الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( وإن احتاج المحرم إلى اللبس لحر أو برد أو احتاج إلى الطيب لمرض أو إلى حلق الرأس للأذى أو شد رأسه بعصابة لجراحة عليه أو إلى ذبح الصيد للمجاعة لم يحرم عليه وتجب عليه الكفارة لقوله تعالى - : { فمن كان [ ص: 358 ] منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ولحديث كعب بن عجرة . فثبت الحلق بالنص ، وقسنا عليه ما سواه ، لأنه في معناه وإن نبت في عينه شعرة فقلعها أو نزل شعر الرأس على عينه [ فغطاها ] فقطع ما غطى العين أو انكسر شيء من ظفره فقطع ما انكسر منه ، أو صال عليه صيد فقتله دفعا عن نفسه جاز ولا كفارة عليه ، لأن الذي تعلق به المنع ألجأه إلى إتلافه ويخالف إذا آذاه القمل في رأسه فحلق الشعر ، لأن الأذى لم يكن من جهة الشعر الذي تعلق به المنع ، وإنما كان من غيره . وإن افترش الجراد في طريقه فقتله ففيه قولان : ( أحدهما ) يجب عليه الجزاء ، لأنه قتله لمنفعة نفسه فأشبه إذا قتله للمجاعة ، ( والثاني ) لا يجب لأن الجراد ألجأه إلى قتله فأشبه إذا صال عليه الصيد فقتله للدفع . وإن باض صيد على فراشه فنقله ولم يحضنه الصيد ، فقد حكى الشافعي - رحمه الله - عن عطاء - رحمه الله - أنه لا يلزمه ضمانه ، لأنه مضطر إلى ذلك قال : ويحتمل عندي أن يضمن لأنه أتلفه باختياره فحصل فيه قولان كالجراد . وإن كشط من يده جلدا وعليه شعر أو قطع كفه وفيه أظفار لم تلزمه فدية ، لأنه تابع لمحله فسقط حكمه تبعا لمحله كالأطراف مع النفس في قتل الآدمي ) .

التالي السابق


( الشرح ) قوله تعالى - : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية } فيه محذوف دل عليه سياق الكلام وتقديره : ( فحلقه ) فعليه فدية والمجاعة - بفتح الميم - شدة الجوع وحديث كعب بن عجرة رواه البخاري ومسلم وسبق بيانه ، ( قوله ) : افترش الجراد هو برفع الجراد وهو فاعل افترش ، قال أهل اللغة : افترش الشيء إذا انبسط ، قالوا : ومنه قولهم : أكمة مفترشة أي دكاء وإنما ذكرت أنه مرفوع وأوضحته لأني رأيت بعض الكبار يغلط فيه ( قوله ) : ولم يحضنه هو - بفتح الياء وضم الضاد - قال أهل اللغة : يقال حضن الطائر بيضه يحضنه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه ( قوله ) : أو قطع كفه وفيه أظفار هكذا في النسخ وفيه : وكان ينبغي أن يقول : وفيها ، لأن الكف مؤنثة ( ويجاب ) عنه بأنه حمل الكلام على المعنى ، فعاد الضمير إلى معنى الكف ، وهو العضو .

[ ص: 359 ] أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) إذا احتاج المحرم إلى اللبس لحر أو برد أو قتال صائل من آدمي وغيره أو إلى الطيب لمرض أو إلى حلق الشعر من رأسه أو غيره لأذى في رأسه من قمل أو وسخ أو حاجة أخرى فيه أو في غيره من البدن ، أو إلى شد عصابة على رأسه لجراحة أو وجع ونحوه أو إلى ذبح صيد للمجاعة أو إلى قطع ظفر للأذى أو ما في معنى هذا كله جاز فعله وعليه الفدية لما ذكره المصنف ، وهذا لا خلاف فيه عندنا



( الثانية ) إذا نبت في عينه شعرة أو شعرات داخل الجفن وتأذى بها جاز قلعها بلا خلاف ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الأئمة ، ثم قال : وحكى الشيخ أبو علي في شرح التلخيص فيه طريقين : ( أصحهما ) هذا ، ( والثاني ) تخريج وجوب الفدية على وجهين بناء على القولين في الجراد إذا افترش في الطريق ، قال الإمام : وهذا وإن كان قريبا في المعنى فهو بعيد في النقل وذكر الجرجاني في كتابيه التحرير والمعاياة في المسألة قولين : ( أصحهما ) لا ضمان ، ( والثاني ) يضمن والمذهب لا ضمان قطعا . ولو طال شعر حاجبه أو رأسه فغطى عينه فله قطع المغطي بلا خلاف ، ولا فدية على المذهب ، وفيه الطريقان اللذان ذكرهما الإمام وسلك القاضي حسين في تعليقه طريقة عجيبة ، فقطع بأنه إذا نبت الشعر في عينه لزمه الفدية بقلعه . قال : ولو انعطف هدبه إلى عينه فآذاه فنتفه أو قطعه فلا فدية وفرق بأن هذا كالصائل بخلاف شعر العين ، لأنه في موضعه والمذهب أنه لا فدية في الجميع كما سبق . ولو انكسر بعض ظفر فتأذى به قطع المنكسر وحده جاز ولا فدية على المذهب ، وحكى الإمام عن الشيخ أبي علي أنه حكى فيه الطريقين كشعر العين ، ( أما ) إذا قطع المكسور وشيئا من الصحيح فعليه ضمانه بما يضمن به الظفر بكماله ، نص عليه الشافعي والأصحاب وكذا كل من أخذ [ ص: 360 ] بعض ظفر أو بعض شعر فهو كالظفر الكامل والشعرة الكاملة وفيه وجه ضعيف إن أخذ أعلى الظفر - ولكنه دون المعتاد - وجب ما يجب في جميع الظفر ، كما لو قطع بعض الشعرة الواحدة ، وإن أخذ من جانب دون جانب وجب بقسطه .

والمذهب الأول ، وستأتي المسألة مبسوطة حيث ذكرها المصنف في أول الباب الآتي إن شاء الله - تعالى - .



( الثالثة ) لو صال عليه صيد وهو محرم أو في الحرم ولم يمكن دفعه إلا بقتله فقتله للدفع فلا جزاء عليه بلا خلاف عندنا . ولو ركب إنسان صيدا وصال على المحرم أو الحلال في الحرم ولم يمكنه دفعه إلا بقتله فقتله للدفع فطريقان : ( المذهب ) وجوب الجزاء ، وبه قطع المتولي والبغوي وصاحب العدة والأكثرون ، لأن الأذى ليس من الصيد ، ( والطريق الثاني ) حكاه القفال وإمام الحرمين والرافعي وغيرهم فيه وجهان : ( أحدهما ) يجب الضمان على الراكب ولا يطالب به المحرم ، ( والثاني ) يطالب المحرم ، ويرجع به على الراكب ، وجعل إمام الحرمين الخلاف قولين ، قال : وكذا نقل القفال القولين أيضا فيمن ركب دابة معضوبة وقصد إنسانا فقتل المقصود الدابة في ضرورة الدفع : ( أحدهما ) الغرامة على الراكب ولا مطالبة على الدافع ، ( والثاني ) يطالب كل واحد منهما ، والقرار على الراكب لأنه غاصب .



( الرابعة ) إذا انبسط الجراد في طريقه وعم المسالك فلم يجد عنه معدلا ، ولم يمكنه المشي إلا عليه فقتله في مروره ففيه طريقان : ( أصحهما ) وهو المشهور ، وبه قطع المصنف والجمهور في وجوب ضمانه قولان ، وحكاهما جماعة وجهين ذكر المصنف دليلهما ، ( والثاني ) القطع بأن لا ضمان حكاه الرافعي ( والأصح ) من القولين عند الأكثرين : لا ضمان ، وممن صححه الجرجاني في التحرير والفارقي في الفوائد والرافعي وغيرهم ، وقطع به المحاملي في المقنع ، وصحح الشيخ أبو حامد إيجاب الضمان ، [ ص: 361 ] والمذهب الأول . قال البندنيجي وغيره : وسواء في جريان هذا الخلاف جراد الحرم والإحرام ، والله أعلم .



( الخامسة ) إذا باض صيد على فراشه فنقله عنه فلم يحضنه الصيد حتى فسد أو تقلب عليه في نومه فقتله ولم يعلم به ففي وجوب الجزاء فيه القولان ، كالجراد المفترش ، هكذا قاله المصنف والأصحاب ، قال البندنيجي وغيره : ولو وضع الصيد الفرخ على فراش المحرم فنقله فتلف أو تقلب عليه جاهلا فتلف ، ففيه القولان .



( السادسة ) إذا قطع المحرم يده وعليها شعر ، أو كشط جلدة منها عليها شعر ، أو قطع يده وعليها أظفار ، لم يلزمه فدية بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، وممن نقل اتفاق الأصحاب على المسألة إمام الحرمين ، قال هو وغيره : وكذا لو كشط جلدة الرأس التي عليها شعر فلا فدية بالاتفاق ، ونقل أبو علي البندنيجي هذا عن نص الشافعي ، وجزم به ، قال الشافعي ولو افتدى كان أحب إلي .

( فرع ) ذكرنا أن مذهبنا أن المحرم إذا قتل صيدا صال عليه فلا ضمان عليه وقال أبو حنيفة : يلزمه الضمان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث