الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( والأفضل أن يطوف راجلا لأنه إذا طاف راكبا زاحم الناس وآذاهم ، وإن كان به مرض يشق معه الطواف راجلا لم يكره الطواف راكبا ، لما [ ص: 37 ] روت أم سلمة [ رضي الله عنها ] أنها قدمت مريضة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم { طوفي وراء الناس وأنت راكبة } وإن كان راكبا من غير عذر جاز ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أم سلمة رواه البخاري ومسلم ، وحديث جابر رواه مسلم ، وثبت طواف النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أيضا من رواية ابن عباس وثبت أيضا من رواية غير هؤلاء . ولفظ حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم { طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن } رواه البخاري ومسلم . وفي حديث { طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه لأن يراه الناس ، وليشرف فيسألوه ، فإن الناس غشوه } رواه مسلم . وعن عائشة قالت { طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حول الكعبة على بعير ، يستلم الركن كراهة أن يضرب عنه الناس } رواه مسلم . ( أما الأحكام ) فقال أصحابنا : الأفضل أن يطوف ماشيا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه ، أو كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى بفعله . فإن طاف راكبا بلا عذر جاز بلا كراهة لكنه خالف الأولى . كذا قاله جمهور أصحابنا ، وكذا نقله الرافعي عن الأصحاب . وقال إمام الحرمين : في القلب من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد شيء ، فإن أمكن الاستيثاق فذلك ، وإلا فإدخالها المسجد مكروه . هذا كلام الرافعي ، وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبا من غير عذر ، منهم البندنيجي والماوردي في الحاوي والقاضي أبو الطيب والعبدري والمشهور الأول قال البندنيجي وغيره : والمرأة والرجل في الركوب سواء فيما ذكرناه . قال الماوردي : وحكم طواف المحمول على أكتاف الرجال كالراكب فيما ذكرناه ، قال : وإذا كان معذورا فطوافه [ ص: 38 ] محمولا أولى منه راكبا صيانة للمسجد من الدابة ، قال وركوب الإبل أيسر من ركوب البغال والحمير .

( فرع ) قد ذكرنا مذهبنا في طواف الراكب ، ونقل الماوردي إجماع العلماء على أن طواف الماشي أولى من طواف الراكب ، فلو طاف راكبا لعذر أو غيره صح طوافه ولا دم عليه عندنا في الحالين . وهذا هو الصحيح من مذهب أحمد . وبه قال داود وابن المنذر . وقال مالك وأبو حنيفة : إن طاف راكبا لعذر أجزأه ولا شيء عليه ، وإن طاف راكبا لغير عذر فعليه دم . قال أبو حنيفة : وإن كان بمكة أعاد الطواف واحتجا بأنها عبادة تتعلق بالبيت فلا يجزئ فعلها على الراحلة كالصلاة . واحتج أصحابنا بالأحاديث السابقة ، قالوا : إنما { طاف النبي صلى الله عليه وسلم راكبا لشكوى عرضت له } ، كذا رواه أبو داود في سننه بإسناده عن ابن عباس .

( والجواب ) أن الأحاديث الصحيحة الثابتة من رواية جابر وعائشة مصرحة بأن طوافه صلى الله عليه وسلم راكبا لم يكن لمرض ، بل كان ليراه الناس ويسألوه ولا يزاحموا عليه كما سبق ذكره . وأما حديث ابن عباس هذا فضعيف لأنه من رواية يزيد بن أبي زياد ، وهو ضعيف . قال البيهقي : وهذه الرواية تفرد بها يزيد هذا ( أما ) قياسهم على الصلاة ففاسد ; لأن الصلاة لا تصح راكبا إذا كانت فريضة ، وقد سلموا صحة الطواف ، ولكن ادعوا وجوب الدم ، ولا دليل لهم في ذلك . والله أعلم .



( فرع ) لو طاف زحفا مع قدرته على المشي فطوافه صحيح لكن يكره ، وممن صرح بصحته القاضي أبو الطيب في تعليقه في أثناء دلائل مسألة طواف الراكب فقال : طوافه زحفا كطوافه ماشيا منتصبا ، لا فرق بينهما .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث