الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وإذا فرغ من الطواف صلى ركعتي الطواف وهل يجب ذلك أم لا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإذا فرغ من الطواف صلى ركعتي الطواف وهل يجب ذلك [ أم لا ] ؟ فيه قولان ( أحدهما ) أنها واجبة لقوله عز وجل { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } والأمر يقتضي الوجوب ( والثاني ) لا يجب ، لأنها صلاة زائدة على الصلوات الخمس فلم تجب بالشرع على الأعيان كسائر النوافل . والمستحب أن يصليهما عند المقام لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين } فإن صلاهما في مكان آخر جاز لما روي أن عمر رضي الله عنه " طاف بعد الصبح ، ولم ير أن الشمس قد طلعت فركب ، فلما أتى ذا طوى أناخ راحلته وصلى ركعتين ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما " يطوف بالبيت ويصلي ركعتين في البيت " والمستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة " قل يا أيها الكافرون " وفي الثانية " قل هو الله أحد " لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم { قرأ في ركعتي الطواف { قل هو الله أحد } ، و { قل يا أيها الكافرون } } ثم يعود إلى الركن فيستلمه ويخرج من باب الصفا لما روى جابر بن عبد الله { أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعا وصلى ركعتين ثم رجع إلى الحجر فاستلمه ، ثم خرج من باب الصفا } ) .

التالي السابق


( الشرح ) أحاديث جابر الثلاثة رواها مسلم في صحيحه بمعناه ، وهي [ ص: 68 ] كلها بعض من حديثه الطويل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لفظه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال " دخلنا على جابر فقال جابر : { خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفر إلى مقام إبراهيم فقرأ { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول ، ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يقرأ في الركعتين { قل هو الله أحد } . و { قل يا أيها الكافرون } ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا } هذا لفظ رواية مسلم . وفي رواية للبيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { فلما طاف النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى المقام وقال { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فصلى ركعتين } وإسناد هذه الرواية على شرط مسلم . وقد ثبت أيضا في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر قال { قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا ثم صلى خلف المقام ركعتين وطاف بين الصفا والمروة } وفي رواية { ثم خرج إلى الصفا } وفي رواية للبيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما : { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } } قال البيهقي : كذا وجدته ، وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط مسلم . وأما حديث عمر رضي الله عنه وصلاته بذي طوى فصحيح ، رواه مالك في الموطأ بإسناد على شرط البخاري ومسلم ، بلفظه الذي في المهذب ، وذكر البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه تعليقا أنه صلى ركعتي الطواف خارج الحرم فقال فصلى عمر خارجا من الحرم . [ ص: 69 ] واستدل البخاري أيضا في المسألة بما رواه في صحيحه بإسناده عن أم سلمة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها حين أراد الخروج من مكة إلى المدينة إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ، ففعلت ذلك ، فلم تصل حتى خرجت } والله أعلم .

وأما ألفاظ الفصل فقوله تعالى { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } قرئ في السبع بوجهين - فتح الخاء وكسرها - على الخبر وعلى الأمر .

( فإن قيل ) كيف يصح استدلال المصنف بهذه الآية ؟ مع أن الذي فيها إنما هو الأمر بالصلاة ولا يلزم أن تكون صلاة الطواف ( فالجواب ) أن غير صلاة الطواف لا يجب عند المقام بالإجماع فتعينت هي ( فإن قيل ) فأنتم لا تشترطون وقوعها خلف المقام ، بل تجوز في جميع الأرض ( قلنا ) معنى الآية الأمر بصلاة هناك ، وقامت الدلائل السابقة على أنها يجوز فعلها في غير المقام ، والله أعلم .

[ ص: 70 - 71 ] وقوله " فلم تجب بالشرع " احتراز من النذر . وقوله " على الأعيان " احتراز من صلاة الجنازة فإنها فرض كفاية وينكر على المصنف قوله : روي عن عمر بصيغة تمريض ، مع أنه حديث صحيح كما سبق ، وقد سبق التنبيه على أمثال هذا مرات . وفي فعل عمر هذا دليل على أنه يرى كراهة ركعتي الطواف في أوقات النهي . ومذهبنا أنه لا كراهة فيها ، وقد سبقت المسألة في بابها ، وسأعيد بعضها هنا إن شاء الله تعالى في مسائل مذاهب العلماء . وقوله " ثم يعود إلى الركن فيستلمه " المراد به الركن الأسود ، وهو الذي فيه الحجر الأسود .

( أما الأحكام ) فأجمع المسلمون على أنه ينبغي لمن طاف أن يصلي بعده [ ص: 72 ] ركعتين عند المقام ، لما سبق من الأدلة ، وهل هما واجبتان أم سنتان ؟ فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أحدهما ) باتفاق الأصحاب سنة .

( والثاني ) واجبتان . ثم الجمهور أطلقوا القولين ولم يذكروا أين نص الشافعي عليهما ، مع اتفاقهم على أن الأصح كونهما سنة . وقال أبو علي البندنيجي في جامعه : نص في الجديد أنهما سنة . قال : وظاهر كلامه في القديم أنهما واجبتان . وشذ الماوردي عن الأصحاب فقال : علق الشافعي القول في هاتين الركعتين فخرجهما أصحابنا على وجهين ( أحدهما ) واجبتان ( والثاني ) سنتان ، وكذا حكاهماالدارمي وجهين . والصواب أنهما قولان منصوصان . هذا إذا كان الطواف فرضا ، فإن كان نفلا كطواف القدوم وغيره ، فطريقان مشهوران في كتب الخراسانيين حكاهما القاضي حسين وإمام الحرمين والبغوي والمتولي وآخرون منهم ، وصاحب البيان وغيره من العراقيين ( أصحهما ) عند القاضي والإمام وغيرهما من الخراسانيين القطع بأنهما سنة ( والثاني ) أن فيهما القولين ، وهذا ظاهر كلام جمهور العراقيين ، وصححه صاحب البيان ونقله القاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهما عن ابن الحداد وغلطوه فيه .

قال إمام الحرمين : إذا كان الطواف نفلا فالأصح أنه لا يجب بعده الركعتان قال : ونقل الأصحاب عن ابن الحداد أنه أوجبهما ، قال : وهذا بعيد رده أئمة المذهب قال الإمام : ثم ما أراه يصير إلى إيجابهما على التحقيق ، ولكنه رآهما جزءا من الطواف ، وأنه لا يعتد به دونهما ، قال : وقد قال في توجيه قوله : لا يمتنع أن يشترط في النفل ما يشترط في الفرض كالطهارة وغيرها . قال الإمام : وقد يتحقق من معاني كلام الأصحاب [ ص: 73 ] خلاف في أن ركعتي الطواف معدودتان من الطواف ؟ أم لهما حكم الانفصال عنه ؟ هذا كلام الإمام . وقال البغوي في توجيه قول ابن الحداد : يجوز أن يكون الشيء غير واجب ، ويقتضي واجبا كالنكاح غير واجب ، ويقتضي وجوب النفقة والمهر

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث