الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شرع من قبلنا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 169 ] الأصول المختلف فيها أربعة :

أحدها : شرع من قبلنا ما لم يرد نسخه - شرع لنا في أحد القولين ، اختاره التميمي والحنفية ، والثاني : لا ، وللشافعية كالقولين .

المثبت : إنا أنزلنا التوراة الآية ، ودلالتها من وجهين : فبهداهم اقتده ، اتبع ملة إبراهيم ، شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، وقال - صلى الله عليه وسلم : كتاب الله القصاص ، وليس في القرآن : السن بالسن إلا ما حكي فيه عن التوراة ، وراجع - صلى الله عليه وسلم - التوراة في رجم الزانيين ، واستدل بـ وأقم الصلاة لذكري على قضاء المنسية عند ذكرها .

وأجيب : بأن المراد من الآيات : التوحيد والأصول الكلية ، وهي مشتركة بين الشرائع ، و كتاب الله القصاص إشارة إلى عموم : فمن اعتدى ، أو ( والجروح قصاص ) على قراءة الرفع ، ومراجعته التوراة تحقيقا لكذبهم وإنما حكم بالقرآن ، وأقم الصلاة لذكري قياس أو تأكيد لدليله به ، أو علم عمومه له ، لا حكم بشرع موسى .

التالي السابق


" الأصول المختلف فيها أربعة " :

لما فرغ من الكلام على الأصول المتفق عليها ، وهي : الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، واستصحاب الحال ، أخذ في الكلام على الأصول المختلف فيها ، وهي أربعة أيضا : شرع من قبلنا ، وقول الصحابي ، والاستحسان ، والاستصلاح .

قوله : " أحدها " ، أي : أحد الأصول المذكورة : " شرع من قبلنا ما لم يرد نسخه - شرع لنا " . أي : شرع من قبلنا إن ورد ناسخه في شرعنا ، فليس شرعا [ ص: 170 ] لنا ، وإن لم يرد له ناسخ في شرعنا ، فهو شرع لنا " في أحد القولين " عن أحمد ، و " اختاره التميمي " من أصحابنا " والحنفية " .

قال الآمدي : هو المنقول عن بعض الشافعية وبعض الحنفية ، والقول " الثاني " ليس شرعا لنا ، " وللشافعية كالقولين " .

قال الآمدي : وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة ، واختاره .

قوله : " المثبت " أي : احتج المثبت لكونه شرعا لنا بوجوه :

أحدها : قوله - عز وجل : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا [ المائدة : 44 ] " ودلالتها من وجهين " :

أحدهما : أنه جعلها مستندا للمسلمين في الحكم ، وهو نص في المسألة .

الوجه الثاني : قوله - عز وجل - في آخرها : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ المائدة : 44 ] ، وهو عام في المسلمين وغيرهم .

الوجه الثاني من أدلة المسألة : قوله - سبحانه وتعالى - مخاطبا لنبينا - عليه السلام : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : 90 ] يعني أنبياء بني إسرائيل ، وأمره له بالاقتداء بهم يقتضي أن شرعهم شرع له قطعا .

الوجه الثالث : قوله تعالى : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [ النحل : 123 ] ; أمره باتباع ملة إبراهيم ، وهي من شرع من قبله ، ثم أمره - سبحانه وتعالى - بالإخبار بذلك بقوله : [ ص: 171 ] قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين [ الأنعام : 161 ] ، وذلك يدل على أنه متعبد بشرع من قبله .

الوجه الرابع : قوله - سبحانه وتعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى [ الشورى : 13 ] الآية ، وهي تدل على أن الشرعين سواء ، وهو المراد بترجمة المسألة .

الوجه الخامس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في قصة الربيع بالقصاص في السن ، " وقال : كتاب الله القصاص وليس في القرآن : السن بالسن إلا ما حكي فيه عن التوراة " بقوله - عز وجل : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس إلى قوله - عز وجل : والسن بالسن [ المائدة : 45 ] ، فدل على أنه - عليه السلام - قضى بحكم التوراة ، ولم يكن شرعا له ، لما قضى به .

الوجه السادس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " راجع التوراة في رجم الزانيين " من اليهود ، فلما وجد فيها أنهما يرجمان ، رجمهما ، وذلك يدل على ما قلناه .

الوجه السابع : أنه - عليه السلام - " استدل " على وجوب " قضاء المنسية عند ذكرها " بقوله - سبحانه وتعالى : إنني أنا الله لا إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري [ طه : 14 ] ، وإنما الخطاب فيها لموسى - عليه السلام - على ما دل عليه سياق القرآن ، وذلك لما نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - منزلا ، فنام فيه وأصحابه ، حتى فات وقت صلاة الصبح ، أمرهم ، فخرجوا عن الوادي ، ثم صلى بهم [ ص: 172 ] الصبح ، واستدل بالآية .

فهذه سبعة أوجه احتج بها من أثبت أن شرع من قبلنا شرع لنا .

قوله : " وأجيب " ، أي : أجاب النافون لذلك عن هذه الأوجه السبعة بأن قالوا : " إن المراد من الآيات " المذكورة في الأوجه الأربعة الأول إنما هو " التوحيد والأصول الكلية " المعروفة بأصول الدين ، وما يجوز على البارئ جل جلاله وما لا يجوز ، " وهي " أي : الأصول الكلية " مشتركة بين الشرائع " كلها ، وذلك مثل قولنا : الله واحد أحد أزلي باق سرمدي ، ليس كمثله شيء ، خالق للعالم ، مرسل للرسل ، فعال لما يريد ، ليس بجائر ولا ظالم ، ونحو ذلك ، لا أن شرع من قبلنا شرع لنا في فروع الدين ، بدليل ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من أدلتنا على ذلك .

وأما قوله - عليه الصلاة والسلام : كتاب الله القصاص فليس إشارة إلى حكم التوراة ، بل إما إلى عموم قوله - سبحانه وتعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [ البقرة : 194 ] ، وهو يتناول العدوان في السن وغيرها ، أو إلى عموم قوله - سبحانه وتعالى : والجروح قصاص [ المائدة : 45 ] على قراءة من قرأ : ( والجروح ) بالرفع على الاستئناف ، وهو ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ، وعلى ذلك يكون من كتابنا وشرعنا ، لا من التوراة وشرع من قبلنا .

[ ص: 173 ] وأما " مراجعته التوراة " في رجم الزانيين فليس على جهة استفادة الحكم منها بل تحقيقا لكذب اليهود ، فإنه رآهم سودوا وجوههما ، وطافوا بهما بين الناس ، فأنكر أن يكون ذلك من حكم الله تعالى في الزاني ، فاستدعى بالتوراة ، فاستخرج منها الحكم بالرجم " تحقيقا لكذبهم " على الله تعالى ، وتحريفهم الكتب المنزلة عليهم كما في موضع : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [ آل عمران : 93 ] ، " وإنما حكم بالقرآن " بقوله تعالى : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة " . وقد سبق أن هذا مما نسخ خطه ، وبقي حكمه .

قلت : لكن هذا يتوقف على ثبوت أن قصة اليهوديين كانت بعد نزول آية الرجم المذكورة ، والظاهر أنه كذلك .

وأما استدلاله - عليه الصلاة والسلام - بقوله - سبحانه وتعالى : وأقم الصلاة لذكري [ طه : 14 ] ، فهو إما " قياس " لنفسه على موسى في إقامة الصلاة لذكر الله - عز وجل ، أي : عند ذكره ، " أو تأكيد " من النبي - صلى الله عليه وسلم - " لدليله " على قضاء الصلاة بالآية المذكورة خطابا لموسى - عليه السلام ، أو أنه - عليه السلام - علم عموم الآية له ، " لا " أنه " حكم بشرع موسى " عليه السلام .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث