الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويبتدئ بطواف القدوم ; لما روت عائشة رضي الله عنها { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت } فإن خاف فوت مكتوبة أو سنة مؤكدة أتى بها قبل الطواف ; لأنها تفوت والطواف لا يفوت ، وهذا الطواف سنة لأنه تحية فلم يجب كتحية المسجد ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث عائشة رواه البخاري ومسلم . قال أصحابنا . فإذا فرغ من أول دخوله مكة أن لا يعرج على استئجار منزل وحط قماش وتغيير ثيابه ولا شيء آخر غير الطواف ، بل يقف بعض الرفقة عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل . قال أصحابنا : فإذا فرغ من الدعاء عند رأس الردم قصد المسجد فدخله من باب بني شيبة كما ذكرنا ، فأول شيء يفعله طواف القدوم . واستثنى الشافعي والأصحاب من هذا المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز للرجال ، قالوا : فيستحب لها تأخير الطواف ودخول المسجد إلى الليل ; لأنه أستر لها وأسلم لها ولغيرها من الفتنة ، والله أعلم .

[ ص: 15 ] قال الشافعي والأصحاب : فإذا دخل المسجد لا يشتغل بصلاة تحية المسجد ولا غيرها ، بل يبدأ بالطواف للحديث المذكور ، فيقصد الحجر الأسود ويبدأ بطواف القدوم ، وهو تحية المسجد الحرام . قال أصحابنا : والابتداء بالطواف مستحب لكل داخل ، سواء كان محرما أو غيره إلا إذا خاف فوت الصلاة المكتوبة أو سنة راتبة أو مؤكدة أو فوت الجماعة في المكتوبة ، وإن كان وقتها واسعا أو كان عليه فائتة مكتوبة ، فإنه يقدم كل هذا على الطواف ثم يطوف ، ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد . واعلم أن العمرة ليس فيها طواف قدوم وإنما فيها طواف واحد ، يقال له : طواف الفرض وطواف الركن . وأما الحج ففيه ثلاثة أطوفة : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ، وطواف الوداع - ويشرع له وللعمرة طواف رابع وهو المتطوع به غير ما ذكرناه فإنه يستحب له الإكثار من الطواف ، فأما طواف القدوم فله خمسة أسماء : طواف القدوم - والقادم والورود والوارد - وطواف التحية ، وأما طواف الإفاضة فله أيضا خمسة أسماء : طواف الإفاضة وطواف الزيارة وطواف الفرض وطواف الركن وطواف الصدر بفتح الصاد والدال ، وأما طواف الوداع فيقال له أيضا طواف الصدر . ومحل طواف القدوم أول قدومه ، ومحل طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفات ونصف ليلة النحر ، ومحل طواف الوداع عند إرادة السفر من مكة بعد قضاء مناسكه كلها . واعلم أن طواف الإفاضة ركن لا يصح الحج إلا به ، وطواف الوداع فيه قولان ( أصحهما ) أنه واجب ( والثاني ) سنة ، فإن تركه أراق دما ، إن قلنا : هو واجب - فالدم واجب ، وإن قلنا : سنة - فالدم سنة . وأما طواف القدوم فسنة ليس بواجب ، فلو تركه فحجه صحيح ولا شيء عليه ، لكنه [ ص: 16 ] فاتته الفضيلة . هذا هو المذهب نص عليه الشافعي وقطع به جماهير العراقيين الخراسانيين . وذكر جماعة من الخراسانيين وغيرهم في وجوبه وجها ضعيفا شاذا وأنه إذا تركه لزمه دم ممن قاله ، وحكاه صاحب التقريب والدارمي والقاضي أبو الطيب في آخر صفة الحج من تعليقه ، وأبو علي السنجي - بالسين المهملة - وإمام الحرمين وصاحب البيان وآخرون .

( فرع ) قد ذكرنا أنه يؤمر أن يأتي بطواف القدوم أول قدومه ، فلو أخره ففي فواته وجهان ، حكاهما إمام الحرمين ; لأنه يشبه تحية المسجد .

( فرع ) اعلم أن طواف القدوم إنما يتصور في حق مفرد الحج ، وفي حق القارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة ودخلاها قبل الوقوف بعرفات ، فأما المكي فلا يتصور في حقه طواف القدوم ، إذ لا قدوم له . وأما المحرم بالعمرة فلا يتصور في حقه طواف قدوم ، بل إذا طاف للعمرة أجزأه عنهما ، ويتضمن القدوم كما تجزئ الصلاة المفروضة عن الفرض وتحية المسجد . قال أصحابنا : حتى لو طاف المعتمر بنية طواف القدوم وقع عن طواف العمرة ، كما لو كان عليه حجة الإسلام فأحرم بحجة تطوع فإنها تقع عن حجة الإسلام . وأما من أحرم بالحج مفردا أو قارنا ولم يدخل مكة إلا بعد الوقوف فليس في حقه طواف قدوم ، بل الطواف الذي يفعله بعد الوقوف طواف الإفاضة ، فلو نوى به طواف القدوم وقع عن طواف الإفاضة إن كان دخل وقته وهو نصف ليلة النحر ، كما قلنا في المعتمر إذا نوى طواف القدوم ، والله أعلم . قال أصحابنا : ويسن طواف القدوم لكل قادم إلى مكة ، سواء كان حاجا أو تاجرا أو زائرا أو غيرهم ممن دخل محرما بعمرة أو بحج بعد الوقوف كما سبق .



( فرع ) في صفة الطواف الكاملة [ ص: 17 ] وإذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود وهو في الركن الذي يلي باب البيت من جانب المشرق ، ويسمى الركن الأسود ، ويقال له وللركن اليماني : الركنان اليمانيان ، وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ثلاث أذرع إلا سبع أصابع ، ويستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه ويدنو منه ، بشرط أن لا يؤذي أحدا بالمزاحمة فيستلمه ، ثم يقبله من غير صوت يظهر في القبلة ويسجد عليه ، ويكرر التقبيل والسجود عليه ثلاثا ثم يبتدئ الطواف ويقطع التلبية في الطواف كما سبق بيانه في مسائل التلبية ، ويضطبع مع دخوله في الطواف ، فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس ، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن عند إبطه ويطرح طرفيه على منكبه الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفا . وصفة الطواف أن يحاذي جميعه جميع الحجر الأسود فيمر بجميع بدنه على جميع الحجر ، وذلك بأن يستقبل البيت ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني ، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ، ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ثم ينوي الطواف لله تعالى ثم يمشي مستقبل الحجر مارا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر ، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج ، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز لكنه فاتته الفضيلة ، ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفا حول البيت كله ، فيمر على الملتزم ، وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر الأسود والباب ، سمي بذلك لأن الناس يلزمونه عند الدعاء . ثم يمر إلى الركن الثاني بعد الأسود ، ثم يمر وراء الحجر ، بكسر الحاء وإسكان الجيم - وهو في صوب الشام والمغرب فيمشي حوله حتى ينتهي إلى الركن الثالث ، ويقال لهذا الركن مع الذي قبله الركنان الشاميان .

وربما قيل : المغربيان ، ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع ، المسمى بالركن اليماني ثم يمر منه إلى الحجر الأسود فيصل إلى الموضع الذي بدأ منه فيكمل له [ ص: 18 ] حينئذ طوفة واحدة ، ثم يطوف كذلك ثانية وثالثة حتى يكمل سبع طوفات ، فكل مرة من الحجر الأسود إليه طوفة ، والسبع طواف كامل . هذه صفة الطواف التي إذا اقتصر عليها صح طوافه ، وبقيت من صفاته المكملة أفعال وأقوال نذكرها بعد هذا إن شاء الله تعالى ، حيث ذكرها المصنف ( واعلم ) أن الطواف يشتمل على شروط وواجبات لا يصح بدونها ، وعلى سنن يصح بدونها ( فأما ) الشروط الواجبات فثمانية مختلف في بعضها .

( أحدها ) الطهارة عن الحدث وعن النجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في مشيها .

( الثاني ) كون الطواف داخل المسجد .

( الثالث ) إكمال سبع طوفات .

( الرابع ) الترتيب ، وهو أن يبدأ من الحجر الأسود وأن يمر على يساره .

( الخامس ) أن يكون جميع بدنه خارجا عن جميع البيت ، فهذه الخمسة واجبة بلا خلاف .

( السادس والسابع والثامن ) نية الطواف وصلاته وموالاته ، وفي الثلاثة خلاف ( الأصح ) أنها سنة ( والثاني ) واجبة .

وأما السنن فثمانية أيضا ( أحدها ) أن يكون ماشيا ( والثاني ) الاضطباع ( الثالث ) الرمل ( الرابع ) استلام الحجر الأسود وتقبيله ووضع الجبهة عليه ( الخامس ) المستحبة في الطواف وسنذكرها إن شاء الله تعالى ( السادس ) الموالاة بين الطوفات ( السابع ) صلاة الطواف ( الثامن ) أن يكون في طوافه خاشعا خاضعا متذللا . حاضر القلب ملازم الأدب بظاهره وباطنه ، وفي حركته ونظره وهيئته ، فهذا خلاصة القول في الطواف [ ص: 19 ] وبيان صفته وواجباته ومندوباته ، وسنوضحها إن شاء الله تعالى على ترتيب المصنف ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث