الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر البيان بأن عائشة لما خيرها المصطفى صلى الله عليه وسلم اختارت الله جل وعلا وصفيه صلى الله عليه وسلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 85 ] ذكر البيان بأن عائشة لما خيرها المصطفى صلى الله عليه وسلم اختارت الله جل وعلا وصفيه صلى الله عليه وسلم

4268 - أخبرنا ابن قتيبة قال : حدثنا ابن أبي السري قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس ، قال : لم أزل حريصا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما حتى حج عمر فحججت معه ، فلما كان في بعض الطريق عدل ليتوضأ ، وعدلت معه بالإداوة ، فتبرز ، ثم أتاني ، فسكبت على يديه فتوضأ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، فقال عمر : واعجبا لك يا ابن عباس ، ثم قال : هي عائشة ، وحفصة ، ثم أنشأ يسوق الحديث . فقال : كنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدناهم قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، وكان منزلي في بني أمية بن زيد في العوالي ، قال : فتغضبت يوما على امرأتي ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت [ ص: 86 ] أن تراجعني ، فقالت : ما تنكر أن أراجعك ، فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لتراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، قال : فانطلقت ، فدخلت على حفصة ، فقلت : أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : نعم ، وتهجره إحدانا اليوم إلى الليل ، قال : قد قلت ، قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هي قد هلكت ، لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تسأليه شيئا ، وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك - يريد عائشة -

قال : وكان لي جار من الأنصار ، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فينزل يوما ، وأنزل يوما ، فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وأنزل فآتيه بمثل ذلك .

وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا ، قال : فنزل صاحبي يوما ثم أتاني ، فضرب على بابي ، ثم ناداني ، فخرجت إليه ، فقال : حدث أمر عظيم ، فقلت : ماذا ؟ أجاءت غسان ؟ قال : بل أعظم من ذلك وأطول ، طلق رسول الله نساءه ، فقلت : خابت حفصة وخسرت ، قد كنت أظن هذا كائنا .

فلما صليت الصبح شددت علي ثيابي ، ثم نزلت ، فدخلت على حفصة ، فإذا هي تبكي ، فقلت : أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لا أدري ، هو ذا ، هو معتزل في هذه المشربة ، [ ص: 87 ] قال : فأتيت غلاما له أسود ، فقلت : استأذن لعمر فدخل الغلام ، ثم خرج إلي ، وقال : قد ذكرتك له فلم يقل شيئا ، فانطلقت حتى أتيت المسجد ، فإذا قوم حول المنبر جلوس يبكي بعضهم إلى بعض ، قال : فجلست قليلا ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام ، فقلت : استأذن لعمر فدخل ، ثم خرج إلي ، فقال : قد ذكرتك له ، فصمت ، فرجعت فجلست إلى المنبر ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام ، فقلت : استأذن لعمر فدخل ، ثم خرج إلي ، فقال : قد ذكرتك له فسكت ، فوليت مدبرا ، فإذا الغلام يدعوني ، ويقول : ادخل فقد أذن لك .

فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر بجنبه ، فقلت : أطلقت يا رسول الله نساءك ؟ قال : فرفع رأسه إلي ، وقال : لا ، فقلت : الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فتغضبت على امرأتي يوما ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت ذلك عليها ، فقالت : أتنكر أن أراجعك ، فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، قال : فقلت : قد خاب من فعل ذلك منهن وخسرت ، أتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هي قد هلكت ، قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا [ ص: 88 ] رسول الله ، فدخلت على حفصة ، فقلت لها : لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تسأليه شيئا ، وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم ، وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك ، قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرى ، فقلت : أستأنس يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فجلست ، فرفعت رأسي في البيت ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهبا ثلاثة ، فقلت : يا رسول الله ، ادع الله أن يوسع على أمتك ، فقد وسع الله على فارس والروم وهم لا يعبدونه ، قال : فاستوى جالسا ، وقال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب ، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ، فقلت : استغفر لي يا رسول الله ، وكان أقسم لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله
.

قال الزهري ، فأخبرني عروة عن عائشة قالت : فلما مضى تسع وعشرون ، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدأ بي ، فقلت : يا رسول الله ، إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا ، وإنك دخلت تسعا وعشرين أعدهن ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الشهر تسع وعشرون ، ثم قال : يا عائشة ، إني ذاكر لك أمرا فلا أريد أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ، قالت : ثم قرأ علي الآية : [ ص: 89 ] يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ، قالت عائشة : قد علم والله أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، فقلت : أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث