن العاجز ، وقول صلى الله عليه وسلم : " فدين الله أحق بالقضاء " " وحج عن أبيك " وغير ذلك .

( فإن قيل ) ينتقض بشاهد الفرع ، فإنه ثابت عن شاهد الأصل ، ولا يجوز له أخذ الأجرة على شهادته ( قلنا : ) شاهد الفرع ليس ثابتا عن شاهد الأصل وإنما هو شاهد على شهادته ، ولو كان ثابتا عنه لجاز أن يشهد بأصل الحق ، لا على شهادته ، ودليل آخر هو أن الحج يجوز أخذ الرزق عليه بالإجماع ، فجاز أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر ( فإن قيل ) ينتقض بالجهاد ( قلنا ) الفرق أنه إذا حضر الصف تعين الجهاد ، فلا يجوز أن يجاهد عن غيره وعليه فرضه ( وأما ) الرزق في الجهاد ، فإنه يأخذه لقطع المسافة ( وأما ) الجواب عن قياسهم على الصوم والصلاة ، فهو أنه لا تدخلها النيابة بخلاف الحج ( وعن ) قوله : الحج يقع طاعة ، فينتقض بأخذ الرزق والله أعلم .



[ ص: 128 ] فرع ) : قد ذكرنا أنه إذا استأجره ليفرد الحج والعمرة فقرن عنه وقع الحج والعمرة عن المحجوج عنه ، وقد زاده خيرا ، وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة : إذا أمره أن يحج عن ميت أو يعتمر ، فقرن ، فهو ضامن للمال الذي أخذه ; لأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه دليلنا أنه أمره بحج وعمرة ، فأتى بهما وزاده خيرا بتقديم العمرة .



( فرع ) : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في هذا الموضع : قال الشافعي لا بأس أن يكتري المسلم جملا من ذمي للحج عليها لكن الذمي لا يدخل الحرم ، فيوجه مع جمله مسلما يقودها ويحفظها قال الشافعي : وإذا كان المسلم عنده نصراني خلفه في الحل ولا يجوز إدخاله معه الحرم .



( فرع ) : قال أصحابنا : إذا قال الموصي : أحجوا عني فلانا ، فمات فلان ، وجب إحجاج غيره كما لو قال : اعتقوا عني رقبة ، فاشتروا رقبة ليعتقوها ، فمات قبل الإعتاق وجب شراء أخرى ، قال القاضي أبو الطيب : ودليل المسألتين أن المقصود فيهما تحصيل العبادة ، فإذا مات من غير إيقاعها أقيم غيره مقامه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث