الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع الموالاة بين الحصيات والموالاة بين جمرات أيام التشريق

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإذا أتى منى بدأ برمي جمرة العقبة ، وهو من واجبات الحج ، لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى وقال خذوا عني مناسككم } " والمستحب أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بضعفة أهله فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس } وإن رمى بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر أجزأه ، لما روت عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة رضي الله عنها يوم النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت ، [ ص: 165 ] وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها } والمستحب أن يرمي من بطن الوادي ، وأن يكون راكبا وأن يكبر مع كل حصاة لما روت أم سلمة رضي الله عنها قالت : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب وهو يكبر مع كل حصاة } والمستحب أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه ، لأن ذلك أعون على الرمي ويقطع التلبية مع أول حصاة لما روى الفضل بن العباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يلبي حتى رمى جمرة العقبة } ولأن التلبية للإحرام ، فإذا رمى فقد شرع في التحلل فلا معنى للتلبية ولا يجوز الرمي إلا بالحجر ، فإن رمى بغيره من مدر أو خزف لم يجزه لأنه لا يقع عليه اسم الحجر .

والمستحب أن يرمي بمثل حصى الخذف ، وهو بقدر الباقلا ، لما روى الفضل بن العباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا : عليكم بمثل حصى الخذف } فإن رمى بحجر كبير أجزأه لأنه يقع عليه اسم الحجر ولا يرمي بحجر قد رمي به ، لأن ما قبل منها يرفع وما لا يقبل منها يترك ، والدليل عليه ما روى أبو سعيد قال { قلنا يا رسول الله إن هذه الجمار ترمى كل عام فنحسب أنها تنقص . قال : أما إنه ما يقبل منها يرفع ، ولولا ذلك لرأيتها مثل الجبال } فإن رمى بما رمى به أجزأه لأنه يقع عليه الاسم ، ويجب أن يرمي فإن أخذ الحصاة وتركها في المرمى لم يجزه لأنه لم يرم ويجب أن يرميها واحدة واحدة ، { لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى واحدة واحدة وقال : خذوا عني مناسككم } ويجب أن يقصد بالرمي إلى المرمى فإن رمى حصاة في الهواء فوقعت في المرمى لم يجزه لأنه لم يقصد الرمي إلى المرمى ، وإن رمى حصاة فوقعت على أخرى ووقعت الثانية في المرمى لم يجزه لأنه لم يقصد رمي الثانية . وإن رمى حصاة فوقعت على محمل أو أرض فازدلفت ووقعت على المرمى أجزأه ، لأنه حصل في المرمى بفعله ، وإن رمى فوق المرمى فتدحرج لتصويب المكان الذي أصابه فوقع في المرمى ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه يجزئه ، لأنه لم يوجد في حصوله في المرمى فعل غيره ( والثاني ) لا يجزئه ، لأنه لم يقع في المرمى بفعله ، وإنما أعان عليه تصويب المكان ، فصار كما لو وقع في ثوب رجل فنفضه حتى وقع في المرمى ) .

التالي السابق


[ ص: 166 ] الشرح ) أما حديث ابن عباس فصحيح ، رواه بلفظه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح . ( وأما ) حديث عائشة في إرسال أم سلمة فصحيح ، رواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح على شرط مسلم ( وأما ) قوله : لما روت أم سلمة ، قالت { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي } إلى آخره ، فرواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيدهم عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت { رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة } هكذا رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وجميع أصحاب كتب الحديث عن سليمان بن عمرو عن أمه ، ويقال لها أم جندب الأزدية ، ووقع في نسخ المهذب أم سلمة ، وفي بعضها أم سليم وكلاهما غير صحيح وتصحيف ظاهر .

( والصواب ) أم سليمان - بالنون - أو أم جندب ، وهذا لا خلاف فيه ، وقد أوضحته بأكثر من هذا في تهذيب الأسماء واللغات وإسناد حديثها هذا ضعيف ، لأن مداره على يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف ، لكن يغني عنه حديث جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الجمرة يعني يوم النحر ، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف ، وهي من بطن الوادي ثم انصرف } رواه مسلم بهذا اللفظ ، والله أعلم .

[ ص: 167 ] وأما ) الحديث الأول عن الفضل بن العباس فرواه البخاري ومسلم ( وأما ) الحديث الثاني عن الفضل { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا عليكم بمثل حصى الخذف } فرواه مسلم ، وفي رواية مسلم { عليكم بحصى الخذف } وفي المهذب : " بمثل حصى الخذف " .

( وأما ) حديث أبي سعيد في رفع الجمار . فرواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف من رواية يزيد بن سنان الرهاوي وهو ضعيف عند أهل الحديث ظاهر الضعف ، قال البيهقي : وروي من وجه آخر ضعيف أيضا عن ابن عمر موقوفا وإنما هو مشهور عن ابن عباس موقوفا عليه .

( وأما ) حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم { رمى واحدة واحدة } فصحيح ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر الذي ذكرته قبل حديث الفضل ، وقوله فيه { يكبر مع كل حصاة } صريح بأنه رمى واحدة واحدة . ( وأما ) حديث { خذوا عني مناسككم } فصحيح رواه مسلم وأبو داود والبيهقي وغيرهم من رواية جابر ، وقد سبق إيضاحه في مواضع كثيرة من هذا الباب أولها فضل الطواف ، والله أعلم .

( وأما لغات الفصل وألفاظه ) فمنها منى ، وسبق بيان ضبطها واشتقاقها في فصل المزدلفة ، وسبق هناك ذكر حدها ( قوله ) بضعفة أهله هو - بفتح الضاد والعين - جمع ضعيف ، والمراد النساء والصبيان ونحوه ( قوله ) يرى بياض إبطه هو - بضم أول يرى والإبط - ساكنة الباء ويؤنث ويذكر لغتان والتذكير أفصح - وفي الباقلا لغتان سبقتا المد والقصر ، والمحمل - بفتح الميم الأولى وكسر الثانية ( وقوله ) التصويت المكان أي لكونه في حدور ونزول .

( أما الأحكام ) ففي الفصل مسائل : [ ص: 168 ] إحداها ) قد ذكرنا أنه إذا خرج من وادي محسر يسلك إلى منى الطريق الوسطى وشعاره الذكر والتلبية وعليه السكينة والوقار ، فإذا وجد فرجة أسرع فإذا وصل منى بدأ بجمرة العقبة ، وتسمى الجمرة الكبرى ، ولا يعرج على شيء قبلها ، وهي تحية منى ، فلا يبدأ قبلها بشيء ، بل يرميها قبل نزوله وحط رحله وهي على يمين مستقبل الكعبة إذا وقف في الجادة ، والمرمى مرتفع قليل في سفح الجبل . واعلم أن الأعمال المشروعة للحاج يوم النحر بعد وصوله منى أربعة ، وهي رمي جمرة العقبة ، ثم ذبح الهدي ، ثم الحلق ، ثم طواف الإفاضة ، وترتيب هذه الأربعة هكذا سنة ، وليس بواجب ، فلو طاف قبل أن يرمي أو ذبح في وقت الذبح قبل أن يرمي جاز ، ولا فدية عليه ، لكن فاته الأفضل ، ولو حلق قبل الرمي والطواف ، فإن قلنا : الرمي استباحة محظور لزمه الفدية على المذهب ، وإن قلنا : إنه نسك لم يلزمه الدم على الصحيح ، وفيه وجه شاذ أنه يلزمه ، حكاه الدارمي والرافعي ، وسأعيد المسألة واضحة إن شاء الله تعالى في فصل الحلق ، والله أعلم .

والسنة أن يرمي بعد ارتفاع الشمس قدر رمح كما سنذكره ، ثم يذبح ثم يحلق ثم يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ، فيقع الطواف ضحوة ، ويدخل وقت الرمي والطواف بنصف ليلة النحر ، بشرط تقدم الوقوف بعرفات ، وقال ابن المنذر : لا يجزئ الرمي قبل طلوع الفجر بحال ، والمذهب الأول .

قال أصحابنا : ويدخل أيضا وقت الحلق بنصف الليلة ، إن قلنا : نسك ولا آخر لوقت الطواف والحلق بل يمتد وقتهما ما دام حيا ، وإن مضى سنون متطاولة . وكذلك السعي ، ففي آخر وقته وجهان سنذكرهما قريبا إن شاء الله تعالى .

( المسألة الثانية ) رمي جمرة العقبة واجب بلا خلاف ، لما ذكره [ ص: 169 ] المصنف ، وليس هو بركن . فلو تركه حتى فات وقته صح حجه ولزمه الدم



وأما وقت الرمي فقال الشافعي والأصحاب : السنة أن يصلوا منى بعد طلوع الشمس ويرموا بعد ارتفاعها قدر رمح . فإن قدموا الرمي على هذا جاز بشرط أن يكون بعد نصف ليلة النحر وبعد الوقوف . ولو أخروه عنه جاز . ويكون أداء إلى آخر نهار يوم النحر بلا خلاف . وهل يمتد إلى طلوع فجر تلك الليلة ؟ فيه وجهان مشهوران ، وممن حكاهما صاحب التقريب والشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وآخرون ( أصحهما ) لا يمتد ( والثاني ) يمتد .

( الثالثة ) الصحيح المختار في كيفية وقوفه لرمي جمرة العقبة أن يقف تحتها في بطن الوادي ، فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل العقبة ثم يرمي وبهذا جزم الدارمي ، وفيه وجه آخر أنه يقف مستقبل الجمرة مستدبر الكعبة ومكة ، وبهذا جزم الشيخ أبو حامد في تعليقه ، والبندنيجي وصاحب البيان والرافعي وآخرون . وفيه وجه ثالث أنه يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه ، والمذهب الأول ، لحديث عبد الرحمن بن يزيد { أن عبد الله بن مسعود انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع حصيات ثم قال : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية البخاري قال عبد الرحمن بن يزيد " { رمى عبد الله في بطن الوادي فقلت يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يرمونها من فوقها فقال : والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة } وفي رواية للبخاري { عن عبد الرحمن أنه كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة ، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم قال : من ههنا - والذي لا إله غيره - قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة } " قلت إنما خص سورة البقرة بالذكر لأن معظم المناسك فيها . والله تعالى أعلم .

[ ص: 170 ] الرابعة ) السنة أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ، إن كان قدم منى راكبا ، للحديث الصحيح السابق .

( الخامسة ) السنة أن يكبر مع كل حصاة للحديث السابق ويقطع التلبية عند أول حصاة ، لما ذكره المصنف وقال القفال : إذا رحلوا من مزدلفة خلطوا التلبية بالتكبير في مسيرهم ، فإذا افتتحوا الرمي محضوا التكبير قال إمام الحرمين : ولم أر هذا لغير القفال . قال بعض أصحابنا : يستحب في هذا التكبير مع الرمي أن يقول : الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر . وهذا الذي ذكره هذا القائل غريب في كتب الحديث والفقه ، وإنما في الأحاديث الصحيحة وكتب الفقه ، يكبر مع كل حصاة ، وهذا مقتضاه مطلق التكبير . والذي ذكره هذا القائل طويل لا يحسن التفريق بين الحصيات به .

وقال الماوردي : قال الشافعي : يكبر مع كل حصاة فيقول : الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد ، والله أعلم . قال أصحابنا



ولو قدم الحلق والطواف على الرمي قطع التلبية بشروعه في أول الطواف ، وكذا في أول الحلق إذا بدأ به ، وقلنا : هو نسك ، لأنهما من أسباب التحلل . قال أصحابنا : وكذا المعتمر يقطع التلبية بشروعه في الطواف ، لأنه من أسباب تحللها ، والله أعلم



( السادسة ) يستحب أن يرفع يده في الرمي حتى يرى بياض إبطه ، ويسن أن يكون الرمي بيده اليمنى ، فلو رمى باليسرى أجزأه لحصول [ ص: 171 ] الرمي ، ودليل استحباب اليمنى ما قدمناه من الأحاديث وغيرها في باب صفة الوضوء في استحباب التيمن في الطهور والتنعل واللباس ونحوها . والله أعلم .



( السابعة ) شرط المرمي به أن يكون حجرا . قال الشافعي والأصحاب : فيجوز الرمي بالمرمر والبرام والكذان والرخام والصوان . نص عليه في الأم وسائر أنواع الحجر . ويجزئ حجر النورة قبل أن يطبخ ويصير نورة . وأما حجر الحديد فالمذهب القطع بإجزائه لأنه حجر في الحال إلا أن فيه حديدا كامنا يستخرج بالعلاج . وتردد فيه الشيخ أبو محمد الجويني .

وفيما يتخذ منه الفصوص كالفيروزج والياقوت والعقيق والزمرد والزبرجد والبلور ونحوها وجهان ( أصحهما ) الإجزاء لأنها أحجار . وبهذا قطع البندنيجي والقاضي حسين والمتولي والبغوي .

وأما ما ليس بحجر كالماء والنورة والزرنيخ والإثمد والمدر والجص والآجر والخزف والجواهر المنطبعة كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد ونحوها ، فلا يجزئ الرمي بشيء من هذا بلا خلاف ، والله أعلم .

( الثامنة ) السنة أن يرمي بحصى مثل حصى الخذف . وهذا لا خلاف فيه . ودليله ما ذكره المصنف مع أحاديث كثيرة صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم { رمى بمثل حصى الخذف ، وأمر أن يرمى بمثل حصى الخذف } قال أصحابنا : وحصاة الخذف دون الأصبع طولا وعرضا ، وفي قدر حبة الباقلا . وقيل كقدر النواة . قال صاحب الشامل : قال الشافعي : حصاة الخذف أصغر من الأنملة طولا وعرضا . قال : منهم من قال كقدر النواة . ومنهم من قال كالباقلا ، قال صاحب الشامل : وهذه المقادير متقاربة . [ ص: 172 ] قال أصحابنا : فإن رمى بأصغر من ذلك أو أكبر كره كراهة تنزيه وأجزأه باتفاق الأصحاب ، لوجود الرمي بحجر . واستدل الأصحاب لكراهة أكبر من حصى الخذف بحديث ابن عباس قال { : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته هات القط لي فلقطت له حصيات من حصى الخذف ، فلما وضعتهن في يده قال : بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين } رواه النسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم



( فرع ) في كيفية الرمي وجهان ( أحدهما ) يستحب أن يكون كصفة رمي الخاذف فيضع الحصاة على بطن إبهامه ويرميها برأس السبابة ، وبهذا الوجه قطع البغوي والمتولي والرافعي ( والثاني ) وهو الصحيح وبه قطع الجمهور أنه يرميه على غير صفة الخذف .

وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن معقل { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال : إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو ، وإنه يفقأ العين ويكسر السن } رواه البخاري ومسلم .

وهذا الحديث عام يتناول الخذف في رمي الجمار وغيره . فلا يجوز تخصيصه إلا بدليل ولم يصح فيما قاله صاحب الوجه الأول شيء ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على العلة في كراهة الخذف وهو أنه لا يأمن أن يفقأ العين أو يكسر السن . وهذه العلة موجودة في رمي الجمار والله أعلم .

( التاسعة ) يجوز الرمي بكل أنواع الحجر ، لكن يكره بأربعة أنواع ( أحدها ) الحجر المأخوذ من الحلي ( والثاني ) المأخوذ من مسجد في الحرم ( والثالث ) الحجر النجس ( الرابع ) الحجر الذي رمى به هو أو غيره مرة أخرى فهذه الأنواع الأربعة مكروهة كراهة تنزيه ، فإن رمى بها أجزأه ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب إلا وجها شاذا ضعيفا حكاه الخراسانيين فيما إذا اتحد الزمان والمكان والشخص ، فإذا [ ص: 173 ] رمى بحصاة في جمرة ثم أخذها في الحال ، ورمى بها في تلك الجمرة لا يجزئه .

ووافق صاحب هذا الوجه على أنه لو اختلف الزمان بأن رمى بالحصاة الواحدة في جمرة واحدة لكن في يومين ، أو اختلف المكان بأن رمى الشخص الواحد في يوم واحد بالحصاة الواحدة لكن في جمرتين ، أو اختلف الشخص بأن رمى بالحصاة فأخذها آخر فرماها في الحال في تلك الجمرة أجزأه ، والمذهب الإجزاء مطلقا .

وعلى أنه يتصور أن يرمي جميع الحجاج بحصاة واحدة جميع الرمي المشروع لهم إن اتسع لهم الوقت ، وقاسه أصحابنا على ما لو دفع مد طعام في كفارة إلى فقير ثم اشتراه ثم دفعه إلى آخر ، ثم فعل ذلك ثالثا ورابعا وأكثر حتى بلغ قدر الكفارة فإنه يجزئه بلا خلاف ، لكن يكره له شراء ما أخرجه في كفارة أو زكاة أو صدقة ، كما يكره الرمي بما رمى به .

وحكى القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وغيرهما عن المزني أنه قال : لا يجوز أن يرمي ما رمى به هو ، ويجوز بما رمى به غيره وغلطوه فيه ، والله أعلم .

( فإن قيل ) لم جوزتم الرمي بحجر قد رمي به ؟ ولم تجوزوا الوضوء بما توضئ به ( قلنا ) قال القاضي أبو الطيب وغيره : الفرق أن الوضوء بالماء إتلاف له فأشبه العتق فلا يعتق العبد عن الكفارة بخلاف الرمي ، ونظير الحصاة الثوب في ستر العورة ، فإنه يجوز أن يصلي في الثوب الواحد صلوات والله أعلم .



( العاشرة ) يشترط في الرمي أن يفعله على وجه يسمى رميا لأنه مأمور بالرمي ، فاشترط فيه ما يقع عليه اسم الرمي ، فلو وضع الحجر في المرمى لم يعتد به ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه [ ص: 174 ] وجه شاذ ضعيف أنه يعتد به ، حكاه الدارمي وصاحب التقريب وإمام الحرمين والرافعي وغيرهم ، وهو قريب الشبه من الخلاف السابق في مسح الرأس ، هل يكفي فيه وضع اليد عليه بلا مر ؟ وكذا في المضمضة لو وضع الماء في فيه ولم يدره ؟ والأصح الإجزاء في الرأس والمضمضة ، والصحيح هنا عدم الإجزاء ، والفرق من وجهين ( أحدهما ) أن مبنى الحج على التعبد بخلافهما ( والثاني ) أن في مسألة وضع الحجر لم يأت بشيء من أجزاء الرمي بخلاف مسألة الوضوء .

قال أصحابنا : ويشترط قصد المرمى ، فلو رمى في الهواء فوقع الحجر في المرمى لم يجزه بلا خلاف لما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى ، فلو رماه فوقع في المرمى ثم تدحرج منه وخرج عنه أجزأه لأنه وجد الرمي إلى المرمى وحصوله فيه ولو انصدمت الحصاة المرمية بالأرض خارج الجمرة أو بمحمل في الطريق أو عنق بعير أو ثوب إنسان ثم ارتدت فوقعت في المرمى أجزأته بلا خلاف لما ذكره المصنف من حصولها في المرمى بفعله من غير معاونة ، فلو حرك صاحب المحمل محمله أو صاحب الثوب ثوبه فنفضها ، أو تحرك البعير فدفعها فوقعت في المرمى لم يعتد بها بلا خلاف لأنها لم تحصل في المرمى بمجرد فعله . ولو تحرك البعير فوقعت في المرمى ولم يدفعها فوجهان حكاهما البندنيجي ( أصحهما ) لا يجزئه ، وهو مقتضى كلام الأصحاب .

ولو وقعت على المحمل أو على عنق البعير ثم تدحرجت إلى المرمى فوجهان ( أصحهما ) لا يجزئه لاحتمال تأثرها به ، ولو وقعت في غير المرمى من الأرض المرتفعة ثم تدحرجت إلى المرمى أو ردتها الريح فوجهان ( أصحهما ) يجزئه لحصوله في المرمى لا بفعل غيره ، وممن صححه المحاملي في المجموع والبغوي والرافعي وغيرهم . قال أصحابنا : ولا يشترط وقوف الرامي خارج المرمى بل لو وقف في طرفه ورمى إلى طرفه الآخر أو وسطه أجزأه لوجود [ ص: 175 ] الرمي في المرمى والله أعلم .

ولو رمى حصاة فوقعت على حصاة خارج المرمى فوقعت هذه الحصاة في المرمى ولم تقع المرمى بها لم تجزه بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، والله أعلم .

( فرع ) لو رمى حصاة إلى المرمى وشك هل وقعت فيه أم لا ؟ فقولان مشهوران في الطريقتين ، حكاهما الشيخ أبو حامد والدارمي وأبو علي البندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وابن الصباغ وصاحب البيان وآخرون من العراقيين ، والقاضي حسين والمتولي وآخرون من الخراسانيين ، قالوا كلهم : هما جديد وقديم ( الجديد ) الصحيح لا يجزئه ، لأن الأصل عدم الوقوع فيه ، والأصل أيضا بقاء الرمي عليه ( والقديم ) يجزئه لأن الظاهر وقوعه في المرمى قاله القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في المجموع والقاضي حسين في تعليقه . قال أصحابنا : هذا القول المنقول عن القديم ليس مذهبا للشافعي ، بل حكاه عن غيره . والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا : لا يجزئه الرمي عن القوس ولا الدفع بالرجل ، لأنه لا ينطلق عليه اسم الرمي . قال البندنيجي : ولو رمى حصاة إلى فوق فوقعت في المرمى لم يجزه ، والله أعلم .

( فرع ) قال الشافعي رحمه الله : الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى ، فمن أصاب مجتمع الحصى بالرمي أجزأه ، ومن أصاب سائل الحصى الذي ليس بمجتمعه لم يجزه ، والمراد مجتمع الحصى في موضعه المعروف ، وهو الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو حول والعياذ بالله ورمى الناس في غيره واجتمع الحصى فيه لم يجزه ، ولو نحي الحصى من موضعه الشرعي ورمى إلى نفس الأرض أجزأه لأنه رمى في موضع الرمي ، هذا الذي ذكرته هو المشهور ، وهو الصواب .

وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه إذا رمى حصاة فوقعت في مسيل الماء فيه [ ص: 176 ] قولان . قال في الأم : لا يجزئه ، { لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى إلى المرمى مع قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم } ( والقول الثاني ) يجزئه لأن مسيل الماء متصل بالمرمى ليس بينهما حائل فهو كجزء منه ، هذا نقل القاضي وهو غريب ضعيف . والله أعلم .



( الحادية عشرة ) قال الشافعي والأصحاب يشترط أن يرمي الحصيات في دفعات لما ذكره المصنف ، فلو رمى حصاتين أو سبعا دفعة فإن وقعن في المرمى في حالة واحدة حسبت حصاة واحدة بلا خلاف ، وإن ترتبن في الوقوع فالمذهب أن المحسوب حصاة واحدة أيضا . وهذا نص الشافعي وبه قطع العراقيون وجماهير الخراسانيين ، لأنها رمية واحدة .

وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجها شاذا ضعيفا أنه يحسب بعدد الحصيات المترتبات في الوقوع . قال الإمام : هذا ليس بشيء . ولو رمى حصاتين أحدهما بيده اليمنى والأخرى باليسرى دفعة واحدة لم يحسب إلا واحدة بالاتفاق ، ذكره الدارمي . ولو رمى حصاة ثم أتبعها أخرى فإن وقعت الأولى في المرمى قبل الثانية فهما حصاتان بلا خلاف ، وإن وقعتا معا أو الثانية قبل الأولى فوجهان مشهوران حكاهما الدارمي والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والمتولي وغيرهم ، واتفقوا على أن أصحهما أنه يحسب حصاتان اعتبارا بالرمي ( والثاني ) حصاة اعتبارا بالوقوع . قالإمام الحرمين : الصواب أنهما حصاتان وما سواه خبط . قال الدارمي : القائل حصاتان أبو حامد يعني المروزي ، والقائل حصاة ، والله أعلم



( فرع ) الموالاة بين الحصيات والموالاة بين جمرات أيام التشريق هل يشترط فيها الخلاف السابق في الطواف ؟ الصحيح لا يشترط لكن يستحب ( والثاني ) يشترط ، هذا إذا فرق طويلا . فأما التفريق اليسير فلا يضر بلا خلاف ، وممن ذكر المسألة المتولي والرافعي [ ص: 177 ] فرع ) قد ذكرنا أنه إذا رمى سبع حصيات دفعة واحدة حسبت حصاة واحدة ولو وجب الحد على إنسان فجلد بمائة مشدودة دفعة واحدة حسبت مائة قال أصحابنا : الفرق من وجهين ( أحدهما ) أن الحدود مبنية على التخفيف ( والثاني ) أن المقصود منها الإيقاع وقد حصل . وأما الرمي فتعبد فاتبع فيه التوقيف والله أعلم



( فرع ) في مذاهب العلماء في رمي جمرة العقبة قد ذكرنا أنه واجب ليس بركن ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود قال العبدري : وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك " هو ركن " دليلنا القياس على رمي أيام التشريق



( فرع ) مذهبنا جواز رمي جمرة العقبة بعد نصف ليلة النحر ، والأفضل فعله بعد ارتفاع الشمس ، وبه قال عطاء وأحمد وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وقال مالك وأبو حنيفة وإسحاق : لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس واحتج لهم بحديث ابن عباس السابق { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس } وهو حديث صحيح كما سبق واحتج أصحابنا بحديث أم سلمة وغيره من الأحاديث الصحيحة السابقة في مسألة تعجيل دفع الضعفة من مزدلفة إلى منى ( وأما ) حديث ابن عباس فمحمول على الأفضل جمعا بين الأحاديث . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن من رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس أجزأه



( فرع ) في مذاهبهم في وقت قطع التلبية يوم النحر . قد ذكرنا أنه يقطعها عند أول شروعه في رمي جمرة العقبة ، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن [ ص: 178 ] بعدهم ، وقال أحمد وإسحاق وطائفة : يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة ، وأشار ابن المنذر إلى اختياره ، وقال مالك : يقطعها قبل الوقوف بعرفات ، وحكاه عن علي وابن عمر وعائشة ، وقال الحسن البصري : يقطعها عقب صلاة الصبح يوم عرفة ، دليلنا ما ذكره المصنف



( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أخذ حصاة الجمار من مزدلفة ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وإسحاق قال : قال عطاء ومالك وأحمد : يأخذ من حيث شاء ، قال ابن المنذر : ولا أعلم خلافا بينهم أنه من حيث أخذ أجزأه ، لكن أحب لقطه وأكره كسره . لأنه قد يؤدي إلى احتسابها واحدة .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب كون الحصى قدر حصى الخذف ، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف ، منهم ابن عمر وجابر وابن عباس وابن الزبير وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأبو ثور ، قال ابن المنذر ولا معنى لقول مالك ( أعجب من ذلك أكبر إلي ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن الرمي بمثل حصى الخذف فاتباع السنة أولى



( فرع ) قال ابن المنذر : أجمعوا على أنه لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة .

( فرع ) مذهبنا أنه يستحب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ، إن كان دخل منى راكبا ، ويرمي في أيام التشريق ماشيا إلا يوم النفر فراكبا ، وبه قال مالك ، قال ابن المنذر : وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون [ ص: 179 ] مشاة ، واستحبه أحمد وإسحاق ، وكره جابر الركوب إلى شيء من الجمار إلا لضرورة ، قال : وأجمعوا على أن الرمي يجزئه على أي حال رماه إذا وقع في المرمى ، دليلنا الأحاديث الصحيحة السابقة { أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر راكبا } والله أعلم .

( فرع ) ذكرنا أن مذهبنا الصحيح أن الأفضل في موقف الرامي جمرة العقبة أن يقف في بطن الوادي ، وتكون منى عن يمينه ، ومكة عن يساره ، وبهذا قال جمهور العلماء منهم ابن مسعود وجابر والقاسم بن محمد وسالم وعطاء ونافع والثوري ومالك وأحمد ، قال ابن المنذر : وروينا أن عمر رضي الله عنه خاف الزحام فرماها من فوقها .



( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لو رمى بما رمى به هو أو غيره جاز مع الكراهة ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود ، قال المزني : يجوز بما رمى به غيره ولا يجوز بما رمى هو به ، قال ابن المنذر : وكره ذلك عطاء والأسود بن يزيد وسعيد بن أبي عروبة والشافعي ، وأحمد ، قال : ورخص فيه الشعبي ، وقال إسحاق يجزئه ، قال ابن المنذر : يكره ويجزئه ، قال : إذ لا أعلم أحدا أوجب على من فعل ذلك إعادة .



( فرع ) ذكرنا أن مذهبنا أنه لو رمى سبع حصيات رمية واحدة حسب له حصاة واحدة فقط ، وبه قال مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة : إن وقعن في المرمى متعاقبات أجزأه وإلا فلا ، وحكى ابن المنذر عن عطاء أنه يجزئه ويكبر لكل حصاة تكبيرة ، قال الحسن : إن كان جاهلا أجزأه



( فرع ) ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز الرمي بكل ما يسمى حجرا ، ولا يجوز بما لا يسمى حجرا ، كالرصاص والحديد والذهب والفضة والزرنيخ والكحل ونحوها ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة يجوز بكل ما كان من جنس الأرض كالكحل والزرنيخ والمدر ولا يجوز [ ص: 180 ] بما ليس من جنسها ، واحتج بالأحاديث المطلقة في الرمي ، دليلنا حديث الفضل بن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في غداة جمع يعني يوم النحر عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة } رواه مسلم فأمر صلى الله عليه وسلم بالحصى ، فلا يجوز العدول عنه ، والأحاديث المطلقة محمولة على هذا المعنى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث