الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ويكره للمحرم أن يحك شعره بأظفاره حتى لا ينتثر شعره ، فإن انتثر منه شعره لزمته الفدية ويكره أن يفلي رأسه ولحيته ، فإن فلى وقتل قملة استحب له أن يفديها ، قال الشافعي - رحمه الله - : وأي شيء فداها به فهو خير منها ، فإن ظهر القمل على بدنه أو ثيابه لم يكره أن ينحيه لأنه ألجأه . ويكره أن يكتحل بما لا طيب فيه ، لأنه زينة ، والحاج أشعث أغبر ، فإن احتاج إليه لم يكره ، لأنه إذا لم يكره ما يحرم من الحلق والطيب للحاجة ، فلأن لا يكره ما يحرم أولى . ويجوز أن يدخل الحمام ويغتسل بالماء ، لما روى أبو أيوب رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل وهو محرم } " ويجوز أن يغسل شعره بالماء والسدر لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { في المحرم الذي خر من بعيره : اغسلوه بماء وسدر } " ويجوز أن يحتجم ما لم يقطع شعرا لما [ ص: 373 ] روى ابن عباس رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم } " ويجوز أن يفتصد أيضا كما يجوز أن يحتجم ويجوز أن يستظل سائرا ونازلا ، لما روى جابر رضي الله عنه " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة } " وإذا ثبت جواز ذلك بالحر نازلا وجب أن يجوز سائرا قياسا عليه .

ويكره أن يلبس الثياب المصبغة لما روي أن عمر رضي الله عنه رأى على طلحة ثوبين مصبوغين وهو حرام ، فقال : أيها الرهط أنتم أئمة يقتدى بكم ، ولو أن جاهلا رأى عليك ثوبيك لقال : قد كان طلحة يلبس الثياب المصبغة ، وهو محرم ، فلا يلبس أحدكم من هذه الثياب المصبغة في الإحرام شيئا " . ويكره أن يحمل بازا أو كلبا معلما لأنه ينفر به الصيد ، وربما انفلت فقتل صيدا ، وينبغي أن ينزه إحرامه من الخصومة والشتم والكلام القبيح ، لقوله تعالى - : { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } قال ابن عباس : الفسوق المنابذة بالألقاب ، وتقول لأخيك : يا ظالم يا فاسق ، والجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه ، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه } " وبالله التوفيق ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي أيوب رواه البخاري ومسلم ولفظ روايتهما قال أبو أيوب : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل وهو محرم } " وحديث ابن عباس في المحرم الذي خر من بعيره وحديثه في الحجامة رواهما البخاري ومسلم ( وأما ) حديث جابر في القبة فرواه مسلم وأبو داود في جملة حديث جابر الطويل ، الذي استوعب فيه صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه كما ذكره المصنف وعن { أم الحصين الصحابية رضي الله عنها قالت : حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة } " رواه مسلم في صحيحه .

( وأما ) حديث عمر وقوله لطلحة في الثوب المصبوغ فصحيح رواه مالك في الموطأ بإسناد على شرط البخاري ومسلم [ ص: 374 ] ( وأما ) حديث أبي هريرة فرواه البخاري ومسلم ( وأما ) تفسير قوله تعالى - : { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } فسبق بيانه في الباب الأول من كتاب الحج في وقت الإحرام بالحج قوله : يكره أن يفلي رأسه هو - بفتح الياء وإسكان الفاء وتخفيف اللام - ( أما الأحكام ) ففي الفصل مسائل : ( إحداها ) يكره حك الشعر في الإحرام بالأظفار لئلا ينتف شعرا ، ولا يكره ببطون الأنامل ، وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله : ( يكره أن يحك شعره بأظفاره ) فأشار إلى أنه لا يكره بأنامله ويكره مشط رأسه ولحيته ، لأنه أقرب إلى نتف الشعر ، فإن حك أو مشط فنتف بذلك شعرة أو شعرات لزمه فدية فإن سقط شعر وشك هل نتفه بفعله ؟ أم كان يغتسل بنفسه ؟ فوجهان وقيل : قولان ، وممن حكاهما قولين الشيخ أبو محمد الجويني وإمام الحرمين عن حكايته : ( أصحهما ) وبه قطع جماعة منهم البندنيجي وصاحب البيان : لا فدية ، لأنه محتمل الأمرين والأصل براءته فلا تلزمه الفدية بالشك ، ( والثاني ) تلزمه إحالة على السبب الظاهر ، قال الإمام : وهو نظير من ضرب بدن امرأة فأجهضت جنينا يجب الضمان ، وإن كان يحتمل الإجهاض بسبب آخر ، هذا كله في حك الشعر .

( وأما ) حك الجسد فلا كراهة فيه بلا خلاف ، وفي الموطأ عن عائشة " أنها سئلت أيحك المحرم جسده ؟ قالت : نعم فليحكه وليشدد " . قال أصحابنا : ولا يكره للمحرم دلك البدن وإزالة الوسخ عنه ، وقال مالك ، لا يفعله ، فإن فعله فعليه صدقة . دليلنا أنه لم يثبت في ذلك نهي شرعي ، فلا يمنع فهذا هو المعتمد في الدلالة ، ( وأما ) ما يحتج به أصحابنا من رواية الشافعي والبيهقي بإسنادهما عن ابن عباس " أنه دخل حماما [ ص: 375 ] وهو بالجحفة وهو محرم وقال : ما يعبأ الله بأوساخنا شيئا " فهذا ضعيف ، لأنه من رواية ابن أبي يحيى وهو ضعيف عند المحدثين



( المسألة الثانية ) يكره أن يفلي رأسه ولحيته ، فإن فلى وقتل قملة تصدق ولو بلقمة ، نص عليه الشافعي وفي نص آخر قال : أي شيء فداها به فهو خير منها كما حكاه عنه المصنف وهو بمعنى الأول وهذا التصدق مستحب وليس بواجب هكذا قطع به المصنف وجماهير الأصحاب لأنها ليست مأكولة فأشبهت قتل الحشرات والسباع التي لا تؤكل ، وفيه وجه أن التصدق واجب لأنه يتضمن إزالة الأذى عن الرأس وقد سبق بيانه في فصل قتل ما لا يؤكل من السباع والحشرات ، حكاه القاضي حسين وإمام الحرمين وآخرون قال المصنف والأصحاب : ولو ظهر القمل في بدنه وثيابه فله إزالته ولا فدية بلا خلاف لا واجبة ولا مستحبة ، بخلاف قمل الرأس لأنه يتضمن إزالة الأذى من الرأس وقد ورد فيه النص والله أعلم . وسبق هناك أن الصئبان لها حكم القمل والله أعلم .



( الثالثة ) يحرم الاكتحال بكحل فيه طيب كما سبق في فصل الطيب ، فإن احتاج إليه لدواء جاز وعليه الفدية ( وأما ) الاكتحال بما لا طيب فيه فقد سبق في آخر فصل تحريم الطيب أنه لا يحرم ؟ وللشافعي في كراهته نصان فقيل قولان ، وقيل على حالين وهو الأصح ، فإن كان فيه زينة كالإثمد ونحوه كره إلا لحاجة كرمد ونحوه ، وإن لم يكن فيه زينة كالتوتيا لم يكره ، وبهذا التفصيل قطع الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والجمهور ، وعليه يحمل كلام المصنف ، قال أبو علي البندنيجي : إن كان مما لا يحسن العين كالتوتيا فلا كراهة وإن كان يحسنها كالإثمد فقد نقل المزني أنه لا بأس به ، ونص في الإملاء أنه يكره وهو ظاهر نصه في الأم ، قال : فإن صح نقل المزني فالمسألة على قولين ، وإلا فالمعروف في كتبه أنه مكروه فالمذهب التفصيل . [ ص: 376 ] قال أبو الطيب وآخرون : ويكره للمحرمة الاكتحال بالإثمد أشد من كراهته للرجال ، لأن ما يحصل من الزينة أكثر من الرجل ، فإن اكتحل به رجل أو امرأة فلا فدية بلا خلاف ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المحرم : يعني يشتكي عينيه قال : يضمدها بالصبر } " وروى البيهقي عن شميسة قالت " اشتكت عيني وأنا محرمة فسألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن الكحل ، فقالت : اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد ، أو قالت : غير كل كحل أسود ، أما إنه ليس بحرام ولكنه زينة ، ونحن نكرهه وقالت إن شئت كحلتك بصبر فأبيت " .

( فرع ) اتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها للمحرم بالصبر ونحوه مما ليس بطيب ولا فدية في ذلك . وأجمعوا على أنه إذا احتاج إلى ما فيه طيب جاز فعله . وعليه الفدية وأجمعوا على أن له أن يكتحل بما لا طيب فيه إذا احتاج إليه ولا فدية ، وأما الاكتحال للزينة فمكروه عندنا على الصحيح كما سبق ، وبه قال جماعة من العلماء . قال ابن المنذر : ثبت أن ابن عمر قال : يكتحل المحرم بكل كحل لا طيب فيه ، قال : ورخص في الكحل له الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي غير أن إسحاق وأحمد قالا : لا يعجبنا ذلك للزينة ، وكرهه مجاهد ، وكره الإثمد للمحرم الثوري وأحمد وإسحاق ، قال ابن المنذر : لا يكره .



( المسألة الرابعة ) قال الشافعي والأصحاب : للمحرم أن يغتسل في الحمام وغيره ، وينغمس في الماء لما ذكره المصنف ، وله إزالة الوسخ عن نفسه ، ولا كراهة في ذلك على المذهب ، وبه قطع الجمهور " قال الرافعي : وقيل : يكره على القديم ، وله غسل رأسه بالسدر والخطمي ، لكن يستحب أن لا يفعل خوفا من انتتاف الشعر ، ولأنه ترفه ونوع زينة ولم يذكر الجمهور كراهته بل اقتصروا على أنه خلاف الأولى وصرح [ ص: 377 ] البندنيجي بكراهته ، قال الرافعي : وذكر الحناطي كراهته عن القديم . قال أصحابنا : وإذا غسله فينبغي أن يرفق لئلا ينتف شعره . هذا تفصيل مذهبنا ، قال الماوردي : أما اغتسال المحرم بالماء والانغماس فيه فجائز ، لا يعرف بين العلماء خلاف فيه ، لحديث أبي أيوب السابق ( فأما ) دخول الحمام وإزالة الوسخ عن نفسه فجائز أيضا عندنا . وبه قال الجمهور . وقال مالك : تجب الفدية بإزالة الوسخ وقال أبو حنيفة : إن غسل رأسه بخطمي لزمته الفدية . دليلنا حديث ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعيره ، قال ابن المنذر : وكره جابر بن عبد الله ومالك غسل المحرم رأسه بالخطمي . قال مالك : وعليه الفدية وبه قال أبو حنيفة ، وقال أبو يعقوب ومحمد : عليه صدقة ، قال ابن المنذر : هو مباح لحديث ابن عباس .



( الخامسة ) قال الشافعي والأصحاب : للمحرم أن يحتجم ويفتصد ويقطع العرق ما لم يقطع شعرا ولا فدية عليه هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال جمهور العلماء منهم مسروق وعطاء وعبيد بن عمير والثوري وأحمد وإسحاق وابن المنذر ، وقال ابن عمر ومالك : ليس له الحجامة إلا من ضرورة وقال الحسن البصري : إن فعله دليلنا حديث ابن عباس الذي ذكره المصنف . قال أصحابنا : فإن احتاج إلى الحجامة ونحوها ولم يمكن إلا بقطع شعر قطعه لزمه الفدية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث