الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الفوات والإحصار

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 273 ] باب الفوات والإحصار قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن أحرم بالحج ولم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج . وعليه أن يتحلل بعمل عمرة ، وهي الطواف والسعي والحلق ، ويسقط عنه المبيت والرمي وقال المزني : لا يسقط المبيت والرمي ، كما لا يسقط الطواف والسعي . وهذا خطأ لما روى الأسود عن عمر رضي الله عنه أنه قال لمن فاته الحج " تحلل بعمل عمرة وعليك الحج من قابل وهدي " ولأن المبيت والرمي من توابع الوقوف ، ولهذا لا يجب على المعتمر حين لم يجب عليه الوقوف ، وقد سقط الوقوف ههنا فسقطت توابعه بخلاف الطواف والسعي فإنهما غير تابعين للوقوف فبقي فرضهما ، ويجب عليه القضاء لحديث عمر رضي الله عنه ولأن الوقوف معظم الحج ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم { الحج عرفة } وقد فاته ذلك فوجب قضاؤه . وهل يجب القضاء على الفور أم لا ؟ فيه وجهان كما ذكرناه فيمن أفسد الحج ، ويجب عليه هدي ، لقول عمر رضي الله عنه ولأنه تحلل من الإحرام قبل الإتمام فلزمه الهدي كالمحصر ، ومتى يجب الهدي ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) يجب مع القضاء لقول عمر رضي الله عنه ولأنه كالمتمتع ، ودم التمتع لا يجب إلا إذا أحرم بالحج ( والثاني ) يجب في عامه كدم الإحصار ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما الأثر المذكور أولا عن عمر رضي الله عنه فصحيح رواه الشافعي والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة . وأما حديث { الحج عرفة } فسبق بيانه في فصل الوقت بعرفات .

( أما الأحكام ) فإذا أحرم بالحج فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بالإجماع ويلزمه أن يتحلل بأعمال عمرة ، وهي الطواف والسعي والحلق فأما الطواف فلا بد منه بلا خلاف . وأما السعي فإن كان سعى عقب طواف القدوم كفاه ذلك ولا يسعى بعد الفوات .

وقد [ ص: 274 ] أهمل المصنف بيان هذا ، ولا بد من التنبيه عليه كما قاله الأصحاب ، وإن لم يكن سعى وجب السعي بعد الطواف هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والعراقيون . وقال الخراسانيين : للشافعي نصان ( أحدهما ) نصه في المختصر أنه يطوف ويسعى ويحلق ( والثاني ) نصه في الإملاء أنه يطوف ويحلق ، قال القاضي حسين نص عليه في الإملاء وحرملة ، ونقله القفال وصاحب البحر عن نصه في القديم قال الخراسانيين : للأصحاب في هذين النصين طريقان ( أصحهما ) باتفاقهم أنه يجب السعي لحديث عمر رضي الله عنه ولأن السعي ملازم للطواف في النسك ( والثاني ) لا يجب لأنه ليس من أسباب التحلل ، والطريق الثاني : يجب قولا واحدا . واختلفوا على هذا في تأويل نص الشافعي في الإملاء وحرملة والقديم فذكر القاضي حسين والبغوي والروياني وآخرون أنه محمول على من كان سعى بعد طواف القدوم ، وذكر إمام الحرمين تأويلا آخر أنه اقتصر على الطواف في اللفظ ومراده الطواف مع السعي ، وإنما حذفه اختصارا للعلم به ، قال : وهذا معتاد في الكلام والله أعلم .

وأما الحلق : فإن قلنا : هو نسك وجب وإلا فلا والحاصل مما ذكرناه أنه يجب الطواف قطعا ، وفي السعي طريقان ( المذهب ) وجوبه ( والثاني ) على قولين وفي الحلق قولان ( أصحهما ) وجوبه ( والثاني ) لا ، وإن اقتصرت على الراجح ( قلت ) يجب الطواف والسعي والحلق ، وأما المبيت والرمي ، فإن فات وقتهما لم يجبا ، وإن بقي فوجهان ( الصحيح ) المنصوص ، وبه قطع جمهور أصحابنا لا يجبان ( والثاني ) يجبان . قاله المزني والإصطخري ، ودليل الجميع في الكتاب والله تعالى أعلم .

قال أصحابنا : وإذا تحلل بأعمال العمرة لا ينقلب حجه عمرة ، ولا [ ص: 275 ] تجزئه عن عمرة الإسلام ، ولا تحسب عمرة أخرى ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الأصحاب ، وحكى إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي السنجي أنه حكى في شرح التلخيص وجها أنه ينقلب عمرة مجزئة ، وهذا شاذ ضعيف جدا ، وعلى هذا الشاذ لا بد من الطواف والسعي ، وكذا الحلق إذا جعلناه نسكا والله أعلم .

قال الشافعي والأصحاب : ومن فاته الحج وتحلل يلزمه القضاء ، هكذا أطلقوه . ودليله ما ذكره المصنف ، وعبر بعض الخراسانيين عبارة أخرى توافق هذه في الحكم فقالوا : إن كان تحلله من حجة واجبة بقيت في ذمته كما كانت ، وإن كان من حجة تطوع لزمه قضاؤها كما لو أفسدها . وفي وجوب القضاء على الفور - وهو في السنة الآتية - وجهان كما سبق في الإفساد ( أصحهما ) يجب على الفور ، لحديث عمر رضي الله عنه . وممن صرح بتصحيحه الماوردي والروياني والرافعي ، ولا يلزمه قضاء عمرة مع قضاء الحج عندنا بلا خلاف ، ويجب عليه دم الفوات وهو شاذ . وهل يجب في سنة الفوات أم في سنة القضاء ؟ فيه خلاف ، منهم من يحكيه قولين ، ومنهم من يحكيه وجهين كما حكاه المصنف ( أصحهما ) يجب تأخيره إلى سنة القضاء وهو نصه في الإملاء والقديم ( والثاني ) يجب في سنة الفوات ، وله تأخيره إلى سنة القضاء ، فعلى الأول في وقت وجوبه وجهان حكاهما البندنيجي وغيره .

( أحدهما ) يجب في سنة الفوات ، وإن وجب تأخيره كما يجب فيها القضاء ( وأصحهما ) أن الوجوب في سنة القضاء ، لأنه لو وجب في سنة الفوات لجاز إخراجه فيها فإنه ممكن بخلاف القضاء ، فإنه لا يمكن فيها . وقد سبق في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام بيان هذا الخلاف وما يتفرع عليه . وبيان بدل هذا الدم إذا عجز عنه والله أعلم .

[ ص: 276 ] ثم إنه إنما يلزم دم واحد كما ذكرنا . هذا هو المذهب المنصوص . وبه قطع الأصحاب في الطريقين . وحكى صاحب التقريب وإمام الحرمين ومتابعوه قولا آخر غريبا ضعيفا : أنه يلزمه دمان ( أحدهما ) في مقابلة الفوات ( والثاني ) لأنه في قضاء يشبه التمتع لكونه تحلل بين النسكين والله أعلم .



( فرع ) قال أصحابنا : لا فرق في الفوات بين المعذور وغيره فيما ذكرناه لكن يفترقان في الإثم . فلا يأثم المعذور ويأثم غيره . كذا صرح بإثمه القاضي أبو الطيب وغيره ، والله أعلم .



( فرع ) قال أصحابنا : المكي وغير المكي سواء في الفوات . وترتب الأحكام ووجوب الدم بخلاف التمتع . فإن المكي لا دم عليه فيه ، لأن الفوات يحصل من المكي كحصوله من غيره ( وأما ) دم التمتع فإنما يجب لترك الميقات والمكي لا يترك الميقات لأن ميقاته موضعه والله أعلم



( فرع ) إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج وفرغ منها ثم أحرم بالحج ففاته لزمه قضاء الحج دون العمرة . لأن الذي فاته الحج دون العمرة يلزمه دمان دم الفوات ودم التمتع



( فرع ) هذا الذي سبق كله فيمن أحرم بالحج وحده وفاته . فأما من أحرم بالعمرة فلا يتصور فواتها . لأن جميع الزمان وقت لها ( وأما ) من أحرم بالحج والعمرة قارنا ففاته الوقوف ، فإن العمرة تفوت بفوات الحج لأنها مندرجة فيه وتابعة له . ولأنه إحرام واحد فلا يتبعض حكمه . هذا هو المذهب ، وبه قطع جمهور العراقيين وجماعات من الخراسانيين . وحكى الماوردي في الحاوي والدارمي والقفال والقاضي حسين [ ص: 277 ] والفوراني والبغوي والمتولي والروياني وآخرون من الخراسانيين في العمرة قولين ( أصحهما ) وجوب قضائها لما ذكرناه ( والثاني ) لا يستحب بل إذا تحلل بالطواف والسعي والحلق حصلت العمرة . لأنها لا تفوت بخلاف الحج . قال القاضي حسين : هذان القولان مبنيان على أن النسك الواحد هل يتبعض حكمه إذا جمع بينهما بأن استأجر من يحج ويعتمر . وكان المستأجر قد أدى عن نفسه أحد النسكين فأحرم الأجير بهما وفرغ منهما ؟ وفيه قولان ( أحدهما ) لا يتبعض . فيكونان عن المستأجر . فعلى هذا تفوته العمرة بفوات الحج ( والثاني ) يتبعض . فيقع أحدهما عنه فعلى هذا لا تفوت العمرة . وقال المتولي : أصل القولين أن العمرة هل يسقط اعتبارها في القران ؟ أم يقع العمل عنهما جميعا وفيه خلاف سبق بيانه ( فإن قلنا ) يسقط اعتبارها فاتت بفوات الحج ( وإن قلنا ) لا يسقط اعتبارها ، بل تقع الأعمال عنهما حسبت عمرته والله أعلم .

قال أصحابنا : وعليه القضاء قارنا ، ويلزمه ثلاثة دماء : دم للفوات ، ودم للقران الفائت ، ودم ثالث للقران الذي أتى به في القضاء . فإن قضاهما مفردا أجزأه عن النسكين . ولا يسقط عنه الدم الثالث الواجب بسبب الفوات في القضاء لأنه توجه عليه القران ودمه ، فإذا تبرع بالإفراد لا يسقط الدم الواجب . وقد قال الشافعي رحمه الله : فإن قضاه مفردا لم يكن له . قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : مراده أنه لا يسقط الدم الثالث . لأنه بالفوات لزمه القضاء قارنا مع دم . فإذا قضى الحج والعمرة مفردا أجزأه . لأنه أكمل من القران ، ولا يسقط الدم لما ذكرناه . قال الروياني : قال ابن المرزبان : وقد نص الشافعي على هذا في الإملاء . وشذ الدارمي فحكى وجها غريبا أنه إذا قضاه مفردا سقط الدم الثالث . وهذا ضعيف جدا ، والصواب ما سبق . قال الروياني : ولو قضاه [ ص: 278 ] مفردا فأتى بالعمرة بعد الحج ، قال الشافعي في الإملاء : يحرم بالعمرة من الميقات . لأنه كان أحرم بها من الميقات في سنة الفوات . قال : فإن أحرم بها من أدنى الحل لم يلزمه أكثر من الدماء الثلاثة . لأنه وإن ترك الإحرام من الميقات فالدم الواجب بسبب الميقات ، ودم القران بسبب الميقات ، فتداخلا : قال : وإن قضاه متمتعا أجزأه إلا أنه يحرم بالحج من الميقات ، فإن أحرم به من جوف مكة وجب دم التمتع ، ودخل فيه دم القران لأنه بمعناه . فالحاصل أنه يلزمه ثلاثة دماء . سواء قضى مفردا أو متمتعا أو قارنا ، والله أعلم



( فرع ) قال القفال والروياني وغيرهما : كما أن العمرة تابعة للحج للفوات في حق القارن ، فهي أيضا تابعة له في الإدراك في حق القارن حتى لو رمى القارن وحلق ، ثم جامع لم تفسد عمرته كما لا يفسد حجه ، وإن لم يكن أتى بأعمال العمرة وهذا الذي ذكروه هو المذهب ، وفي المسألة وجه ضعيف جدا غريب ، سبق بيانه في باب محظورات الإحرام في مسائل الجماع أنه يفسد عمرته والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا أن من فاته الحج تحلل بطواف وسعي وحلق قال الماوردي وغيره . : فإن كان معه هدي ذبحه قبل الحلق كما يفعل من لم يفته



( فرع ) قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم : لو أراد صاحب الفوات استدامة إحرامه إلى السنة الآتية لم يجز ، لأنه يصير محرما بالحج في غير أشهره والبقاء على الإحرام كابتدائه ، ونقل أبو حامد هذا عن نص الشافعي قال : وهو إجماع الصحابة



( فرع ) قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني : قال ابن المرزبان : صاحب الفوات له حكم من تحلل التحلل الأول ، لأنه لما [ ص: 279 ] فاته الوقوف سقط عنه الرمي فصار كمن رمى فإن وطىء لم يفسد إحرامه ، وإن تطيب أو لبس لم يلزمه الفدية ، قال القاضي والروياني : وهذا على قولنا الحلق ليس بنسك ( فإن قلنا ) احتاج إلى الحلق أو الطواف حتى يحصل التحلل الأول . وقد صرح الدارمي بما قاله القاضي والروياني



( فرع ) لو أفسد حجه بالجماع ثم فاته ، قال الأصحاب : عليه دمان . دم للإفساد وهو بدنة ، ودم للفوات وهو شاة .



( فرع ) في مذاهب العلماء . قد ذكرنا أن مذهبنا أن من فاته الحج لزمه التحلل بعمل عمرة وعليه القضاء ودم ، وهو شاة ، ولا ينقلب إحرامه عمرة ، وهو مذهب عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس ومالك وأبي حنيفة ، إلا أن أبا حنيفة ومحمدا قالا : لا دم عليه ، ووافقا في الباقي . وقال أبو يوسف وأحمد في أصح الروايتين : ينقلب عمرة مجزئة عن عمرة سبق وجوبها ، ولا دم . وقال المزني كقولنا ، وزاد وجوب المبيت والرمي كما سبق عنه .

دليلنا ما روى البيهقي بإسناده الصحيح عن ابن عمر أنه قال : " من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر فقد فاته الحج ، فليأت البيت فليطف به سبعا ، وليطف بين الصفا والمروة سبعا ثم ليحلق أو يقصر إن شاء ، وإن كان معه هدي فلينحره قبل أن يحلق ، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر ثم ليرجع إلى أهله ، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع وليهد في حجه ، فإن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله وروى مالك في الموطأ والشافعي والبيهقي وغيرهم بأسانيدهم [ ص: 280 ] الصحيحة عن سليمان بن يسار " أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجا حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة ضلت راحلته ، فقدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم النحر فذكر ذلك له ، فقال له عمر : اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت ، فإذا أدركت الحج قابلا فاحجج وأهد ما استيسر من الهدي " وروى مالك أيضا في الموطأ بإسناده عن سليمان بن يسار أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه ، فقال يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة ، فقال له عمر : اذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومن معك ، واسعوا بين الصفا والمروة ، وانحروا هديا إن كان معكم ، ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا فإذا كان عام قابل فحجوا وأهدوا ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع " . وعن الأسود قال " سألت عمر عن رجل فاته الحج قال : يهل بعمرة وعليه الحج من قابل . ثم سألت في العام المقبل زيد بن ثابت عنه قال : يهل بعمرة وعليه الحج من قابل " رواه البيهقي بإسناد صحيح ، ورواه هكذا من طرق . قال البيهقي : وروى عن إدريس الأودي عنه قال : ويهريق دما . قال البيهقي روايات الأسود عن عمر متصلات ، ورواية سليمان بن يسار عنه منقطعة . قال الشافعي : الرواية المتصلة عن عمر فيها زيادة ، والذي يزيد في الحديث أولى بالحفظ ممن لم يزد . وقد رويناه عن ابن عمر كما سبق متصلا ، ورواية إدريس الأودي إن صحت تشهد لرواية سليمان بن يسار بالصحة وروى إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن نافع عن سليمان بن يسار عن هبار بن الأسود أنه حدثه أنه فاته الحج ، فذكره موصولا . هذا آخر كلام البيهقي ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث