الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويستحب دخول البيت لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له } ويستحب أن يصلي فيه ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام ، فإنه أفضل بمائة صلاة } ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ماء زمزم لما شرب له } ويستحب إذا خرج من مكة أن يخرج من أسفلها ، لما روت عائشة رضي الله عنها " { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها ، وخرج من أسفلها } قال أبو عبد الله الزبيري : ويخرج وبصره إلى البيت حتى يكون آخر عهده بالبيت " ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس رواه البيهقي وقال : تفرد به عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف . وأما حديث ابن عمر بلفظه المذكور فغريب ، ويغني عنه أحاديث كثيرة ( منها ) حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " { صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام } رواه البخاري ومسلم ، ورواه مسلم أيضا مرفوعا من رواية ابن عمر ومن رواية ميمونة كلهم بهذا اللفظ [ ص: 246 ] وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي } رواه أحمد في مسنده والبيهقي بإسناد حسن . وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام فهو أفضل } رواه البيهقي ، والله أعلم .

وأما حديث { ماء زمزم لما شرب له } فرواه البيهقي بإسناد ضعيف من رواية جابر . تفرد به عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف ويغني عنه ما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى وأما حديث عائشة فرواه البخاري ومسلم ، وسبق بيانه في أول هذا الباب والله تعالى أعلم .

وأما زمزم فبئر معروفة في المسجد الحرام ، بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعا قيل سميت زمزم لكثرة مائها . يقال ماء زمزم وزمزوم وزمازم إذا كان كثيرا وقيل لضم هاجر رضي الله عنها لمائها حين انفجرت وزمها إياه . وقيل لزمزمة جبريل صلى الله عليه وسلم وكلامه ، وقيل إنها غير مشتقة ، ولها أسماء أخر ( منها ) برة وهزمة جبريل ، والهزمة الغمزة بالعقب في الأرض ( ومنها ) المضنونة ، وتكتم وشباعة وغير ذلك ، وقد ذكرت في تهذيب اللغات نفائس أخرى تتعلق بزمزم والله أعلم .

[ ص: 247 ] أما الأحكام ) ففيها مسائل ( إحداها ) يستحب دخول الكعبة والصلاة فيها ، وأقل ما ينبغي أن يصلى ركعتين ، واستدل المصنف وغيره بحديث ابن عباس المذكور ، وهو ضعيف كما سبق ، ويغني عنه أحاديث كثيرة في الصحيح منها حديث ابن عمر قال { دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم ، فلما فتحوا كنت أول من ولج ، فلقيت بلالا فسألته : هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم ، بين العمودين اليمانيين } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية { إن ذلك كان يوم فتح مكة } " وعن نافع عن ابن عمر أنه { سأل بلالا أين صلى رسول الله يوم فتح مكة } وعن نافع عن ابن عمر أنه { سأل بلالا أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في الكعبة ؟ - فأراه بلال حيث صلى ولم يسأله ، قال : وكان ابن عمر إذا دخل البيت مشى قبل وجهه وجعل الباب قبل ظهره ثم مشى حتى يكون بينه وبين الجدار قريب من ثلاثة أذرع ، ثم صلى يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه } رواه البخاري . وعن ابن عباس قال " أخبرني أسامة بن زيد رضي الله عنهم { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه } قال العلماء : الأخذ برواية بلال في إثبات الصلاة أولى لأنه مثبت فقدم على النافي ، ولأنه شاهد بعينه ما لم يشاهده أسامة ، وسببه أن بلالا كان قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى ، راقبه في ذلك فرآه يصلي ، وكان أسامة متباعدا مشتغلا بالدعاء والباب مغلق فلم ير الصلاة فوجب الأخذ برواية بلال ، لأن معه زيادة علم .

وعن [ ص: 248 ] سالم بن عبد الله { أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول : عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف ؟ يدع ذلك إجلالا لله تعالى وإعظاما ، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها } رواه البيهقي .

وأما حديث إسماعيل بن أبي خالد قال { قلت لعبد الله بن أبي أوفى : أدخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت في عمرته ؟ قال لا } " رواه البخاري ومسلم . وعن عائشة قالت { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس ، ثم رجع إلي وهو حزين ، فقلت : يا رسول الله خرجت من عندي وأنت كذا وكذا . قال إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلته ، إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي بعدي } رواه البيهقي قال البيهقي : هذا كان في حجته صلى الله عليه وسلم وحديث ابن أبي أوفى في عمرته فلا معارضة بينهما ، والله أعلم .

( فرع ) ينبغي لداخل الكعبة أن يكون متواضعا خاشعا خاضعا ، لما ذكرناه من حديث عائشة ، ولأنه أشرف الأرض ومحل الرحمة والأمان ، ويدخل حافيا ويصلي في الموضع الذي ذكره ابن عمر في حديثه السابق ، وهو مقابل باب الكعبة على ثلاث أذرع من الجدار المقابل للباب



( فرع ) قد سبق في باب استقبال القبلة أن مذهبنا جواز صلاة الفرض والنفل في الكعبة ، وأن النفل فيها أفضل من خارجها ، وكذا الفرض الذي لا يرجى له جماعة



( فرع ) يستحب الإكثار من دخول الحجر والصلاة فيه والدعاء ، لأنه من البيت أو بعضه ، وقد سبق أن الدعاء يستجاب فيه .



( فرع ) إذا دخل الكعبة فليحذر كل الحذر من الاغترار بما [ ص: 249 ] أحدثه بعض أهل الضلالة في الكعبة المكرمة ، قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله ابتدع من قريب بعض الفجرة المختالين في الكعبة المكرمة أمرين باطلين عظم ضررهما على العامة ( أحدهما ) ما يذكرونه من العروة الوثقى ، عمدوا إلى موضع عال من جدار البيت المقابل لباب البيت فسموه بالعروة الوثقى ، وأوقعوا في نفوس العامة أن من ناله فقد استمسك بالعروة الوثقى ، فأحوجوهم إلى مقاساة عناء وشدة في الوصول إليها ، ويركب بعضهم بعضا ، وربما صعدت المرأة على ظهر الرجل ، ولامست الرجال ولامسوها ، فلحقهم بذلك أنواع من الضرر دينا ودنيا ( الثاني ) مسمار في وسط الكعبة سموه سرة الدنيا ، وحملوا العامة على أن يكشف أحدهم سرته وينبطح بها على ذلك المسمار ، ليكون واضعا سرته على سرة الدنيا ، قاتل الله واضع ذلك ومخترعه . هذا كلام أبي عمرو ، وهذا الذي قاله كما قال فهما أمران باطلان أحدثوهما لأغراض فاسدة وللتوصل إلى سحت يأخذونه من العامة والله أعلم ( فرع ) هذا الذي ذكرنا من استحباب دخول البيت هو فيما إذا لم يتضرر هو ، ولا يتضرر به أحد فإن تأذى أو آذى لم يدخل ، وهذا مما يغلط فيه كثير من الناس فيتزاحمون زحمة شديدة بحيث يؤذي بعضهم بعضا ، وربما انكشفت عورة بعضهم أو كثير منهم ، وربما زاحم المرأة وهي مكشوفة الوجه ولامسها ، وهذا كله خطأ تفعله الجهلة ويغتر بعضهم ببعض ، وكيف يحاول العاقل سنة بارتكاب محرم من الأذى وغيره والله أعلم



( فرع ) للجالس في المسجد الحرام استقبال الكعبة والنظر إليها والقرب منها وينظر إليها إيمانا واحتسابا ، وقد جاءت آثار كثيرة في النظر إليها .



( فرع ) ينبغي للحاج والمعتمر أن يغتنم مدة إقامته بمكة ، ويكثر [ ص: 250 ] الاعتمار والطواف والصلاة في المسجد الحرام ، وسبق بيان الخلاف في الطواف والصلاة أيهما أفضل ؟ في مسائل طواف القدوم . ويستحب أن يزور المواضع المشهورة بالفضل في مكة ، وهي ثمانية عشر ( منها ) بيت المولد ، وبيت خديجة ، ومسجد دار الأرقم ، والغار الذي في ثور والغار الذي في حراء ، وقد أوضحتها في كتاب المناسك والله أعلم



( المسألة الثانية ) قال الشافعي والأصحاب وغيرهم : يستحب أن يشرب من ماء زمزم ، وأن يكثر منه ، وأن يتضلع منه - أي يتملى - ويستحب أن يشربه لمطلوباته من أمور الآخرة والدنيا ، فإذا أراد أن يشربه للمغفرة أو الشفاء من مرض ونحوه استقبل القبلة ثم ذكر اسم الله تعالى ، ثم قال ( اللهم إنه بلغني أن رسولك صلى الله عليه وسلم قال : { ماء زمزم لما شرب له } اللهم إني أشربه لتغفر لي ، اللهم فاغفر لي أو اللهم إني أشربه مستشفيا به [ من ] مرض ، اللهم فاشفني ) ونحو هذا ، ويستحب أن يتنفس ثلاثا كما في كل شرب ، فإذا فرغ حمد الله تعالى وقد جاء في هذه المسائل أحاديث كثيرة .

( منها ) حديث جابر قال { ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر . فأتى بني عبد المطلب يستقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ، فناولوه دلوا فشرب منه } رواه مسلم . وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ماء زمزم { إنها مباركة إنها طعام طعم وشفاء سقم } رواه مسلم .

وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم { أتى زمزم فشرب ، وهم يسقون من زمزم فقال : أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا } وفي رواية { إنكم على عمل صالح } رواه البخاري ومسلم .

[ ص: 251 ] وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ماء زمزم لما شرب له } وقد سبق بيانه . وعن عثمان بن الأسود قال { حدثني جليس لابن عباس قال : قال لي ابن عباس : من أين جئت ؟ قلت : شربت من زمزم قال : شربت كما ينبغي ؟ قلت : كيف أشرب ؟ قال : إذا شربت فاستقبل القبلة ، ثم اذكر الله تعالى ، ثم تنفس ثلاثا وتضلع منها ، فإذا فرغت فاحمد الله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم } وفي رواية عن عثمان بن أبي الأسود عن أبي مليكة قال { جاء رجل إلى ابن عباس فقال له : من أين جئت ؟ قال شربت من زمزم فذكر بنحوه } رواهما البيهقي والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا : يستحب أن يشرب من نبيذ سقاية العباس إن كان هناك نبيذ - قالوا : والنبيذ : الذي يجوز شربه ما لم يسكر ( واحتجوا ) للمسألة بحديث ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم - يعني بعد فراغه من طواف الإفاضة إلى زمزم - فاستسقى قال : فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة }



( الثالثة ) السنة إذا أراد الخروج من مكة إلى وطنه - أن يخرج من أسفلها من ثنية كدى - بضم الكاف والقصر - وقد سبقت المسألة واضحة في أول الباب ، وعجب كيف ذكرها المصنف في موضعين من الباب .

( الرابعة ) قال المصنف عن الزبير " يستحب أن يخرج وبصره إلى البيت حتى يكون آخر عهده بالبيت " وبهذا قطع جماعة آخرون . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه وآخرون : يلتفت إليه في حال انصرافه كالمتحزن عليه . وقال جماعة من أصحابنا : يخرج ماشيا تلقاء وجهه ، ويولي الكعبة ظهره ، ولا يمشي قهقرى أي كما يفعله كثير من الناس ، قالوا : بل المشي قهقرى مكروه ، لأنه بدعة ليس فيه سنة مروية . ولا أثر لبعض [ ص: 252 ] الصحابة . فهو محدث لا أصل له فلا يفعل . وقد جاء عن ابن عباس ومجاهد كراهة قيام الرجل على باب المسجد ناظرا إلى الكعبة إذا أراد الانصراف إلى وطنه بل يكون آخر عهده الدعاء في الملتزم ، وهذا الوجه الثالث هو الصواب وممن قطع به من أئمة أصحابنا أبو عبد الله الحليمي والماوردي



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث