الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويجب على المتمتع دم لقوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } ولا يجب عليه إلا بخمسة شروط : ( أحدها ) أن يعتمر في أشهر الحج ، فإن اعتمر في غير أشهر الحج لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج ، فلم يلزمه دم كالمفرد ، فإن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وأتى بأفعالها في أشهر الحج ففيه قولان : ( قال ) في القديم والإملاء : يجب عليه دم ، لأن استدامة الإحرام بمنزلة الابتداء ، ولو ابتدأ الإحرام بالعمرة في أشهر الحج لزمه الدم فكذلك إذا استدامه ، ( وقال ) في الأم : يجب عليه الدم ; لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به ، وقد أتى به في غير أشهر الحج فلم يلزمه دم التمتع كالطواف .

( والثاني ) أن يحج من سنته فأما إذا حج في سنة أخرى لم يلزمه دم ، لما روى سعيد بن المسيب قال : " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج ، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا ، ولأن الدم إنما يجب لترك الإحرام بالحج من الميقات ، وهذا لم يترك الإحرام بالحج من الميقات ، فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته ، وإن رجع إلى بلده وعاد فقد أحرم من الميقات .

( والثالث ) أن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات ، فأما إذا رجع لإحرام الحج إلى الميقات وأحرم فلا يلزمه دم ; لأن الدم وجب بترك الميقات ، وهذا لم يترك الميقات ، فإن أحرم بالحج من جوف مكة ثم رجع إلى الميقات قبل أن يقف ففيه وجهان : ( أحدهما ) لا دم عليه ; لأنه حصل محرما من الميقات قبل التلبس بنسك فأشبه من جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم وعاد إلى الميقات ( والثاني ) يلزمه لأنه وجب عليه الدم بالإحرام من مكة فلا يسقط بالعود إلى الميقات ، كما لو ترك الميقات وأحرم دونه ثم عاد بعد التلبس بنسك ، ( والرابع ) أن يكون غير حاضري المسجد الحرام ، ( فأما ) إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه لقول الله - تعالى - { : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } وحاضروا المسجد الحرام أهل الحرم ، ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة ; لأن الحاضر في اللغة هو القريب ولا يكون قريبا إلا في مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وفي الخامس وجهان وهو نية التمتع [ ص: 172 ] أحدهما ) أنه يحتاج إليها ; لأن الدم يتعلق بترك الإحرام بالحج من الميقات ، وذلك يوجد من غير نية ، ( والثاني ) أنه يحتاج إلى نية التمتع ; لأنه جمع بين العبادتين في وقت إحداهما ، فافتقر إلى نية الجمع كالجمع بين الصلاتين ، ( فإذا قلنا ) بهذا ففي وقت النية وجهان : ( أحدهما ) أنه يحتاج إلى أن ينوي عند الإحرام بالعمرة ( والثاني ) يجوز أن ينوي ما لم يفرغ من العمرة ، بناء على القولين في وقت نية الجمع بين الصلاتين ، فإن في ذلك قولين ( أحدهما ) ينوي في ابتداء الأولى منهما ( والثاني ) ينوي ما لم يفرغ من الأولى ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الأمر المذكور عن سعيد بن المسيب حسن رواه البيهقي بإسناد حسن ، قال أصحابنا : يجب على المتمتع الدم لقوله تعالى - : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } قال أصحابنا : ولوجوب هذا الدم شروط : ( أحدها ) أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ، وهم من مسكنه دون مسافة القصر من الحرم ، وقيل : من بينه وبين نفس مكة دون مسافة القصر ، حكاه المتولي والبغوي وآخرون من الخراسانيين ، وحكى ابن المنذر عن الشافعي قولا قديما أنه من أهله دون الميقات ، وهذا غريب ، والصحيح الأول ، وبه قطع الجمهور فإن كان على مسافة القصر فليس بحاضر بالاتفاق ، فإن كان له مسكنان أحدهما في حد القرب والآخر بعيد ، فإن كان مقامه بأحدهما فالحكم له ، فإن استوى مقامه بهما وكان أهله وماله في أحدهما دائما أو أكثر فالحكم له ، فإن استويا في ذلك وكان عزمه الرجوع إلى أحدهما فالحكم له ، فإن لم يكن له عزم فالحكم للذي خرج منه ، هكذا ذكر أصحابنا هذا التفصيل واتفقوا عليه ونص الشافعي عليه في الإملاء ، قال المحاملي : إلا المسألة الأخيرة فلم ينص عليها ، ولكن ذكرها أصحابنا واتفقوا عليها . قال الشافعي - رحمه الله - : ويستحب أن يريق دما بكل حال ، ولو استوطن غريب مكة فهو حاضر بلا خلاف ، وإن استوطن مكي العراق أو [ ص: 173 ] غيره فليس بحاضر بالاتفاق ، ولو قصد الغريب مكة فدخلها متمتعا ناويا الإقامة بها بعد فراغه من النسكين أو من العمرة أو نوى الإقامة بها بعدما اعتمر فليس بحاضر ، فلا يسقط عنه الدم ، ولو خرج المكي إلى بعض الآفاق لحاجة ثم رجع وأحرم بالعمرة في أشهر الحج ، ثم حج من عامه ، لم يلزمه دم عندنا بلا خلاف ، وقال طاوس : يلزمه والله أعلم .



قال الرافعي : ذكر الغزالي مسألة ، وهي من مواضع التوقف ، قال : ولم أجدها لغيره بعد البحث ، قال الرافعي : إذا جاوز الميقات غير مريد نسكا فاعتمر عقب دخوله مكة ثم حج لم يكن متمتعا إذا صار من الحاضرين إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة ، قال الرافعي : وهذه المسألة تتعلق بالخلاف السابق في أن قصد مكة هل يوجب الإحرام بحج أو عمرة أم لا ؟ ثم قال ما ذكره من اعتبار اشتراط الإقامة ينازعه فيه كلام الأصحاب ونقلهم عن نصه في الإملاء والقديم ، فإنه ظاهر في اعتبار الإقامة ، بل في اعتبار الاستيطان .



وفي الوسيط حكاية وجهين في صورة تداني هذه ، وهو أنه لو جاوز الغريب الميقات وهو لا يريد نسكا ولا دخول الحرم ، ثم بدا له بقرب مكة أن يعتمر فاعتمر منه وحج بعدها على صورة التمتع هل يلزمه الدم ؟ ( أحد الوجهين ) لا يلزمه لأنه حين بدا له كان في مسافة الحاضر ، ( وأصحهما ) لا يلزمه لوجود صورة التمتع ، وهو غير معدود من الحاضرين ، هذا كلام الرافعي والمختار في الصورة الأولى التي ذكرها الغزالي أنه متمتع ليس بحاضر ، بل يلزمه الدم والله أعلم . .



قال أصحابنا : ولا يجب على حاضري المسجد الحرام دم القران ، كما لا يجب عليه دم التمتع ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وحكى ، الحناطي والرافعي وجها أنه يلزمه ، قال الرافعي : ويشبه أن يكون هذا الخلاف على وجهين حكاهما صاحب العدة أن دم القران دم جبر أم دم [ ص: 174 ] نسك ؟ والمذهب المعروف أنه دم جبر ( قلت ) : الذي قطع به جماهير الأصحاب أن دم التمتع ودم القران دم جبر ، وإنما القائل بأنهما دم نسك أبو حنيفة وقد سبق بيانه بدليله في مسألة تفضيل الإفراد على التمتع والقران .



( فرع ) هل يجب على المكي إذا قرن إنشاء الإحرام من أدنى الحل ، كما لو أفرد العمرة ؟ أم يجوز أن يحرم من جوف مكة إدراجا للعمرة تحت الحج في الميقات ؟ كما أدرجت أفعالها في أفعاله ؟ فيه وجهان حكاهما وآخرون : ( أصحهما ) الثاني وبه قطع الأكثرون قالوا : ويجري الوجهان في الآفاقي إذا كان بمكة وأراد القران .



( الشرط الثاني ) أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فلو أحرم بها وفرغ منها قبل أشهر الحج ثم حج في سنته لم يلزمه دم بلا خلاف عندنا ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال طاوس : يلزمه ، دليلنا ما ذكره المصنف . ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهره فقولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما : ( أصحهما ) نصه في الأم : لا دم ، ( والثاني ) نصه في القديم والإملاء : يجب الدم ، وقال ابن سريج : ليست على قولين بل على حالين إن أقام بالميقات محرما بالعمرة متى دخلت أشهر الحج أو عاد إليه في أشهره محرما بها وجب الدم ، وإن جاوزه قبل الأشهر ولم يعد إليه فلا دم ولو وجد الإحرام بالعمرة وبعض أعمالها قبل أشهره ، ( فإن قلنا ) : لا دم إذا لم يتقدم الإحرام فهي أولى ، وإلا فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين : ( أصحهما ) عندهم لا يجب . وبه قطع العراقيون ، قال الخراسانيون : وإذا لم نوجب دم التمتع في هذه الصور ففي وجوب دم الإساءة وجهان : ( أحدهما ) يجب لأنه أحرم بالحج من مكة ( وأصحهما ) [ ص: 175 ] لا . لأن المسيء من ينتهي إلى الميقات قاصدا للنسك ويجاوزه غير محرم ، وهذا جاوزه محرما ،



( الشرط الثالث ) أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة ، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم ، سواء أقام بمكة إلى أن حج أم رجع وعاد ، وهل يشترط كون العمرة والحج جميعا في شهر واحد ؟ فيه وجهان مشهوران في الطريقتين : ( أصحهما ) باتفاق المصنفين وقطع به كثيرون منهم ، وهو قول عامة أصحابنا المتقدمين لا يشترط ، ( والثاني ) يشترط انفرد به أبو علي بن خيران .



( الشرط الرابع ) أن لا يعود إلى الميقات بأن أحرم بالحج من نفس مكة واستمر ، فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم بالعمرة منه وإلى مسافة مثله وأحرم بالحج فلا دم بالاتفاق ، ولو أحرم به من مكة ثم ذهب إلى الميقات محرما ففي سقوطه الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله - تعالى - فيمن جاوز الميقات غير محرم ثم عاد محرما ، ولو عاد إلى ميقات أقرب إلى مكة من ميقات عمرته وأحرم منه ، بأن كان ميقات عمرته الجحفة فعاد إلى ذات عرق فهل هو كالعود إلى ميقات عمرته ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) لا ، وعليه دم لأنه دونه ، ( وأصحهما ) نعم ; لأنه أحرم من موضع ليس ساكنوه من حاضري المسجد الحرام قال الرافعي : وهذا اختيار القفال والمعتبرين ، وقطع الفوراني بأنه لو سافر بعد عمرته مكة سفرا تقصر فيه الصلاة ، ثم حج من سنته لا دم عليه .

( فرع ) لو دخل القارن مكة قبل يوم عرفة ثم عاد إلى الميقات فالمذهب أنه لا دم نص عليه في الإملاء ، وقطع به كثيرون أو الأكثرون وصححه الحناطي وآخرون ، وقال إمام الحرمين : ( إن قلنا ) : المتمتع إذا أحرم بالحج ، ثم عاد إليه لا يسقط عنه الدم فهنا أولى ، وإلا فوجهان ، والفرق أن اسم القران لا يزول بالعود بخلاف التمتع ، ولو أحرم بالعمرة [ ص: 176 ] من الميقات ودخل مكة ثم رجع إلى الميقات قبل طوافه فأحرم بالحج فهو قارن ، قال الدارمي في آخر باب الفوات : ( إن قلنا ) : إذا أحرم بهما جميعا ، ثم رجع سقط الدم فهنا أولى وإلا فوجهان ،



( الشرط الخامس ) مختلف فيه ، وهو أنه هل يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد ؟ فيه وجهان مشهوران ، قال الخضري : يشترط ، وقال الجمهور : يشترط ، وهو المذهب قال أصحابنا : ويتصور فوات هذا الشرط في صور : ( إحداها ) أن يستأجره شخص لحج وآخر لعمرة ، ( الثانية ) أن يكون أجيرا في عمرة ، فيفرغ منها ثم لنفسه ، ( الثالثة ) أن يكون أجيرا لحج فيعتمر لنفسه ، ثم يحج للمستأجر ( فإن قلنا ) : بقول الجمهور ، قال أصحابنا : وجب نصف دم التمتع على من يقع له الحج ، ونصفه على من تقع له العمرة ، قال الرافعي : وليس هذا الإطلاق على ظاهره ، بل هو محمول على تفصيل ذكره البغوي ( أما ) في الصورة الأولى فقال : إن أذن المستأجران في التمتع فالدم عليهما نصفان ، وإلا فعلى الأجير ، وعلى قياسه أنه إن أذن أحدهما فقط فالنصف على الآذن والنصف على الأجير .

( وأما ) في الصورتين الأخيرتين فقال : إن أذن له المستأجر في التمتع ، فالدم عليهما نصفان ، وإلا فالجميع على الأجير ، قال الرافعي : واعلم بعد هذا أمورا : ( أحدها ) أن إيجاب الدم على المستأجرين أو أحدهما مفرع على الأصح ، وهو أن دم التمتع والقران على المستأجر ، وإلا فهو على الأجير بكل حال ، ( الثاني ) إذا لم يأذن المستأجران أو أحدهما في الصورة الأولى ، والمستأجر في الثالثة ، وكان ميقات البلد معينا في الإجارة أو نزلنا الإطلاق عليه ، لزمه مع دم التمتع دم الإساءة لمجاوزة ميقات نسكه ، ( الثالث ) إذا أوجبنا الدم على المستأجرين وكانا معسرين لزم كل واحد منهما صوم خمسة أيام ، لكن صوم التمتع بعضه في الحج وبعضه بعد الرجوع ، وهما لم يباشرا حجا ، وقد سبق في فروع الإجارة فيمن استؤجر [ ص: 177 ] ليقرن ، فقرن أو ليتمتع فتمتع ، وكان المستأجر معسرا ، وقلنا : الدم خلاف بين البغوي والمتولي فعلى قياس البغوي الصوم على الأجير ، وعلى قياس المتولي هو كما لو عجز المتمتع عن الهدي والصوم جميعا ، قال الرافعي : ويجوز أن يكون الحكم كما سيأتي في المتمتع إذا لم يصم في الحج كيف يقضي ؟ فإذا أوجبنا التفريق فتفريق الخمسة بنسبة الثلاثة والسابعة ببعض القسمين ، فيكملان ويصوم كل واحد منهما ستة أيام ، وقس على هذا ما إذا أوجبنا الدم في الصورتين الأخيرتين على الأجير والمستأجر .

( وأما ) إذا قلنا بقول الخضري : هذا اعتمر عن المستأجر ثم حج عن نفسه ففي كونه مسيئا الخلاف السابق ، فيمن اعتمر قبل أشهر الحج ، ثم حج من مكة ، لكن الأصح هنا أنه مسيء لإمكان الإحرام بالحج حين حضر الميقات ، قال الإمام : فإن لم يلزم الدم ففوات هذا الشرط لا يؤثر إلا في فوات فضيلة التمتع في قولنا : إنه أفضل من الإفراد وإن ألزمناه الدم فله أثران : ( أحدهما ) هذا ، ( والثاني ) أن المتمتع لا يلزمه العود إلى الميقات ، وإذا عاد وأحرم منه سقط عنه الدم بلا خلاف ، والمسيء يلزمه العود ، وإذا عاد ففي سقوط الدم عنه خلاف ، وأيضا فالدمان يختلف بدلهما ، والله أعلم .



( الشرط السادس ) مختلف فيه أيضا ، وهو نية التمتع ، وفي اشتراطها وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما : ( أصحهما ) لا يشترط كما لا يشترط فيه القران ، فإن شرطناها ففي وقتها ثلاثة أوجه حكاها الدارمي وآخرون : ( أحدها ) حالة الإحرام بالعمرة ، ( والثاني ) وهو الأصح ما لم يفرغ من العمرة وهذان الوجهان في الكتاب ، ( والثالث ) ما لم يشرع في الحج ، وقد سبق مثل هذه الأوجه في الجمع بين الصلاتين .



[ ص: 178 ] الشرط السابع ) أن يحرم بالعمرة من الميقات ، فلو جاوز مريدا للنسك ثم أحرم بها فقد نص الشافعي أنه ليس عليه دم التمتع ، بل يلزمه دم الإساءة ، فقال جماعة من الأصحاب بظاهر النص ، وقال الأكثرون : هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر ، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معا ، ومما يؤيد هذا أن صاحبي البيان والشامل ذكرا عن الشيخ أبي حامد أنه حكى عن نص الشافعي في القديم أنه إذا مر بالميقات فلم يحرم حتى بقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر ثم أحرم بالعمرة ، فعليه دم الإساءة بترك الميقات ، وليس عليه دم التمتع ; لأنه صار من حاضري المسجد الحرام .

( فرع ) قال أصحابنا : هذه الشروط السبعة معتبرة لوجوب الدم وفاقا وخلافا ، وهل يعتبر في تسميته متمتعا ؟ فيه وجهان مشهوران حكاهما صاحب العدة والبيان وآخرون : ( أحدهما ) يعتبر ، فلو فاته شرط كان مفردا ، ( والثاني ) لا يعتبر ، بل يسمى متمتعا متى أحرم بالعمرة في أشهر الحج وحج من عامه ، واختلفوا في الأرجح منهما فقال صاحب العدة والبيان : قال الشيخ أبو حامد : لا يعتبر ، وقال القفال : يعتبر وذكر أنه نص الشافعي وبه قطع الدارمي وقال الرافعي : الأشهر أنه لا يعتبر ، قال : ولهذا قال الأصحاب : يصح التمتع والقران من المكي خلافا لأبي حنيفة ( قلت ) : الأصح لا يعتبر لما ذكره الرافعي .



( فرع ) إذا اعتمر المتمتع ولم يرد العود إلى الميقات لزمه أن يحرم بالحج من نفس مكة ، وهي في حقه كهي في حق المكي ، وأما الموضع الذي هو أفضل للإحرام ، وإحرامه من خارج مكة أو خارج الحرم ، من غير عود إلى الميقات ، ولا إلى مسافته فحكمه كله كما سنذكره في باب مواقيت الحج ، في المكي إذا فعل ذلك إن شاء الله - تعالى - ، وإذا اقتضى الحال وجوب دم الإساءة وجب أيضا مع دم التمتع ، حتى لو خرج بعد تحلله من العمرة [ ص: 179 ] إلى الحل وأحرم من طرفه بالحج ، فإن عاد إلى مكة محرما قبل وقوفه بعرفات لزمه دم التمتع دون الإساءة ، وإن ذهب إلى عرفات ولم يعد إلى ، مكة قبل الوقوف فالصحيح الذي عليه الأصحاب أنه يلزمه دمان ، دم التمتع ودم الإساءة ، وحكى ابن الصباغ هذا عن الأصحاب ثم قال : وفيه نظر . وينبغي أن يلزمه دم واحد للتمتع ; لأن دم التمتع وجب لترك الإحرام بالحج من ميقات بلده ، ولا فرق بين أن يترك منه مسافة قليلة أو كثيرة ، وإن أحرم من موضع من الحرم خارج مكة ولم يعد إلى مكة ، فهل هو كمن أحرم من مكة ؟ أم كمن أحرم من الحل ؟ قال صاحب الشامل والبيان : فيه وجهان : وقيل قولان : ( أحدهما ) كمكة لأنهما سواء في الإحرام ، وتحريم الصيد وغيره ، ( والثاني ) كالحل لأن مكة صارت ميقاته فهو كمن لزمه الإحرام من قريته التي بين مكة والميقات فجاوزها وأحرم ، وهذا الثاني أصح . .



( فرع ) قال صاحب البيان : قال الشافعي في القديم : إذا حج رجل لنفسه من ميقات في أشهر الحج ، فلما تحلل منه أحرم بالعمرة عن نفسه من أدنى الحل ، أو تمتع أو قرن لنفسه من الميقات ، ثم اعتمر عن نفسه من أدنى الحل ، لم يلزمه عن العمرة المتأخرة دم ، وكذا لو أفرد عن غيره فحج ثم اعتمر عنه من أدنى الحل ، أو تمتع أو قرن عن زيد ثم أحرم عنه بالعمرة من أدنى الحل ، لم يجب عليه إلا دم القران والتمتع ، قال : فإنما إذا اعتمر عن نفسه من الميقات ثم حج عن غيره من مكة ، أو حج عن نفسه من الميقات ثم اعتمر عن غيره من أدنى الحل ، فعليه الدم خلافا لأبي حنيفة . دليلنا أن الإحرامين إذا كانا عن شخصين وجب فعلهما من الميقات ، فإذا ترك الميقات في أحدهما لزم الدم كمن مر بالميقات مريدا للنسك . وإن أحرم بعد مجاوزته قال صاحب البيان : وعلى قياس هذا إذا أحرم الأجير بالعمرة من الميقات عن المستأجر ، وتحلل منها ، ثم أقام يعتمر [ ص: 180 ] عن نفسه من أدنى الحل ، ثم أحرم بالحج من مكة عن المستأجر لزمه الدم للعمرة التي أحرم بها عن نفسه من أدنى الحل ، ولا يلزم الدم لما بعدها من العمر لأن الواجب عليه أن يحرم عن نفسه من الميقات بنسك واحد . هذا آخر كلام صاحب البيان .



( فرع ) إذا فرغ المتمتع من أفعال العمرة صار حلالا ، وحل له الطيب واللباس والنساء وكل محرمات الإحرام ، سواء كان ساق الهدي أم لا ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة وأحمد : إن لم يكن معه هدي تحلل كما قلنا ، فإن كان معه هدي لم يجز أن يتحلل ، بل يقيم على إحرامه حتى يحرم بالحج ويتحلل منهما جميعا ، لحديث { حفصة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله : ما شأن الناس حلوا لعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك ؟ قال : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر } رواه البخاري ومسلم . واحتج أصحابنا بأنه متمتع أكمل أفعال عمرته فتحلل ، كمن لم يكن معه هدي ، ( وأما ) حديث حفصة فلا حجة لهم فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردا أو قارنا كما سبق إيضاحه . ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة } وقد سبق بيانه ، ( فإن قيل ) : فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت { : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحجة ، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل ، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يتحلل ، حتى ينحر هديه ، ومن أهل بحجة فليتم حجه } فالجواب أن هذه الرواية مختصرة من روايتين ذكرهما مسلم قبل هذه الرواية وبعدها ، قالت : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من [ ص: 181 ] كان معه هدي فليهلل بالحج من العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا } فهذه الرواية مفسرة للأولى ، ويتعين هذا التأويل ; لأن القصة واحدة فصحت الروايات . .



( فرع ) إذا تحلل المتمتع من العمرة استحب له أن لا يحرم بالحج إلا يوم التروية ، وهو الثامن من ذي الحجة ، هذا إن كان واجد الهدي ، وإن كان عادمه استحب له تقديم الإحرام بالحج قبل اليوم السادس ; لأن فرضه الصوم ، ولا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج ، وواجبه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، ويستحب أن لا يصوم يوم عرفة فيتعين ثلاثة أيام قبله . وهي السادس والسابع والثامن ، هذا مذهبنا وثبت ذلك في الصحيحين عن ابن عمر من فعله ، وبه قال بعض المالكية وآخرون ، منهم عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وابن المنذر وآخرون وقال مالك وآخرون : الأفضل أن يحرم من أول ذي الحجة ، سواء كان واجدا للهدي أم لا ، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وأبي ثور ونقله القاضي عن أكثر الصحابة والعلماء ، والخلاف في الاستحباب ، فكلاهما جائز بالإجماع . دليلنا ما ثبت عن جابر رضي الله عنه أنه قال { : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدي معه - يعني حجة الوداع - وقد أهلوا بالحج مفردا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالا ، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة } وفي رواية قال : { تحللنا فواقعنا النساء وتطيبنا ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ، ثم أهللنا يوم التروية يعني بالحج } وفي رواية : { فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج } وفي رواية : حتى { إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج } وفي رواية : { أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أهللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى } . [ ص: 182 ] هذه الروايات كلها في صحيح مسلم وبعضها في البخاري أيضا . وثبت في الصحيحين عن ابن عمر { أنه كان إذا كان بمكة يحرم بالحج يوم التروية فقال له عبيد بن جريج في ذلك فقال : إني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته } قال العلماء : أجابه ابن عمر بضرب من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسألة بعينها ، فاستدل بما في معناه ووجه قياسه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرم عند الشروع في أفعال الحج والذهاب إليه فأخر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحج والذهاب وتوجهه إليه وهو يوم التروية لأنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى ، والله أعلم . .



( فرع ) في مذاهب العلماء في مسائل سبقت : ( منها ) إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وفعل أفعالها في أشهره فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه ليس عليه دم التمتع ، وبه قال جابر بن عبد الله . وقتادة وأحمد وإسحاق وداود والجمهور ، وقال الحسن والحكم وابن شبرمة يلزمه



( ومنها ) إذا عاد المتمتع لإحرام الحج إلى الميقات سقط عنه دم التمتع عندنا . وقال أبو حنيفة : لا يسقط



( ومنها ) حاضر المسجد الحرام عندنا من كان في المسجد الحرام ، أو بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وقال ابن عباس وطاوس ومجاهد والثوري : هو من كان بالحرم خاصة ، وقال مالك : هم أهل مكة وذي طوى وقال مكحول : هم من كان أهله دون الميقات ، وحكاه ابن المنذر عن نص الشافعي في القديم . وقال محمد بن الحسن : هو من كان من أهل الميقات أو دونه .



( ومنها ) قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن لمن أهل بعمرة في أشهر الحج أن يدخل عليها الحج ، ما لم يفتتح الطواف بالبيت ، قال : واختلفوا في إدخاله عليها بعد افتتاح الطواف فجوزه مالك ومنعه عطاء والشافعي وأبو ثور [ ص: 183 ] وقال : واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فقال أصحابنا : يجوز ويصير قارنا ، وعليه دم القران . وهو قول قديم للشافعي ومنعه الشافعي في مصر ، ونقل منعه عن أكثر من لقيه . قال ابن المنذر : وبقول مالك أقول .



( ومنها ) وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن من دخل مكة بعمرة في أشهر الحج مريدا للمقام بها ثم حج من مكة أنه متمتع ، يعني وعليه الدم



، ( ومنها ) إذا خرج المكي إلى بعض الآفاق لحاجة ثم عاد وأحرم بالعمرة منه أو من ميقاته وحج من عامه فلا دم عليه عندنا ، وقال طاوس : يجب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث