الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى ( وإن حلق رجل رأسه فإن كان بإذنه وجبت عليه الفدية لأنه أزال شعره بسبب لا عذر له فيه فأشبه إذا حلقه بنفسه ، وإن حلقه وهو نائم أو مكره وجبت الفدية ، وعلى من تجب ؟ فيه قولان : ( أحدهما ) تجب على الحالق لأنه أمانة عنده ، فإذا أتلفه غيره وجب الضمان على من أتلفه كالوديعة [ ص: 366 ] إذا أتلفها غاصب ، ( والثاني ) تجب على المحلوق لأنه هو الذي ترفه بالحلق فكانت الفدية عليه ( فإن قلنا ) : تجب الفدية على الحالق فللمحلوق مطالبته بإخراجها ، لأنها تجب بسببه ، فإن مات الحالق أو أعسر بالفدية لم تجب على المحلوق الفدية ( وإن قلنا ) : تجب على المحلوق أخذها من الحالق بعد إخراجها وإن افتدى المحلوق نظرت - فإن افتدى بالمال - رجع بأقل الأمرين من الشاة ، أو ثلاثة آصع ، وإن أداها بالصوم لم يرجع عليه ، لأنه لا يمكن الرجوع به : ومن أصحابنا من قال : يرجع بثلاثة أمداد ، لأن صوم كل يوم مقدر بمد وإن حلق رأسه وهو ساكت ففيه طريقان : ( أحدهما ) أنه كالنائم والمكره ، لأن السكوت لا يجري مجرى الإذن ، والدليل عليه أنه لو أتلف رجل ماله فسكت لم يكن سكوته إذنا في إتلافه ( والثاني ) أنه بمنزلة ما لو أذن فيه لأنه يلزمه حفظه والمنع من حلقه ، فإذا لم يفعل جعل سكوته كالإذن فيه كالمودع إذا سكت عن إتلاف الوديعة ) .

التالي السابق


( الشرح ) قوله ( أقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع ) هكذا استعمل المصنف والأصحاب هذه العبارة ، والأجود حذف الألف ، فيقال : أقل الأمرين من الشاة وثلاثة آصع ، وهذا ظاهر لمن تأمل ، وقد أوضحته في تهذيب اللغات وفي ألفاظ التنبيه وقوله : يجري مجرى هو - بفتح الميم - وقوله : سكت عن إتلاف الوديعة ، يقال : سكت عنه وعليه .

( أما الأحكام ) فقال أصحابنا : للحالق والمحلوق أربعة أحوال : ( أحدها ) أن يكونا حلالين فلا شيء عليهما ، ( الثاني ) أن يكون الحالق محرما والمحلوق حلالا فلا منع منه ، ولا شيء عليهما ، ( الثالث ) أن يكونا محرمين ، ( الرابع ) أن يكون المحلوق محرما دون الحالق ، وفي هذين الحالين يأثم الحالق ثم إن كان الحلق بإذن المحلوق أثم أيضا ، ووجبت الفدية على المحلوق ولا شيء على الحالق بلا خلاف عندنا ، وقال أبو حنيفة : إن كان الحالق محرما فعليه صدقة دليلنا أنه آلة للمحلوق فوجبت إضافة الحلق إلى المحلوق دونه



أما إذا حلق الحلال أو المحرم شعر محرم بغير إذنه فإن كان نائما أو مكرها أو مجنونا أو مغمى عليه فطريقان حكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي والقاضي أبو الطيب والشاشي وآخرون : ( أحدهما ) [ ص: 367 ] طريقة أبي العباس بن سريج ، ( الثاني ) أبي إسحاق المروزي أن في المسألة قولين : ( أحدهما ) أن الفدية على الحالق نص عليه الشافعي في القديم والإملاء ، ( والثاني ) يجب على المحلوق ثم يرجع بها على الحالق ، نص عليه في البويطي في مختصر الحج الأوسط وقاله ابن الصباغ وغيره في المختصر الكبير .

( والطريق الثاني ) طريقة أبي علي بن أبي هريرة أن المسألة على قول واحد وهو أن الفدية تجب على الحالق ابتداء قولا واحدا ، فما دام موسرا حاضرا فلا شيء على المحلوق قولا واحدا وإنما القولان إذا غاب الحالق أو أعسر ، فهل يلزم المحلوق إخراج الفدية ؟ ثم يرجع بها بعد ذلك على الحالق إذا حضر وأيسر ؟ فيه القولان ، واختلف الأصحاب في الراجح من هذين الطريقين ، فقال الماوردي في الحاوي : الصحيح طريقة أبي علي بن أبي هريرة قال : وبها قال أكثر أصحابنا .

هذا كلام الماوردي ، وخالفه الجمهور ، فصححوا طريقة ابن سريج وأبي إسحاق ممن صححها القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد وصاحب البيان وآخرون ، ونقلها صاحب البيان عن عامة أصحابنا . قال الشيخ أبو حامد وأبو علي البندنيجي والمحاملي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والقاضي حسين والبغوي والشاشي وسائر الأصحاب : هذا الخلاف مبني على أن الشعر على رأس المحرم هل هو عنده بمنزلة الوديعة ؟ أم بمنزلة العارية ؟ وفيه قولان للشافعي ( فإن ) قلنا : عارية وجبت الفدية على المحلوق ، ثم يرجع بها على الحالق ، كما لو تلفت العارية في يده ( وإن قلنا : ) وديعة وجبت على الحالق ولا شيء على المحلوق ، كما لو تلفت الوديعة عنده بلا تفريط . ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأصحاب أنهم قالوا : فيه قولان ، قال : وقيل وجهان : ( أحدهما ) أنه عارية ، ( والثاني ) وديعة وممن نقل الخلاف في أن الخلاف [ ص: 368 ] قولان أو وجهان صاحب الشامل والشاشي قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشاملي وغيرهم : ( الأصح ) أنه كالوديعة ، قال القاضي : لأن القصد بالعارية انتفاع المستعير بها والمحرم لا ينتفع بكون الشعر على رأسه ، وإنما منفعته في إزالته لأنه لو تمعط بالمرض لم يضمنه بلا خلاف ، فدل على أنه كالوديعة ، ولو كان كالعارية لضمنه كالعارية التالفة بآفة سماوية . قال القاضي : ( فإن قيل ) : إنما لم يضمن إذا تمعط بالمرض ، لأن صاحب العارية هو الذي أتلفه وهو الله - تعالى - ( فالجواب ) أنه يلزم مثل ذلك إذا حلقه بنفسه ، لأن الله - تعالى - هو الفاعل الحقيقي في الحلق ولا محدث للأفعال سواه قال : ويمكن أن يفرق بأن الحلق اكتسبه العبد فضمنه ، والتمعط بالمرض ليس بكسب فلم يضمنه . هذا كلام القاضي أبي الطيب ونقل ابن الصباغ في الشامل أن القاضي أبا الطيب قال : ذكر الخلاف في ذلك خطأ والصواب أنه وديعة وهذا يخالف قول القاضي في تعليقه ، فإنه ذكر الخلاف ولم يقل إنه خطأ والله أعلم .

واتفق الأصحاب في أن الأصح من القولين أن الفدية تجب على الحالق ، ولا يطالب المحلوق أبدا ، وممن صرح بتصحيحه أبو إسحاق المروزي في شرحه والقاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد والمحاملي في المجموع وصاحب الحاوي والجرجاني في التحرير والبغوي والشاشي وصاحب البيان والفارقي والرافعي وآخرون ، لأن المحلوق معذور ولا تقصير من جهته بخلاف الناسي ( وأما قول القائل الآخر ) ، إنه ترفه بالحلق ، فقالوا : هذا ينتقض بمن عنده شراب وديعة فجاء إنسان فأوجره في حلق المودع بغير اختياره فإن الضمان يجب على المؤجر دون المودع وإن كان قد حصل في جوفه لأنه لا صنع له فيه ، والله أعلم .

قال أصحابنا : ( فإن قلنا ) : الفدية على الحالق فامتنع من أدائها مع [ ص: 369 ] قدرته فللمحلوق مطالبته بإخراجها هكذا قطع به المصنف وجماهير الأصحاب ، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه ، قال : وهو مشكل في المعنى ، وإنما التعويل على النقل وحكى ابن الصباغ هذا عن الأصحاب ثم استشكله وأنكره على الأصحاب كما استشكله إمام الحرمين ونقل المتولي عن الأصحاب كلهم أنهم قالوا : للمحلوق مطالبة الحالق بإخراج الفدية ، وله مطالبة الإمام بالاستيفاء ، ثم قال : والصحيح أنه ليس له مطالبته ، لأن الحق ليس له وليس عليه في ترك الإخراج ضرر ، لأن الحالق هو المأمور بالإخراج بخلاف السرقة لأن في القطع غرضا وهو الزجر لصيانة ملكه . هذا كلام المتولي ، وذكر الرافعي في المسألة وجهين : ( الصحيح ) وهو قول الأكثرين له مطالبته ، ( والثاني ) لا ، واحتج الأصحاب للمشهور بما احتج به المصنف ، قال الفارقي : ولأن حج المحلوق يتم بإخراج الفدية فكان له المطالبة بإخراجها والله أعلم .

قال المصنف والأصحاب : وإذا قلنا : يجب على الحالق فمات أو أعسر فلا شيء على المحلوق ولو أخرج المحلوق الفدية إن كان بإذن الحالق جاز بلا خلاف ، كما لو أدى زكاته وكفارته بإذنه ، وإن كان بغير إذنه فوجهان حكاهما الرافعي : ( الأصح ) لا يجزئ كما لو أخرجها أجنبي بغير إذنه ، فإنه لا يجزئ وجها واحدا وبهذا الوجه قطع الدارمي وأبو علي البندنيجي والمتولي وغيرهم ، والفرق بين هذا وبين قضاء الدين عن الإنسان فإنه يجوز بغير إذنه بلا خلاف لأن الفدية شبيهة بالكفارة ، ولأنها قربة وجبت بسبب العبادة والله أعلم .

( أما ) إذا قلنا : تجب الفدية على المحلوق ، فقال المصنف وجمهور الأصحاب : إن كان الحالق حاضرا وهو موسر فللمحلوق أن يأخذها من الحالق ويخرجها لأنه لا معنى لإلزام المحلوق بإخراجها ثم الرجوع على الحالق مع إمكان الأخذ من الحالق هكذا قطع به المصنف وسائر العراقيين [ ص: 370 ] وجماعة من غيرهم وقال المتولي والبغوي والرافعي : هل له أن يأخذ من الحالق قبل الإخراج ؟ فيه وجهان : ( أصحهما ) عندهم ليس له ذلك والله أعلم .

وقال أصحابنا : فإن أراد إخراجها والحالة هذه كان عليه أن يفدي بالهدي أو الإطعام دون الصيام هكذا قاله الشيخ أبو حامد والأصحاب لأنه متحمل لهذه الفدية عن غيره والصوم لا يصح فيه التحمل . وإن غاب الحالق أو أعسر لزم المحلوق أن يفدي ليخلص نفسه من الفرض ، قال الأصحاب : وله هنا أن يفدي بالهدي والإطعام والصوم ، أطلق البغوي وغيره أن له أن يفدي بالإطعام والهدي والصيام ، ولم يفرقوا بين وجود الحالق وعدمه ، وقطع الماوردي بأنه لا يجوز الصيام مطلقا لأنه متحمل . وإذا فدى المحلوق على هذا القول نظرت فإن فدى بالطعام أو الهدي رجع بأقلهما قيمة لأنه متبرع بالزيادة ، لأنه مخير بينهما فعدوله إلى أكثرهما تبرع فلا يرجع به ، ويرجع بالأقل هكذا قطع به المصنف والجماهير . وذكر الماوردي في المسألة وجهين : ( أحدهما ) هذا ( والثاني ) أنه إذا فدى بأكثرهما لا يرجع على الحالق بشيء لأنه غارم عن غيره ، فلزمه أن يسقط الغرم بأقل ما يقدر عليه ، فإذا عدل إلى الأكثر كان متطوعا بذلك غير مأذون له فيه ، والمذهب الأول ، وإن فدى بالصيام ففيه أربعة أوجه : ( أصحها ) عند المصنف والأصحاب وبه قطع جماعة : لا يرجع بشيء لما ذكره المصنف ، ( والثاني ) يرجع لكل يوم بمد لما ذكره المصنف ، ( والثالث ) يرجع لكل يوم بصاع ، ذكره المتولي لأن الشرع عادل بين صوم ثلاثة أيام وثلاثة آصع ، ( والرابع ) حكاه الدارمي والقاضي أبو الطيب في تعليقه عن ابن القطان وحكاه الرافعي يرجع بما يرجع به لو فدى بالهدي أو الإطعام . ولو أراد الحالق على هذا القول أن يفدي ، قال أصحابنا : إن كان [ ص: 371 ] بالصوم لم يجز وإن كان بالهدي أو الإطعام - فإن كان بإذن المحلوق - جاز وإلا ( فوجهان ) حكاهما المتولي والبغوي وغيرهما : ( أصحهما ) لا يجوز ، وبه قطع القاضي حسين والرافعي ، قال القاضي حسين : والفرق بين هذا وبين أن أكره إنسانا على إتلاف مال ، وقلنا : إن المكره المأمور يضمن ثم يرجع به على الآمر فأداه الآمر بغير إذن المأمور ، يبرأ المأمور ، لأن الفدية فيها معنى القربة ، فلا بد من قصدها ممن لاقاه الوجوب ، والله أعلم .



( فرع ) إذا حلق إنسان رأس المحرم وهو مستيقظ عاقل غير مكره ، لكنه ساكت فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما : ( أصحهما ) أنه كما لو حلق بإذنه فتكون الفدية على المحلوق قولا واحدا ولا مطالبة على الحالق بشيء لأن الشعر عنده وديعة أو عارية وعلى التقديرين إذا أتلفت العارية أو الوديعة وهو ساكت متمكن من المنع يكون ضامنا في الطريق الثاني ، كما أنه لو حلق نائما أو مكرها فيكون على الخلاف .



( فرع ) لو أمر حلال حلالا بحلق رأس محرم نائم فالفدية على الآمر إن لم يعرف الحالق الحال ، فإن عرفه فوجهان : ( الأصح ) أنها عليه ، قال الدارمي ولو أكره إنسان محرما على حلق رأس نفسه ففيه القولان ، كما لو حلقه مكرها ولو أكره رجلا على حلق المحرم فالفدية على الآمر .



( فرع ) إذا سقط شعر المحرم بمرض أو غيره من الآفات من غير صنع آدمي فلا فدية بلا خلاف ولو طارت إليه نار فأحرقته ، فقد قال المتولي والروياني في البحر : إن لم يمكنه إطفاؤها فلا فدية بلا خلاف ، كما لو سقط بالمرض ، وإن أمكنه فهو كمن حلق رأسه وهو ساكت ، ففيه الطريقان السابقان وأطلق الدارمي والماوردي وآخرون من العراقيين أنه لو أحرق بالنار لا فدية ، وقال القاضي حسين في تعليقه : قال العراقيون : لا فدية ، واختار القاضي أنه إن قلنا : إن الشعر كالعارية ضمنه ، وإن قلنا [ ص: 372 ] وديعة فلا ، والصواب ما قدمناه عن المتولي والروياني ويتعين حمل كلام العراقيين على من لم يمكنه الإطفاء ، وكلامهم يقتضيه ، فإنهم جعلوه حجة لسقوط الفدية عن المحلوق النائم والمكره ، وبه يحصل الاحتجاج ( فرع ) قد ذكرنا أن الحلال إذا حلق رأس المحرم مكرها وجبت الفدية على الحالق في الأصح ، وفي الثاني تجب على المحلوق ، ويرجع بها على الحالق . قال إمام الحرمين : لم تختلف الأئمة في إيجاب الفدية ، قال : وأقرب مسلك فيه أن الشعر في حق الحلال كصيد الحرم وشجره .



( فرع ) في مذاهب العلماء لو حلق محرم رأس حلال جاز ولا فدية ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة لا يجوز ، فإن فعل فعلى الحالق صدقة كما لو حلق رأس محرم . دليلنا أنه حلق شعرا لا حرمة له بخلاف شعر المحرم ، ولو حلق حلال شعر محرم نائم أو مكره فقد ذكرنا أن الأصح عندنا وجوب الفدية على الحالق ، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر ، وقال أبو حنيفة : تجب على المحلوق ولا يرجع بها على الحالق ، وقال عطاء : من أخذ من شارب المحرم فعليهما الفدية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث