الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن شرط الطواف الطهارة لقوله صلى الله عليه وسلم { الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام } ومن شرطه ستر العورة ، لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه إلى مكة فنادى ألا لا يطوفن بالبيت مشرك ولا عريان } وهل يفتقر إلى النية ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) يفتقر إلى النية لأنها عبادة تفتقر إلى البيت فافتقرت إلى النية كركعتي المقام .

( والثاني ) لا يفتقر ; لأن نية الحج تأتي على ذلك كما تأتي على الوقوف ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما الحديث الأول فمروي من رواية ابن عباس مرفوعا بإسناد ضعيف ( والصحيح ) أنه موقوف على ابن عباس ، كذا ذكره البيهقي وغيره من الحفاظ ، ويغني عنه ما سنذكره من الأحاديث الصحيحة في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما حديث " بعث أبي بكر رضي الله عنه " فهو في صحيح البخاري ومسلم ، لكن غير المصنف لفظه ، وإنما لفظ روايتهما عن أبي هريرة { أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر ، أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان } هذا لفظ رواية البخاري ومسلم ، وينكر على المصنف قوله في هذا الحديث روي ، فأتى به بصيغة تمريض مع أنه في الصحيحين ، وقال في الحديث الأول لقوله صلى الله عليه وسلم . فأتى به بصيغة الجزم ، مع أنه حديث ضعيف ( والصواب ) العكس فيهما . [ ص: 20 ] وقوله " عبادة تفتقر إلى البيت " احتراز من الوقوف والسعي والرمي والحلق وأما قوله " فافتقرت إلى النية كركعتي المقام " فيوهم أن ركعتي الطواف تختصان بالمقام وتفتقران إلى فعلهما عند البيت ، ولا خلاف أنهما تصحان في غير مكة بين أقطار الأرض كما سنوضحه قريبا في موضعه إن شاء الله تعالى ، ولكن مراد المصنف بافتقارهما إلى البيت أنه لا تصح صلاتهما إلا إلى البيت حيث كان المصلى .

( أما الأحكام ) ففي الفصل ثلاث مسائل : ( إحداها ) يشترط لصحة الطواف الطهارة من الحدث والنجس ، في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في طوافه ، فإن كان محدثا أو مباشرا لنجاسة غير معفو عنها لم يصح طوافه . قالالرافعي : والمراد للأئمة تشبيه مكان الطواف بالطريق في حق المتنفل . وهو تشبيه لا بأس به . هذا كلامه .

( قلت ) والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه أو ثوبه ، أو مشى عليها عمدا أو سهوا لم يصح طوافه . ومما عمت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره ، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين المطلعين العفو عنها . وينبغي أن يقال : يعفى عما يشق الاحتراز عنه من ذلك ، كما عفي عن دم القمل والبراغيث والبق وونيم الذباب ، وهو روثه ، وكما عفي عن أثر استنجاء بالأحجار ، وكما عفي عن القليل من طين الشوارع الذي تيقنا نجاسته ، وكما عفي عن النجاسة التي لا يدركها الطرف في الماء والثوب على الأصح ونظائر ما ذكرته كثيرة مشهورة ، وقد سبق بيانها واضحة في مواضعها .

وقد سئل الشيخ أبو زيد المروزي عن مسألة من نحو هذا فقال بالعفو ، ثم قال : الأمر إذا ضاق اتسع ، كأنه يستمد من قول الله تعالى [ ص: 21 ] { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ولأن محل الطواف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها لم يزل على هذا الحال ، ولم يمتنع أحد من المطاف لذلك ، ولا ألزم النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد بعده ممن يقتدى به بتطهير الطواف عن ذلك ولا ألزموا إعادة الطواف بسبب ذلك . والله تعالى أعلم .

ومما تعم به البلوى في الطواف ملامسة النساء للزحمة ، فينبغي للرجل أن لا يزاحمهن وينبغي لهن أن لا يزاحمن ، بل يطفن من وراء الرجال ، فإن حصل لمس ، فقد سبق تفصيله في بابه ، والله أعلم



( المسألة الثانية ) ستر العورة شرط لصحة الطواف ، وقد سبق بيان عورة الرجل والمرأة في بابه ، فمتى انكشف جزء من عورة أحدهما بتفريطه بطل ما يأتي بعد ذلك من الطواف . وأما ما سبق منه فحكمه في البناء حكم من أحدث في أثناء طوافه ، وسنوضحه في آخر أحكام الطواف ، حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى ، والمذهب أنه يبني وإن انكشف بلا تفريط وستر في الحال لم يبطل طوافه كما لا تبطل صلاته .



( المسألة الثالثة في نية الطواف ) قال أصحابنا : إن كان الطواف في غير حج ولا عمرة لم يصح بغير نية بلا خلاف ، كسائر العبادات من الصلاة والصوم ونحوهما ، وإن كان في حج أو عمرة فينبغي أن ينوي الطواف ، فإن طاف بلا نية فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) صحته ، وبه قطع جماعة منهم إمام الحرمين ( والثاني ) بطلانه ، فإن قلنا بالصحة فهل يشترط أن لا يصرفه إلى غرض آخر من طلب غريم ونحوه ؟ فيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين ( أصحهما ) يشترط . قال إمام الحرمين : وربما كان شيخي يقطع به ، وبهذا قطع الدارمي ، فإن صرفه لم يصح طوافه ولا يعد طائفا .

( والثاني ) لا يشترط ، ولو صرفه صح طوافه ، كما لو كان عليه [ ص: 22 ] حجة الإسلام فنوى غيرها ، فإنه يقطع عنها ، فحصل في المسألة ثلاثة أوجه ( أحدها ) لا يصح طوافه لا بنية ( والثاني ) يصح بلا نية ولا يضر صرفه إلى غيره ( وأصحها ) يصح بلا نية ، بشرط أن لا يصرفه إلى غيره . ولو نام في الطواف أو بعضه على هيئة لا تنقض الوضوء قال إمام الحرمين : هذا يقرب من صرف النية إلى طلب الغريم ، قال : ونحوه أن يقطع بصحة الطواف لأنه لم يصرف الطواف إلى غير النسك ، فلا يضر كونه غير ذاكر . هذا كلام إمام الحرمين . ذكره في مسائل الوقوف بعرفات ( والأصح ) صحة طوافه في هذه الصورة ، والله أعلم . ولو كان المحرم بالحج معتقدا أنه محرم بعمرة ، أجزأه عن الحج كما لو طاف عن غيره وعليه طواف عن نفسه ، ذكره الروياني وغيره .

( فرع ) قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في أعمال يوم النحر في مسائل طواف الإفاضة : أفعال الحج كالوقوف بعرفات وبمزدلفة والطواف والسعي والرمي ، هل يفتقر كل فعل منها إلى نية ؟ فيه ثلاثة أوجه .

( أحدها ) لا يفتقر شيء منها إلى نية ; لأن نية الحج تشملها كلها ، كما أن نية الصلاة تشمل جميع أفعالها ، ولا يحتاج إلى النية في ركوع ولا غيره ، ولأنه لو وقف بعرفة ناسيا أجزأه بالإجماع .

( والوجه الثاني ) وهو قول أبي إسحاق المروزي لا يفتقر شيء منها إلى النية إلا الطواف لأنه صلاة ، والصلاة تفتقر إلى نية .

( والثالث ) وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ، ما كان منها مختصا بفعل كالطواف والسعي والرمي افتقر ، وما لا يختص وإنما هو لبث مجرد ، كالوقوف بعرفات وبمزدلفة والمبيت لا يفتقر ، هذا كلام القاضي ( والصحيح ) من هذه الأوجه هو الأول ، ولم يذكر الجمهور غيره ، إلا الوجه الضعيف في إيجاب نية الطواف ، والصحيح أيضا عنده ذكر الخلاف فيها أنها لا تجب كما سبق ، والله تعالى أعلم .

[ ص: 23 ] فرع ) قد ذكرنا أنه لا يصح الطواف إلا بطهارة ، سواء فيه جميع أنواع الطواف ، هكذا جزم به الشافعي والأصحاب في جميع الطرق ، ولا خلاف فيه إلا وجها ضعيفا باطلا حكاه إمام الحرمين وغيره عن أبي يعقوب الأبيوردي من أصحابنا أنه يصح طواف الوداع بلا طهارة ، وتجبر الطهارة بالدم ، قال الإمام : هذا غلط ; لأن الدم إنما وجب جبرا للطواف لا للطهارة .



( فرع ) ( في مذاهب العلماء في الطهارة في الطواف ) . قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط الطهارة عن الحدث والنجس ، وبه قال مالك ، وحكاه الماوردي عن جمهور العلماء . وحكاه ابن المنذر في طهارة الحدث عن عامة العلماء ، وانفرد أبو حنيفة فقال : الطهارة من الحدث والنجس ليست بشرط للطواف ، فلو طاف وعليه نجاسة أو محدثا أو جنبا صح طوافه ، واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهما على أنها ليست بشرط ، فمن أوجبها منهم قال : إن طاف محدثا لزمه شاة ، وإن طاف جنبا لزمه بدنة . قالوا : ويعيده ما دام بمكة . وعن أحمد روايتان ( إحداهما ) كمذهبنا ( والثانية ) إن أقام بمكة أعاده وإن رجع إلى بلده جبره بدم . وقال داود : الطهارة للطواف واجبة ، فإن طاف محدثا أجزأه إلا الحائض . وقال المنصوري من أصحاب داود : الطهارة شرط كمذهبنا واحتج أبو حنيفة وموافقوه بعموم قوله تعالى { وليطوفوا بالبيت } وهذا يتناول الطواف بلا طهارة قياسا على الوقوف وسائر أركان الحج .

واحتج أصحابنا بحديث عائشة { أن النبي صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت } رواه البخاري ومسلم ، وثبت في صحيح مسلم من رواية جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر حجته { لتأخذوا عني مناسككم } . [ ص: 24 ] قال أصحابنا : ففي الحديث دليلان ( أحدهما ) أن طوافه صلى الله عليه وسلم بيان للطواف المجمل في القرآن ( والثاني ) قوله صلى الله عليه وسلم { لتأخذوا عني مناسككم } يقتضي وجوب كل ما فعله ، إلا ما قام دليل على عدم وجوبه . وعن عائشة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها حين حاضت وهي محرمة { اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي } رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ ، وفيه تصريح باشتراط الطهارة ; لأنه صلى الله عليه وسلم نهاها عن الطواف حتى تغتسل ، والنهي يقتضي الفساد في العبادات .

( فإن قيل ) إنما نهاها لأن الحائض لا تدخل المسجد ( قلنا ) هذا فاسد لأنه صلى الله عليه وسلم قال " حتى تغتسلي " ولم يقل حتى ينقطع دمك . وبحديث ابن عباس السابق { الطواف بالبيت صلاة } وقد سبق أن الصحيح أنه موقوف على ابن عباس ، وتحصل منه الدلالة أيضا لأنه قول صحابي اشتهر ، ولم يخالفه أحد من الصحابة ، فكان حجة كما سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح ، وقول الصحابي حجة أيضا عند أبي حنيفة . وأجاب أصحابنا عن عموم الآية التي احتج بها أبو حنيفة بجوابين ( أحدهما ) أنها عامة فيجب تخصيصها بما ذكرناه ( والثاني ) أن الطواف بغير طهارة مكروه عند أبي حنيفة ، ولا يجوز حمل الآية على طواف مكروه ، لأن الله تعالى لا يأمر بالمكروه ( والجواب ) عن قياسهم على الوقوف وغيره أن الطهارة ليست واجبة في غير الطواف من أركان الحج فلم تكن شرطا ، بخلاف الطواف فإنهم سلموا وجوبها فيه على الراجح عندهم ، والله أعلم .



( فرع ) في مذاهبهم في النية في طواف الحج أو العمرة . قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنها لا تشترط ، وبه قال الثوري [ ص: 25 ] وأبو حنيفة . وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن القاسم المالكي وابن المنذر : لا يصح إلا بالنية ودليل المذهبين في الكتاب .



( فرع ) ستر العورة شرط لصحة الطواف عندنا وعند مالك وأحمد والجمهور . وقال أبو حنيفة : ليس بشرط . دليلنا الحديث الذي ذكره المصنف { لا يطوف بالبيت عريان } وهو في الصحيحين كما سبق . وعن ابن عباس قال " كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول :

اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله

فنزلت { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } رواه مسلم



( فرع ) في مذاهبهم في حكم طواف القدوم . قد ذكرنا أنه سنة عندنا ، لو تركه لم يأثم ولم يلزمه دم ، وبه قال أبو حنيفة وابن المنذر ، وقال أبو ثور عليه دم . وعن مالك رواية كمذهبنا ، ورواية أنه إن كان مضايقا للوقوف فلا دم في تركه وإلا فعليه دم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث