الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 704 ] خاتمة

فحوى اللفظ : ما أفاده لا من صيغته ، ويسمى إشارة ، وإيماء ، ولحنا ، وتتفاوت مراتبه ، وهو على أضرب :

الأول : المقتضى ، وهو المضمر الضروري لصدق المتكلم ، نحو : لا عمل إلا بنية أي : صحيح . أو لوجود الحكم شرعا ، نحو : أو على سفر فعدة أي : فأفطر ، و : أعتق عبدك عني ، في اقتضائه ملك القائل له . أو عقلا ، نحو : حرمت عليكم أمهاتكم في إضمار الوطء واسأل القرية في إضمار الأهل .

الثاني : تعليل الحكم بما اقترن به الوصف المناسب ، نحو : والسارق والسارقة فاقطعوا ، و : الزانية والزاني فاجلدوا أي : للسرقة ، والزنا ، إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ، أي : للبر والفجور ، لميل العقلاء إلى : أكرم العلماء وأهن الجهال ، ونفورهم من عكسه .

التالي السابق


خاتمة : فحوى اللفظ : ما أفاده لا من صيغته " .

اعلم أن الدليل الشرعي ; إما منقول ، وإما معقول ، أو ثابت بالمنقول والمعقول .

فالمعقول : الكتاب والسنة ; ودلالتهما : إما من منطوق اللفظ ، أو من غير منطوق اللفظ .

[ ص: 705 ] فالأول يسمى منطوقا ، كفهم وجوب الزكاة في السائمة ، في قوله عليه الصلاة والسلام : في سائمة الغنم الزكاة ، وكفهم تحريم التأفيف ، في قوله سبحانه وتعالى : فلا تقل لهما أف [ الإسراء : 23 ] .

والثاني يسمى فحوى ومفهوما ، كفهم عدم وجوب الزكاة في المعلوفة من الحديث ، وتحريم الضرب من الآية ، وهذه الخاتمة مذكورة لبيان ذلك .

والمعقول : القياس ; لأنه يستفاد بواسطة النظر العقلي .

والثابت بالمنقول والمعقول وليس واحدا منهما ، هو الإجماع ، كما سنذكر إن شاء الله تعالى في إثباته .

وقولنا : هذا الإجماع منقول تواترا أو آحادا مجاز ; لأن حقيقة الإجماع الاتفاق ، وهو لا ينقل ، إنما المنقول هو الإخبار بوجوده ، بخلاف النصوص ، فإن نفسها هي المنقول ، والقياس نفسه هو المعقول . إذا عرفت هذا ، عدنا إلى حل لفظ الكتاب .

فقوله : " فحوى اللفظ " هو : " ما أفاده " . جنس ، يتناول ما أفاده نطقا وغيره .

وبقوله : " لا من صيغته " يخرج المنطوق ; لأنه مستفاد من الصيغة ، كما [ ص: 706 ] ذكر في حديث السائمة ، وآية التأفيف ; فبقي ما يستفاد لا من الصيغة ، وهو المسمى فحوى - بالحاء المهملة - وبعض من لا يعلم يقولها بالجيم ، وهو تصحيف قبيح ، والفحوى في اللغة : معنى القول . قال الجوهري : فحوى القول معناه ولحنه ، يقال : عرفت ذلك في فحوى كلامه وفحواء كلامه مقصورا وممدودا ، وإنه ليفحي بكلامه إلى كذا وكذا - قلت أنا : معناه : يشير - قال : والفحا - مقصور - : أبزار القدر بكسر الفاء ، والفتح أكثر ، والجمع أفحاء ، وفي الحديث : من أكل فحا أرض ، لم يضره ماؤها يعني البصل ، يقال : فح قدرك تفحية .

قلت : هذا الذي ذكره الجوهري في هذه المادة ، وذكر غيره أن الفحوى مأخوذ من الفحا ; لأن فحوى الكلام تجاوز لفظه أو موضوعه إلى الذهن ، مجاوزة رائحة الفحا إلى الشم .

[ ص: 707 ] قوله : " ويسمى إشارة ، وإيماء ، ولحنا " ، يعني فحوى الكلام المستفاد لا من صيغته : يسمى بكل واحد من هذه الأسماء ، ولك الخيرة في تسميته بأيها شئت .

قلت : وهذا صحيح ; لأن هذه المعاني كلها يجمعها إفهام المراد من غير تصريح ، والفحوى قد سبق الكلام فيه ، والإشارة : إيماء . قال الجوهري : أشار إليه باليد : أومأ إليه . وقال في موضع آخر : أومأ إليه : أشار .

قلت : غير أنه يشبه أن الإيماء أعم من الإشارة ، بأن تكون الإشارة مختصة باليد ، والإيماء إشارة باليد وغيرها ; فكل إشارة إيماء ، وليس كل إيماء إشارة .

قال الجوهري : واللحن - بالتحريك - الفطنة ، وفي الحديث : ولعل أحدكم ألحن بحجته ، أي : أفطن لها .

وقال أبو زيد : لحنت له - بالفتح - ألحن لحنا ، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ، ويخفى على غيره ، ولحنه هو عني - بالكسر - يلحنه لحنا ، أي : فهمه ، وألحنته إياه . ولاحنت الناس : فاطنتهم .

[ ص: 708 ] قال مالك بن أسماء الفزاري :


وحديث ألذه هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنا     منطق رائع وتلحن أحيا
نا ، وخير الحديث ما كان لحنا

يريد : أنها تتكلم بشيء ، وهي تريد غيره ، وتعرض في حديثها ; فتزيله عن جهته ، من فطنتها وذكائها . كما قال تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول [ محمد : 30 ] ، أي : في فحواه ومعناه . آخر كلام الجوهري .

قلت : فقد تبين اتفاق معاني هذه الألفاظ .

وذكر الآمدي تقسيما يقتضي الفرق بين بعضها ; فقال : وأما دلالة غير المنظوم ، وهو ما دلالته غير صريحة ; فلا يخلو ; إما أن يكون مدلوله [ ص: 709 ] مقصودا للمتكلم ، أو لا .

فإن كان مقصودا ، فإن توقف صدق المتكلم ، أو صحة الملفوظ به عليه ; فهي دلالة الاقتضاء ، وإن لم يتوقف ، فإن كان مفهوما في محل النطق ; فهي دلالة التنبيه والإيماء ، وإلا ; فدلالة المفهوم .

وإن لم يكن مدلوله مقصودا للمتكلم ; فهي دلالة الإشارة .

قلت : فقد فرق بين الإيماء والإشارة ، والأمر قريب ; لأن غالب هذه المسميات يجمعها ما ذكرناه أولا ، من أنها مفهومة من غير التصريح ; فهي من باب دلالة الالتزام .

قوله : " وتتفاوت مراتبه " ، أي : مراتب اللحن ، وفحوى الخطاب ; لأنا قد بينا أنه إفهام الشيء من غير تصريح ، وإفهام الشيء من غير تصريح ، قد يكون بعضه أدل من بعض ، وألزم لمدلول الصريح من بعض .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث