الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويبتدئ الطواف من الحجر الأسود ، والمستحب أن يستقبل الحجر الأسود ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { استقبله ووضع شفتيه عليه } فإن لم يستقبله جاز لأنه جزء من البيت ، [ ص: 41 ] فلا يجب استقباله كسائر أجزاء البيت ، ويحاذيه ببدنه لا يجزئه غيره ، وهل تجزئه المحاذاة ببعض البدن ؟ فيه قولان : قال في القديم : تجزئه محاذاته ببعضه ، لأنه لما جاز محاذاة بعض الحجر جازت محاذاته ببعض البدن . وقال في الجديد : يجب أن يحاذيه بجميع البدن ; لأن ما وجب فيه محاذاة البيت وجبت محاذاته بجميع البدن كالاستقبال في الصلاة .

ويستحب أن يستلم الحجر لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة يستلم الركن الأسود أول ما يطوف } ويستحب أن يستفتح الاستلام بالتكبير ; لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يطوف على راحلته كلما أتى على الركن أشار بشيء في يده وكبر وقبله } ويستحب أن يقبله لما روى ابن عمر { أن عمر رضي الله عنه قبل الحجر ثم قال : والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك } فإن لم يمكنه أن يستلم أو يقبل من الزحام أشار إليه بيده ، لما روى أبو مالك سعد بن طارق عن أبيه قال { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف حول البيت فإذا ازدحم الناس على الطواف استلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحجن في يده } ولا يشير إلى القبلة بالفم ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك .

ويستحب أن يقول عند الاستلام وابتداء الطواف : بسم الله والله أكبر ، اللهم إيمانا بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم لما روى جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم استلم الركن الذي فيه الحجر وكبر ثم قال : اللهم وفاء بعهدك وتصديقا بكتابك } وعن علي - كرم الله وجهه - أنه كان يقول إذا استلم الركن " اللهم إيمانا بك . وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك ، واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم " وعن ابن عمر رضي الله عنهما مثله . ثم يطوف فيجعل البيت على يساره ويطوف على يمينه ، لما روى جابر " { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ في الطواف أخذ عن يمينه } " فإن طاف عن يساره لم يجزه ، لأنه صلى الله عليه وسلم " { طاف على يمينه وقال : خذوا عني مناسككم } ولأنه عبادة تتعلق بالبيت فاستحق فيها الترتيب كالصلاة ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما حديث ابن عمر قال { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة يستلم الركن الأسود ، أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع } ، فرواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ ، وروى البخاري ومسلم استلام النبي صلى الله عليه وسلم الحجر في طوافه عن جماعة من [ ص: 42 ] الصحابة مع ابن عمر . وأما حديث ابن عباس فرواه البخاري في صحيحه ، ولفظه عن ابن عباس قال { طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء عنده وكبر } . وأما حديث ابن عمر { أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر وقال : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك } فرواه البخاري ومسلم ، وهذا لفظ البخاري ، وفي رواية لمسلم عن ابن عمر قال { قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحجر ثم قال : أما والله لقد علمت أنك حجر ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك } وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن سرجس الصحابي قال { رأيت الأصلع يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل الحجر ويقول : والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك } . وفي رواية للبخاري ومسلم عن عابس - بالباء الموحدة - ابن ربيعة التابعي قال : { رأيت عمر يقبل الحجر ويقول : إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لم أقبلك } وفي رواية لمسلم عن سويد بن غفلة - بفتح الغين المعجمة والفاء - قال { رأيت عمر قبل الحجر والتزمه وقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا } " وإنما قال عمر رضي الله عنه : إنك حجر وإنك لا تضر ولا تنفع ليسمع الناس هذا الكلام ويشيع بينهم ، وقد كان عهد كثير منهم قريبا بعبادة الأحجار وتعظيمها واعتقاد ضرها ونفعها ، فخاف أن يغتر بعضهم بذلك فقال ما قال ، والله أعلم .

وأما حديث سعد بن طارق عن أبيه فغريب فيغني في الدلالة لما ذكره المصنف حديث ابن عباس الذي سبق الآن من رواية البخاري . وأما [ ص: 43 ] حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ، ثم مشى على يمينه ، فرمل ثلاثا ومشى أربعا } فرواه مسلم بهذا اللفظ . وأما حديث { خذوا عني مناسككم } فرواه مسلم من رواية جابر ، وسبق بيانه قريبا في مسألة الطواف سبعا . والله أعلم .

وأما الأثر المذكور عن علي رضي الله عنه فرواه البيهقي بإسناد ضعيف من رواية الحارث الأعور ، وكان كذابا .

وأما استحباب : باسم الله والله أكبر فاستدل له البيهقي بما رواه الإمام أحمد والبيهقي بالإسناد الصحيح عن نافع قال { كان ابن عمر يدخل مكة ضحى فيأتي البيت فيستلم الحجر ويقول : باسم الله والله أكبر } والله تعالى أعلم . ( وأما ألفاظ الفصل ) ففيه الاستلام ، بكسر التاء ، قال الهروي : قال الأزهري " هو افتعال من السلام وهو التحية ، كما يقال : اقترأت السلام ، قال : ولذلك يسمي أهل اليمن الركن الأسود ، المحيا : معناه أن الناس يحيونه . قال الهروي : وقال ابن قتيبة : هو افتعال من السلام - بكسر السين - وهي الحجارة واحدتها سلمة بكسر اللام . تقول استلمت الحجر إذا لمسته كما تقول : اكتحلت من الكحل ، هذا كلام الهروي . وقال الجوهري : استلم الحجر بالقبلة أو باليد ، قال ولا يهمز لأنه مأخوذ من السلام وهي الحجارة ، قال : وهمزه بعضهم . وقال صاحب المحكم : استلم الحجر واستلامه بالهمز أي قبله أو اعتنقه قال : وليس أصله الهمز . وأما قول الغزالي في الوسيط : الاستلام هو أن يقبل الحجر في أول الطواف وفي آخره ، بل في كل نوبة ، فإن عجز بالزحمة مسه باليد ، فقد [ ص: 44 ] أنكروه عليه ، وغلطوه في تفسيره الاستلام بالتقبيل ; لأن الاستلام هو اللمس باليد والتقبيل سنة أخرى مستحبة ، وقد يتأول كلام الغزالي ويستمر تصحيحه ، مما نقله عن الجوهري وصاحب المحكم . قوله " استلمه بمحجن " فهو بميم مكسورة ثم حاء مهملة ساكنة ثم جيم مفتوحة ثم نون وهي عصا معقفة الرأس كالصولجان وجمعه محاجن . قوله " إيمانا بك " أي أفعل هذا للإيمان بك . قوله " على يساره " بفتح الياء وكسرها لغتان مشهورتان ( أفصحهما ) عند الجمهور الفتح ، وعكسه ابن دريد . قوله " عبادة تتعلق بالبيت فاستحق فيها الترتيب " احتراز من تفرقة الزكاة وقضاء الصوم .

( أما الأحكام ) ففي الفصل مسائل ( إحداها ) يجب ابتداء الطواف من الحجر الأسود للأحاديث الصحيحة ، فإن ابتدأ من غيره لم يعتد بما فعله ، حتى يصل الحجر الأسود ، فإذا وصله كان ذلك أول طوافه . وهذا لا خلاف فيه عندنا .

( الثانية ) يستحب أن يستقبل الحجر الأسود في أول طوافه بوجهه ويدنو منه ، بشرط أن لا يؤذي أحدا ، وإذا أراد هذا الاستقبال فطريقه أن يقف على جانب الحجر الأسود من جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ، ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ، ثم ينوي الطواف ، ثم يمشي مستقبل الحجر الأسود مارا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر فإذا جاوزه ترك الاستقبال وانفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج ، ولو فعل هذا من أول أمره وترك الاستقبال جاز لما ذكره المصنف .



( الثالثة ) ينبغي له أن يحاذي بجميع بدنه جميع الحجر الأسود ، فطريقه ما سبق بيانه الآن في المسألة الثانية ، وهو أن يقف قبل الحجر الأسود من جهة الركن اليماني ، ثم يمر تلقاء وجهه طائفا حول البيت ، فيمر جميعه بجميع الحجر ولا يقدم جزءا من بدنه على جزء من الحجر ، [ ص: 45 ] فلو حاذاه ببعض بدنه وكان بعضه مجاوزا إلى جهة باب الكعبة ، ففي صحته قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما وكذا ذكرهما الأصحاب قولين إلا إمام الحرمين الغزالي فحكوهما وجهين .

والصواب قولان ( الجديد ) لا يجزئه ، وهو الأصح ( والقديم ) يجزئه ، ولو حاذى بجميع البدن بعض الحجر - إن أمكن ذلك - صح طوافه بلا خلاف . صرح به جميع أصحابنا العراقيين ومن تابعهم من الخراسانيين ، قالوا : كما يجزئه أن يستقبل في الصلاة بجميع بدنه بعض الكعبة ، وهذا معنى قول المصنف لأنه لما جاز محاذاة بعض الحجر جازت محاذاته ببعض البدن ، أي لما جازت محاذاة بعض الحجر بجميع البدن بلا خلاف ينبغي أن يجوز محاذاة كل الحجر ببعض البدن ، وذكر صاحب العدة وغيره في المسألتين قولين ( والمذهب ) ما سبق والله أعلم .



( الرابعة ) ينبغي له في طوافه أن يجعل البيت على يساره ، ويمينه إلى خارج ويدور حول الكعبة كذلك ، فلو خالف فجعل البيت عن يمينه ، ومر من الحجر الأسود إلى الركن اليماني لم يصح طوافه بلا خلاف عندنا ، ولو لم يجعل البيت على يمينه ولا يساره ، بل استقبله بوجهه معترضا وطاف كذلك ، أو جعل البيت على يمينه ومشى قهقرى إلى جهة الباب ، ففي صحة طوافه وجهان حكاهما الرافعي ، قال الرافعي ( أصحهما ) لا يصح ، قال : وهو الموافق لعبارة الأكثرين ، وجزم البغوي والمتولي في صورة من جعل البيت عن يمينه ومشى قهقرى بأنه يصح ، لكن يكره ( والأصح ) البطلان كما سبق . قال الرافعي : وكان القياس جريان هذا الخلاف فيما لو مر معترضا مستدبرا هذا كلامه ( والصواب ) في هذه الصورة القطع بأنه لا يصح ، فإنه منابذ لما ورد الشرع به ، والله أعلم .



( الخامسة ) يستحب استلام الحجر بيده في أول الطواف وتقبيل الحجر ، ودليلهما في الكتاب . قال الشافعي والأصحاب : ويستحب السجود عليه أيضا مع الاستلام والتقبيل بأن يضع الجبهة عليه . قال أصحابنا : [ ص: 46 ] ويستحب أن يكرر السجود عليه ثلاثا ، فإن عجز عن الثلاث فعل الممكن . وممن صرح بذلك البندنيجي وصاحب العدة والبيان . واحتج له البيهقي بما رواه بإسناده عن ابن عباس { أنه قبله وسجد عليه وقال : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبله وسجد عليه ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هكذا ففعلت } . وروى الشافعي والبيهقي بإسنادهما الصحيح عن أبي جعفر قال " رأيت ابن عباس جاء يوم التروية ملبدا رأسه فقبل الركن ثم سجد عليه ، ثم قبله ثم سجد عليه ثلاث مرات " وروى البيهقي عن ابن عباس قال . { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الحجر } قال المصنف والأصحاب : ويستحب أن لا يشير إلى القبلة بالفم إذا تعذرت ، ويستحب أن يخفف القبلة بحيث لا يظهر لها صوت .



( فرع ) إذا منعته الزحمة ونحوها من التقبيل والسجود عليه ، وأمكنه الاستلام استلم ، فإن لم يمكنه أشار باليد إلى الاستلام ، ولا يشير بالفم إلى التقبيل لما ذكره المصنف ، ثم يقبل اليد بعد الاستلام إذا اقتصر عليه لزحمة ونحوها ، هكذا قطع به الأصحاب . وذكر إمام الحرمين أنه يتخير بين أن يستلم ثم يقبل اليد ، وبين أن يقبل اليد ثم يستلم بها ، والمذهب القطع باستحباب تقديم الاستلام ثم يقبلها ، فإن لم يتمكن من الاستلام باليد استحب أن يستلم بعصا ونحوها ، للأحاديث السابقة ، اتفق عليه أصحابنا ، فإن لم يتمكن من ذلك أشار بيده ، أو بشيء في يده إلى الاستلام ثم قبل ما أشار به . ومما يستدل به لما ذكرته في هذا الفرع مع ما سبق من الأدلة قوله صلى الله عليه وسلم { وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة .

وعن نافع قال { رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال : ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 47 ] يفعله } رواه مسلم في صحيحه ، وهذا محمول على تعذر تقبيل الحجر ، وقد سبقت الأحاديث في استلام النبي صلى الله عليه وسلم الحجر بالمحجن .



( فرع ) قال أصحابنا : لا يستحب للنساء تقبيل الحجر ولا استلامه إلا عند خلو المطاف في الليل أو غيره لما فيه من ضررهن وضرر الرجال بهن .



( فرع ) للكعبة الكريمة أربعة أركان : الركن الأسود ، ثم الركنان الشاميان ثم الركن اليماني ، ويقال للأسود واليماني : اليمانيان - بتخفيف الياء - ويجوز تشديدها على لغة قليلة ، فالأسود واليماني مبنيان على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم والشاميان ليسا على قواعده ، بل مغيران ; لأن الحجر يليهما ، وكله أو بعضه من البيت كما سبق وللركن الأسود فضيلتان : كون الحجر الأسود فيه ، وكونه على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم وللركن اليماني فضيلة واحدة ، وهي كونه على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم وليس للشاميين شيء من الفضيلتين ، فإذا عرفت هذا فالسنة في الحجر الأسود استلامه وتقبيله ، والسنة في الركن اليماني استلامه ولا يقبل ، والسنة لا يقبل الشاميان ولا يستلمان ، فخص الأسود بالتقبيل مع الاستلام ; لأن فيه فضيلتين ، واليماني بالاستلام لأن فيه فضيلة واحدة ، وانتفت الفضيلتان في الشاميين . واستدل أصحابنا لما ذكرته بحديث ابن عمر قال { ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحجر الأسود منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما في شدة ولا رخاء } رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني } رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم ، ولفظ [ ص: 48 ] البخاري قال { لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين } رواه مسلم وعن ابن عمر أنه حين بلغه حديث عائشة السابق { لولا أن قومك حديثو عهد بكفر } الحديث ، قال ابن عمر : لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم } رواه البخاري ومسلم وأما حديث أبي الشعثاء قال كان معاوية يستلم الأركان ، فقال له ابن عباس : إنه لا يستلم هذا الركنان فقال : ليس شيء من البيت مهجورا ، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن " رواه البخاري في صحيحه ، فهذا مذهب معاوية وابن الزبير لم يروياه عن النبي صلى الله عليه وسلم بل أخذاه باجتهادهما ، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة . وقد خالفهما فيه ابن عمر وابن عباس وجمهور الصحابة ، فالصواب أنه لا يسن استلام الركنين الشاميين وأما قول معاوية " { ليس شيء من البيت مهجورا } فقد أجاب عنه الشافعي فقال : لم يدع أحد أن عدم استلامهما هجر للبيت ، لكنه استلم ما استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسك ما أمسك عنه .

( فرع ) قد ذكرنا أنه يستحب استلام اليماني دون تقبيله ، قال الشافعي والأصحاب : فإذا استلمه استحب أن يقبل يده بعد استلامه . وقال إمام الحرمين والمتولي : إن شاء قبلها قبل الاستلام ، وإن شاء بعده ، ولا فضيلة في تقديم الاستلام . وذكر الفوراني وجهين ، وحكاهما أيضا عن صاحب البيان ( أحدهما ) يقبل يده ويستلمه كأنه ينقل القبلة إليه ( والثاني ) يستلمه ثم يقبل يده كأنه ينقل بركته إلى نفسه ( والمذهب ) استحباب تقديم الاستلام . وجاء في هذه المسألة حديثان ضعيفان ( أحدهما ) يوافق المذهب والآخر يخالفه ، فالموافق عن جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم استلم الحجر فقبله ، واستلم الركن اليماني فقبل يده } رواه البيهقي وضعفه . والمخالف عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن مجاهد عن ابن عباس . [ ص: 49 ] قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله ووضع خده الأيمن عليه } رواه البيهقي وقال : هذا حديث لا يثبت مثله . قال : تفرد به عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف ، قال : والأخبار عن ابن عباس في تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه قال إلا أن يكون أراد بالركن اليماني الحجر الأسود فإنه أيضا يسمى بذلك فيكون موافقا لغيره ، والله أعلم .



( فرع ) قال القاضي أبو الطيب : يستحب أن يجمع في الاستلام والتقبيل بين الحجر الأسود والركن الذي هو فيه وظاهر كلام جمهور الأصحاب أنه يقتصر على الحجر .

( فرع ) قال الشافعي والمصنف والأصحاب : يستحب استلام الحجر الأسود وتقبيله ، واستلام الركن اليماني وتقبيل اليد بعده ، عند محاذاتهما في كل طوفة من السبع ، وهو في الأوتار آكد لأنها أفضل .



( فرع ) قال الشافعي والمصنف والأصحاب : يستحب أن يقول عند استلام الحجر الأسود أولا ، وعند ابتدائه بالمشي في الطواف أيضا : باسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ويأتي بهذا الذكر أيضا عند محاذاة الحجر الأسود في كل طوفة ، وهو في الأول آكد . قال الشافعي : ويقول الله أكبر ولا إله إلا الله ، قال وما ذكر الله تعالى به وما صلى على النبي به صلى الله عليه وسلم فحسن .



( فرع ) في فضيلة الحجر الأسود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { نزل الحجر الأسود من الجنة ، وهو أشد بياضا من اللبن ، فسودته [ ص: 50 ] خطايا بني آدم } رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب } رواه الترمذي وغيره ، ورواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم . وفي رواية { الركن والمقام من ياقوت الجنة ، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاء ما بين المشرق والمغرب ، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي } وإسنادها صحيح وفي رواية { لولا ما مسه من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي ، وما على الأرض شيء من الجنة غيره } إسنادها صحيح . وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليبعثن الله الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق } رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم . قال هكذا رواه جماعة ، ورواه بعضهم { لمن استلمه بحق } وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع فإنه خرج من الجنة ، وإنه لا ينبغي لشيء يخرج من الجنة إلا رجع إليها قبل يوم القيامة } فرواه أبو القاسم الطبراني . ( فرع ) قد ذكرناه في آخر باب محظورات الإحرام أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات ، وقيل سبعا ، وفصلناهن ، وذكرنا أن الشافعي رضي الله عنه قال : أحب أن لا تهدم الكعبة وتبنى لئلا تذهب حرمتها ، وذكرنا هناك جملا من الأحكام المتعلقة بالحرم ، وبالله التوفيق .



( فرع ) قال الدارمي : لو محي الحجر الأسود - والعياذ بالله - من موضعه استلم الركن الذي كان فيه وقبله وسجد عليه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث