الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ثم يحلق لما روى أنس قال { لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة وفرغ من نسكه ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه ثم أعطاه شقه الأيسر فحلقه } فإن لم يحلق وقصر جاز ، لما روى جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصروا } والحلق أفضل لما روى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { رحم الله المحلقين ، قالوا : يا رسول الله والمقصرين ؟ قال : رحم الله المحلقين ، قالوا : يا رسول الله والمقصرين ؟ قال : رحم الله المحلقين . قالوا : يا رسول الله والمقصرين . قال في الرابعة : والمقصرين } وأقل ما يحلق ثلاث شعرات . لأنه يقع عليه اسم الجمع المطلق فأشبه الجمع . والأفضل أن يحلق الجميع لحديث أنس . وإن كان أصلع فالمستحب أن يمر الموسى على رأسه . لما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه " قال في الأصلع : يمر الموسى على رأسه " ولا يجب ذلك لأنه قربة تتعلق بمحل فسقطت بفواته كغسل اليد إذا قطعت وإن كانت امرأة قصرت ولم تحلق لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ليس على النساء حلق إنما على النساء تقصير } ولأن الحلق في النساء مثلة فلم يفعل وهل الحلاق نسك أو استباحه محظور فيه قولان ( أحدهما ) أنه ليس بنسك لأنه محرم في الإحرام فلم يكن نسكا كالطيب .

( والثاني ) أنه نسك وهو الصحيح { لقوله صلى الله عليه وسلم رحم الله المحلقين } فإن حلق قبل الذبح جاز ; لما روى عبد الله بن عمر قال { وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى فجاءه رجل فقال : يا رسول الله لم أشعر فحلقت رأسي قبل أن أذبح فقال : اذبح ولا حرج . فجاءه آخر فقال : يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال : ارم ولا حرج . فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال : افعل ولا حرج } فإن حلق قبل الرمي ( فإن قلنا ) إن الحلق نسك جاز ; لما روى ابن عباس قال : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل حلق قبل أن يذبح أو قبل أن يرمي فكان يقول : لا حرج ، لا حرج } " ( وإن قلنا ) إنه استباحة محظور لم يجز لأنه فعل محظور فلم يجز قبل الرمي من غير عذر كالطيب ) .

[ ص: 183 ]

التالي السابق


[ ص: 183 ] الشرح ) أما حديث أنس رضي الله عنه فرواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طرق ( منها ) عن أنس قال " { لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه . ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال : احلق ، فحلقه فأعطى أبا طلحة فقال اقسمه بين الناس } هذا لفظ إحدى روايات مسلم والباقي بمعناها وقوله في الرواية التي ذكرها المصنف { وفرغ من نسكه } - يعني من ذبح هديه - كما قال في رواية مسلم { ونحر نسكه } . وأما حديث جابر فرواه البخاري ومسلم بغير هذا اللفظ ، ولفظهما عن جابر أنه { حج مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا } هذا لفظهما . وقد روى التقصير جماعات من الصحابة في الصحيحين ( منها ) عن ابن عمر قال { حلق النبي صلى الله عليه وسلم وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم } " رواه البخاري ومسلم وعن معاوية قال : { قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة } " رواه البخاري ومسلم . وفي رواية قال { قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته على المروة بمشقص } " وأما حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { اللهم ارحم المحلقين } إلى آخره فرواه البخاري ومسلم وأما الأثر عن ابن عمر في إمرار الموسى فرواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف فيه يحيى بن عمر الجادي بالجيم وتشديد الياء - وهو ضعيف . وأما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير } فرواه أبو داود بإسناد حسن وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فرواه البخاري .

وأما حديث ابن عباس الذي بعده فرواه البخاري ومسلم بنحو معناه [ ص: 184 ] وهذا لفظهما عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : لا حرج } ورواه البخاري ومسلم أيضا من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص { أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر في حجة الوداع وهم يسألوه ، فقال رجل : لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح ، فقال اذبح ولا حرج ، فجاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ، فقال : ارم ولا حرج . فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج } وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال : يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي . فقال : ارم ولا حرج . وأتاه رجل آخر فقال : إني ذبحت قبل أن أرمي . قال : ارم ولا حرج . قال فما رأيته سئل يومئذ عن شيء إلا قال : افعلوا ولا حرج } هذا لفظ هذه الرواية لمسلم . وهي صريحة فيما استدل له المصنف . وفيها التصريح بجواز تقديم طواف الإفاضة على الرمي . والله أعلم .

وأما ألفاظ الفصل : فقوله " وفرغ من نسكه " أي من ذبح هديه . وقد سبق بيانه في رواية مسلم وقوله " ناول الحالق " هذا الذي حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم معمر بن عبد الله العدوي هذا هو الصحيح المشهور ، وفي صحيح البخاري قال " زعموا أنه معمر بن عبد الله " وذكر ابن الأثير في مختصر الأنساب في ترجمة الكليبي - بضم الكاف - خراش بن أمية الكليبي . والله أعلم .

قوله " يمر الموسى " قال أهل اللغة : الموسى يذكر ويؤنث . قال ابن قتيبة : قال الكسائي : هو فعلى ، وقال غيره : مفعل من أوسيت رأسه أي حلقته . قال الجوهري : الكسائي والفراء يقولان : هي فعلى مؤنثة ، وعبد الله بن سعيد الأموي يقول مفعل مذكر . قال أبو عبد الله لم نسمع [ ص: 185 ] تذكيره إلا من الأموي قوله " لأنه قربة تتعلق بمحل فسقطت بفواته " احتراز من الصلاة والصوم ، فإن كلا منهما قربة تتعلق بزمان لا بمحل ولا تسقط بالفوات . وقوله " الحلاق " هو بكسر الحاء بمعنى الحلق ، والله أعلم .

( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) إذا فرغ الحاج من الرمي والذبح فليحلق رأسه وليقصر ، والحلق والتقصير ثابتان بالكتاب والسنة والإجماع . وكل واحد منهما يجزئ بالإجماع . والحلق في حق الرجل أفضل لظاهر القرآن في قوله تعالى { محلقين رءوسكم ومقصرين } والعرب تبدأ بالأهم والأفضل ، ولحديث ابن عمر المذكور { اللهم ارحم المحلقين قال في الرابعة : والمقصرين } ولأن النبي صلى الله عليه وسلم " حلق في حجته " والإجماع على أن الحلق أفضل ، والأفضل أن يحلق جميع الرأس إن أراد الحلق أو يقصر من جميعه إن أراد التقصير ; لما ذكره المصنف وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات حلقا أو تقصيرا من شعر الرأس فتجزئ الثلاث بلا خلاف عندنا ولا يجزئ أقل منها ، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب في جميع الطرق . وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجها أنه تجزئ شعرة واحدة وهو غلط ، قال إمام الحرمين : قد ذكرنا وجها بعيدا في الشعرة الواحدة أنه إذا أزالها المحرم في غير وقتها لزمه فدية كاملة كحلق الرأس ، قال : وذلك الوجه عائد هنا فتجزئ الشعرة ولكنه مزيف غير معدود من المذهب والله أعلم . قال أصحابنا : وليس لأقل المجزئ من التقصير حد ، بل يجزئ منه أقل جزء منه لأنه يسمى تقصيرا ، ويستحب أن لا ينقص على قدر أنملة والله أعلم .

( الثانية ) إذا لم يكن على رأسه شعر بأن كان أصلع أو محلوقا فلا شيء عليه فلا يلزمه فدية ولا إمرار الموسى ولا غير ذلك لما ذكره المصنف ، ولو نبت شعره بعد ذلك لم يلزمه حلق ولا تقصير بلا خلاف ، لأنه حالة [ ص: 186 ] التكليف لم يلزمه ، قال الشافعي والأصحاب : ويستحب لمن لا شعر على رأسه إمرار الموسى عليه ، ولا يلزمه ذلك بلا خلاف عندنا . قال الشافعي : ولو أخذ من شاربه أو من شعر لحيته شيئا كان أحب إلي ; ليكون قد وضع من شعره شيئا لله تعالى . هكذا ذكر الشافعي هذا النص ونقله الأصحاب واتفقوا عليه . وحكاه إمام الحرمين عن نص الشافعي ثم قال : ولست أرى ذلك وجها إلا أن يكون أسنده إلى أثر . وقال المتولي : يستحب أن يأخذ من الشعور التي يؤمر بإزالتها للفطرة كالشارب والإبط والعانة لئلا يخلو نسكه عن حلق . وقد روى مالك والشافعي والبيهقي بالإسناد الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه والله أعلم .



ولو كان على رأسه شعر وبرأسه علة لا يمكنه بسببها التعرض للشعر لزمه الصبر إلى الإمكان . ولا يفتدي ولا يسقط عنه الحلق بلا خلاف بخلاف من لا شعر على رأسه فإنه لا يؤمر بحلقه بعد نباته بلا خلاف كما سبق . قال إمام الحرمين وغيره : والفرق أن النسك هو حلق شعر يشتمل الإحرام عليه والله أعلم .

هذا كله فيمن لم يكن على رأسه شعر أصلا . فأما من كان على رأسه ثلاث شعرات أو شعرتان أو شعرة واحدة فيلزمه إزالتها بلا خلاف . صرح به صاحب البيان وغيره { لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } ولو كان عليه زغب يسير لزمه أن يزيل منه ثلاث شعرات . صرح به صاحب البيان وآخرون . والله أعلم .

( الثالثة ) اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن الحلق هنا لا يحصل إلا بشعر الرأس . فلا يحصل بشعر اللحية وغيرها من شعور البدن . ولا بشعر العذار وفي الشعر النابت في موضع التحذيف وشعر [ ص: 187 ] الصدغ خلاف سبق في باب صفة الوضوء . هل من الوجه أو من الرأس ؟ ( إن قلنا ) من الرأس أجزأه حلقه وإلا فلا . قال الشافعي والأصحاب وإذا قصر ثلاث شعرات فأكثر جاز تقصيره مما يحاذي الرأس . ومما نزل عنه ، ومما استرسل عنه . هذا هو المذهب .

وحكى الدارمي والماوردي وصاحب الشامل والمتولي وآخرون وجها شاذا أنه لا يجزئ المسترسل كما لا يجزئ المسح على المسترسل عن حده . قالوا : وهذا الوجه غلط لأن الواجب في المسح مسح الرأس وهذا خارج عنه فلا يجزئ والواجب في الحلق حلق شعر الرأس أو تقصيره ، وهذا من شعر الرأس .

( الرابعة ) قال أصحابنا : المراد بالحلق والتقصير إزالة الشعر فيقوم مقامه النتف والإحراق والأخذ بالنورة أو بالمقص والقطع بالأسنان وغيرها . ويحصل الحلق بكل واحدة مما ذكرناه بلا خلاف . وقد نص عليه الشافعي رحمه الله .

( الخامسة ) الأفضل أن يحلق أو يقصر الجميع دفعة واحدة . فلو حلق أو قصر ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات أجزأه وفاتته الفضيلة هذا هو المذهب قال إمام الحرمين : لو حلق ثلاث شعرات في دفعات فهو مقيس بحلقها المحظور فإن كملنا الفدية مع التفريق حكمنا بكمال النسك وإلا فلا . قال : ولو أخذ شيئا من شعرة واحدة ثم عاد وأخذ منها ثم عاد ثالثة وأخذ منها . فإن كان الزمان متواصلا لم يكمل الفدية ولم يحصل النسك ، وإن طال الزمان ففي المسألتين خلاف . هذا كلام إمام الحرمين واختصر الرافعي فقال : لو أخذ ثلاث شعرات في دفعات أو أخذ من شعرة واحدة في ثلاثة أوقات . فإن كملنا الفدية به لو كان محظورا حصل النسك ، وإلا فلا .

[ ص: 188 ] السادسة ) قال أصحابنا : يستحب أن يبدأ بحلق شق رأسه الأيمن من أوله إلى آخره ثم الأيسر . وأن يستقبل المحلوق القبلة . وأن يدفن شعره ويبلغ بالحلق إلى العظمات اللذين عند منتهى الصدغين وهذه الآداب ليست مختصة بالمحرم . بل كل حالق يستحب له هذا ، ودليل الشق الأيمن حديث أنس المذكور في كتاب ، قال صاحب الحاوي : في الحلق أربع سنن : أن يستقبل القبلة ، وأن يبدأ بشقه الأيمن ، وأن يكبر عند فراغه ، وأن يدفن شعره . قال : قال الشافعي : ويبلغ بالحلق إلى العظمات لأنهما منتهى نبات شعر الرأس ، ليكون مستوعبا لجميع رأسه ، هذا كلامه وهو حسن إلا التكبير عند فراغه فإنه غريب . وقد استحب التكبير أيضا للمحلوق البندنيجي ونقله صاحب البحر عن أصحابنا .

( السابعة ) أجمع العلماء على أنه لا تؤمر المرأة بالحلق بل وظيفتها التقصير من شعر رأسها . قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم : يكره لها الحلق . وقال القاضي أبو الطيب والقاضي حسين في تعليقهما : لا يجوز لها الحلق ولعلهما أرادا أنه مكروه ، وقد يستدل للكراهة بحديث علي رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها } رواه الترمذي وقال فيه اضطراب ، ولا دلالة في هذا الحديث لضعفه لكن يستدل بعموم قوله صلى الله عليه وسلم { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } رواه مسلم ، وبالحديث الصحيح السابق مرات في نهي النساء من التشبه بالرجال . قال الشافعي والأصحاب : ويستحب للمرأة أن تقصر قدر أنملة من جميع جوانب رأسها ، وقال الماوردي : ولا تقطع من ذوائبها ; لأن ذلك يشينها ، لكن ترفع الذوائب وتأخذ من الموضع الذي تحته ، قال أصحابنا : [ ص: 189 ] فلو حلقت أجزأها قال الماوردي : وتكون مسيئة ، قال القاضي أبو الفتوح في كتاب الخناثى وظيفة الخنثى التقصير دون الحلق ، قال : والتقصير أفضل كالمرأة والله أعلم .



( الثامنة ) هل الحلق نسك ؟ فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) باتفاق الأصحاب أنه نسك يثاب عليه ، ويتعلق به التحلل لما ذكره المصنف ( والثاني ) أنه استباحة محظور ، وليس بنسك وإنما هو شيء أبيح له بعد أن كان حراما كالطيب واللباس ، وعلى هذا لا ثواب فيه ، ولا تعلق له بالتحلل ، قالوا : وعلى هذا القول الجواب عن حديث { اللهم ارحم المحلقين } إنما دعا لهم لتنظفهم وإزالتهم التفث ، والمذهب أنه نسك يثاب عليه ويتحلل به التحلل الأول فعلى هذا هو ركن من أركان الحج والعمرة " لا يصح الحج ولا العمرة إلا به ، ولا يجبر بدم ولا غيره ، ولا يفوت وقته ما دام حيا ، لكن أفضل أوقاته ضحوة النهار يوم الأضحى ، ولا يختص بمكان ، لكن الأفضل أن يفعله الحاج بمنى والمعتمر بالمروة ، فلو فعله في بلد آخر إما وطنه وإما غيره جاز بلا خلاف ، ولا يزال حكم الإحرام جاريا عليه حتى يحلق ، وكل هذا لا خلاف فيه على قولنا : الحلق نسك ، إلا أن المصنف جعل الحلق واجبا على قولنا إنه نسك ولم يجعله ركنا ، هكذا ذكره في آخر هذا الباب ، وكذا ذكره في التنبيه ، وليس كما قال ، بل الصواب أنه ركن على قولنا إنه نسك .

قال إمام الحرمين : إذا حكمنا بأن الحلق نسك فهو ركن ، وليس كالرمي والمبيت ، ثم قال : فاعلم ذلك فإنه متفق عليه ، قال : والدليل على أنه لا تقوم الفدية مقامه أنه لو فرض في الرأس علة تمنع من الحلق وجب الصبر إلى إمكان الحلق ولا تقوم الفدية مقامه ، هذا كلام إمام الحرمين



( فرع ) قال أصحابنا : هذا الذي سبق من أحكام الحلق هو كله فيمن لم يلتزم حلقه ، أما من نذر الحلق في وقته فيلزمه حلقه كله ، ولا [ ص: 190 ] يجزئه التقصير ولا حلق بعض الرأس ولا النتف والإحراق ، ولا استئصال بالمقصين ، ولا أخذه بالنورة ، لأن هذا كله لا يسمى حلقا . وذكر إمام الحرمين في استئصال الشعر بالمقصين وإمرار الموسى من غير استئصال احتمالا ، والمذهب الأول ، لأنه لا يسمى حلقا .

قال الإمام : ولا يشترط الإمعان في الاستئصال بل يكفي ما يسمى حلقا قال : ويقرب الرجوع إلى اعتبار رؤية الشعر ، هذا كله فيما إذا صرح بنذر الحلق ، فلو لبد المحرم رأسه فهذا في العادة لا يفعله إلا من أراد حلقه يوم النحر للنسك . فهل ينزل هذا منزلة نذر الحلق فيه قولان مشهوران في الطريقتين ، ذكرهما الماوردي والفوراني وإمام الحرمين والمتولي وغيرهم من الأصحاب هنا . وذكرهما الأصحاب في كتاب النذر ( أصحهما ) باتفاقهم وهو الجديد لا يلزمه حلقه لكن يستحب وله الاقتصار على التقصير ( والقديم ) أنه يلزمه الحلق كما لو نذره . ونظير المسألة من قلد الهدي هل يصير منذورا ؟ فيه قولان ذكرهما المصنف والأصحاب في كتاب النذر ( أصحهما ) باتفاقهم وهو الجديد لا يصير ( والثاني ) يصير والله أعلم .

واعلم أن ما ذكرناه من وجوب الحلق على من نذره متفق عليه . سواء قلنا الحلق نسك أو استباحة محظور . هكذا قطع به الجمهور ، وحكى الرافعي وجها أنا إذا قلنا ليس هو بنسك لا يلزم بالنذر . لأنه ليس بقربة والله أعلم



( التاسعة ) قد سبق أن الأفعال المشروعة يوم النحر بعد وصوله منى أربعة وهي جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة . والسنة ترتيبها هكذا . فإن خالف ترتيبها نظر إن قدم الطواف على الجميع ، أو قدم الذبح على الجميع بعد دخول وقته ، أو قدم الحلق على الذبح ، جاز بلا خلاف للأحاديث الصحيحة السابقة { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك كله فقال لا حرج } وإن طاف ثم حلق ثم رمى جاز بلا خلاف لما [ ص: 191 ] ذكرناه . وإن قدم الحلق على الرمي والطواف ( فإن قلنا ) إن الحلق نسك جاز ولا دم عليه . كما لو قدم الطواف ( وإن قلنا ) ليس بنسك لم يجز ويلزمه به الدم ، كما لو حلق قبل نصف ليلة النحر . هذا هو المذهب في الطريقتين ، وبه قطع المصنف وجماهير الأصحاب . وحكى الدارمي والرافعي وغيرهما وجها أنه يلزمه الدم ، وإن قلنا هو نسك ، وهذا شاذ باطل وحكى صاحب الحاوي والدارمي على قولنا : أن الحلق استباحة محظور وجهين ( أحدهما ) قال وهو قول البغداديين من أصحابنا عليه الدم لما ذكرنا ( والثاني ) وهو قول أصحابنا البصريين : لا دم عليه ، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق عن صحيح مسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن حلق قبل أن يرمي فقال لا حرج } فحصل ثلاثة أوجه فيمن حلق قبل الرمي والطواف ( أحدها ) لا دم ( والثاني ) يجب ( وأصحها ) وهو المذهب المشهور إن قلنا الحلق ليس بنسك وجب الدم وإلا فلا ، والله أعلم . ويدخل وقت رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة بنصف ليلة النحر بشرط تقدم الوقوف بعرفات ، والحلق إن قلنا نسك فكالرمي والطواف ، وإلا فلا يدخل وقته إلا بفعل الرمي أو الطواف ، والله أعلم



( فرع ) وقت الحلق في حق المعتمر إذا فرغ من السعي ، فلو جامع بعد السعي وقبل الحلق ، فإن قلنا الحلق نسك فسدت عمرته لوقوع جماعه قبل التحلل ( وإن قلنا ) ليس بنسك لم تفسد ، والله أعلم



( فرع ) في مذاهب العلماء في الحلق ، هل هو نسك ؟ ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أنه نسك ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء . وظاهر كلام ابن المنذر والأصحاب أنه لم يقل بأنه ليس بنسك - أحد غير الشافعي في أحد قوليه ولكن حكاه القاضي عياض عن عطاء وأبي ثور وأبي يوسف أيضا



[ ص: 192 ] فرع ) أجمعوا على أن الحلق أفضل من التقصير ، وأن التقصير يجزئ إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول : يلزمه الحلق في أول حجة ولا يجزئه التقصير . وهذا إن صح عنه باطل مردود بالنصوص وإجماع من قبله



( فرع ) لو أخر الحلق إلى بعد أيام التشريق حلق ولا دم عليه . سواء طال زمنه أم لا . وسواء رجع إلى بلده أم لا . هذا مذهبنا وبه قال عطاء وأبو ثور وأبو يوسف وأحمد وابن المنذر وغيرهم . وقال أبو حنيفة إذا خرجت أيام التشريق لزمه الحلق ودم . وقال سفيان الثوري وإسحاق ومحمد : عليه الحلق ودم ، دليلنا : الأصل لا دم .



( فرع ) قال ابن المنذر : أجمعوا أن لا حلق على النساء ، إنما عليهن التقصير قالوا : ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن ، وفيه مثلة . واختلفوا في قدر ما تقصره ، فقال ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : تقصر من كل قرن مثل الأنملة . وقال قتادة : تقصر الثلث أو الربع ، وقالت حفصة بنت سيرين : إن كانت عجوزا من القواعد أخذت نحو الربع ، وإن كانت شابة فلتقلل . وقال مالك : تأخذ من جميع قرونها أقل جزء ، ولا يجوز من بعض القرون . دليلنا في إجزاء ثلاث شعرات أنهن مأمورات بالتقصير ، وهذا يسمى تقصيرا .



( فرع ) من لا شعر على رأسه لا حلق عليه ولا فدية ، ويستحب إمرار الموسى على رأسه ولا يجب ، ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على أن الأصلع يمر الموسى على رأسه . وحكى أصحابنا عن أبي بكر بن أبي داود أنه قال : لا يستحب [ ص: 193 ] إمراره ، وهو محجوج بإجماع من قبله . وقال أبو حنيفة : هذا الإمرار واجب ، ووافقنا مالك وأحمد أنه مستحب . واحتج لأبي حنيفة بحديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { المحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يمر الموسى على رأسه } قالوا ولأنه حكم تعلق بالرأس ، فإذا فقد الشعر انتقل الوجوب إلى نفس الرأس كالمسح في الوضوء ، ولأنها عبادة تجب الكفارة بإفسادها فوجب التشبيه في أفعالها ، كالصوم فيما إذا قامت بينة في أثناء يوم الشك برؤية الهلال .

واحتج أصحابنا بأنه فرض تعلق بجزء من الآدمي فسقط بفوات الجزء ، كغسل اليد في الوضوء فإنه يسقط بقطعها . فإن قيل الفرض هناك متعلق باليد ، وقد سقطت ، وهنا متعلق بالرأس وهو باق ( قلنا ) بل الفرض متعلق بالشعر فقط ولهذا لو كان على بعض رأسه شعر دون بعض لزمه الحلق في الشعر ولا يكفيه الاقتصار على إمرار الموسى على ما لا شعر عليه ، ولو تعلق الفرض عليه لأجزأه .

والجواب عن حديث ابن عمر أنه ضعيف ظاهر الضعف ، قال الدارقطني وغيره : لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو مروي موقوفا على ابن عمر ( قلت ) وهو موقوف ضعيف أيضا كما سبق بيانه ، ولو صح لحمل على الندب ، والجواب عن قياسهم على المسح في الوضوء من وجهين ( أحدهما ) أن الفرض هناك تعلق بالرأس . قال الله تعالى { وامسحوا برءوسكم } وهنا تعلق بالشعر بدليل ما قدمناه قريبا .

( والثاني ) أنه إذا مسح بشعر الرأس سمي ماسحا فلزمه ، وإذا أمر الموسى لا يسمى حالقا .

وأما الجواب عن قياسهم على الصوم فهو أنه مأمور بإمساك جميع النهار فبقيته بعض ما تناوله الأمر ، وهنا إنما هو مأمور بإزالة الشعر ، ولم يبق شيء منه . والله تعالى أعلم



[ ص: 194 ] فرع ) قد ذكرنا أن الواجب من الحلق أو التقصير عندنا ثلاث شعرات وبه قال أبو ثور . وقال مالك وأحمد : يجب أكثر الرأس . وقال أبو حنيفة يجب ربعه ، وقال أبو يوسف : نصفه ، احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه . { وقال صلى الله عليه وسلم لتأخذوا عني مناسككم } وهو حديث صحيح كما سبق مرات . قالوا : ولأنه لا يسمى حالقا بدون أكثره . واحتج أصحابنا بقوله تعالى { محلقين رءوسكم } والمراد شعور رءوسكم ، والشعر أقله ثلاث شعرات ، ولأنه يسمى حالقا ، يقال حلق رأسه وربعه وثلاث شعرات منه فجاز الاقتصار على ما يسمى حلق شعر ، وأما حلق النبي صلى الله عليه وسلم جميع رأسه فقد أجمعنا على أنه للاستحباب ، وأنه لا يجب الاستيعاب . وأما قولهم : لا يسمى حلقا بدون أكثره فباطل ، لأنه إنكار للحس واللغة والعرف والله أعلم .

( فرع ) مذهبنا أنه يستحب في الحلق أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق وإن كان على يسار الحالق . وقال أبو حنيفة : يبدأ بالشق الأيسر ليكون على يمين الحالق ، وهذا منابذ لحديث أنس الذي ذكره المصنف وبيناه



( فرع ) ذكرنا أن مذهبنا أنه لو قدم الحلق على الذبح جاز ولا دم عليه ، ولو قدم الحلق على الرمي فالأصح أيضا أنه يجوز ولا دم عليه ، وقال أبو حنيفة : إذا قدم الحلق على الذبح لزمه دم إن كان قارنا أو متمتعا ولا شيء على المفرد ، وقال مالك إذا قدمه على الذبح فلا دم عليه ، وإن قدمه على الرمي لزمه الدم . وقال أحمد : إن قدمه على الذبح أو الرمي جاهلا أو ناسيا فلا دم ، وإن تعمد ففي وجوب الدم روايتان عنه ، وعن مالك روايتان فيمن قدم [ ص: 195 ] طواف الإفاضة على الرمي ( إحداهما ) يجزئه الطواف ، وعليه دم ( والثانية ) لا يجزئه ، وقال سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وقتادة ورواية ضعيفة عن ابن عباس عليه الدم متى قدم شيئا على شيء من هذه ، دليلنا الأحاديث الصحيحة السابقة ( لا حرج ) ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين عالم وجاهل ( فإن قالوا ) المراد لا إثم لكونه ناسيا ( قلنا ) ظاهره لا شيء عليه مطلقا ، وأجمعوا على أنه لو نحر قبل الرمي لا شيء عليه والله أعلم .

( فرع ) ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أن من لبد رأسه ولم ينذر حلقه لا يلزمه حلقه ، بل يجزئه التقصير كما لو لم يلبد ، وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة . وأوجب الحلق عمر بن الخطاب وابنه والثوري ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر ، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء .

( فرع ) قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه قلم أظفاره ، قال : وكان ابن عمر يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره إذا رمى الجمرة ، والله أعلم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث