الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 185 ] الثاني : قول صحابي لم يظهر له مخالف : حجة ، يقدم على القياس ، ويخص به العام ، وهو قول مالك وبعض الحنفية خلافا لأبي الخطاب وجديد الشافعي وعامة المتكلمين ، وقيل : الحجة قول الخلفاء الراشدين ، وقيل : أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - للحديثين المشهورين .

لنا على العموم : أصحابي كالنجوم وخص في الصحابي بدليل .

قالوا : غير معصوم فالعام والقياس أولى .

قلنا : كذا المجتهد ويترجح الصحابي بحضور التنزيل ومعرفة التأويل ، وقوله أخص من العموم فيقدم .

وإذا اختلف الصحابة لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل ، وأجازه بعض الحنفية والمتكلمين بشرط أن لا ينكر على القائل قوله .

لنا : القياس على تعارض دليلي الكتاب والسنة ، ولأن أحدهما خطأ قطعا .

قالوا : اختلافهم تسويغ للأخذ بكل منهما ، ورجع عمر إلى قول معاذ - رضي الله عنهما - في ترك رجم المرأة .

قلنا : إنما سوغوا الأخذ بالأرجح ، ورجوع عمر لظهور رجحان قول معاذ عنده .

التالي السابق


قوله : " الثاني " ، أي : الأصل الثاني من الأصول المختلف فيها " قول صحابي لم يظهر له مخالف " هو " حجة يقدم على القياس ، ويخص به العام " عند " مالك وبعض الحنفية ، خلافا لأبي الخطاب وجديد " قولي " الشافعي وعامة المتكلمين " حيث قالوا : ليس بحجة ، وعن أحمد ما يدل عليه ، وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة والكرخي . وقال قوم : إن خالف القياس - يعني قول [ ص: 186 ] الصحابي - فهو حجة ، وإلا فلا ؛ لأنه إذا خالف القياس ، دل على أنه توقيف من صاحب الشرع ، فيكون حجة لا لذاته ، بل لدلالته على الحجة عند هذا القائل ، وإذا لم يخالفه ، احتمل أنه عن اجتهاد ، فيكون كاجتهاد غير الصحابي .

وقال بعضهم : " الحجة قول الخلفاء الراشدين " ؛ لقوله - عليه السلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي [ " وقيل : أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ؛ لقوله - عليه السلام : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ] ومفهومه أن غيرهما ليس كذلك ، وهذان هما الحديثان المشهوران المشار إليهما في " المختصر " .

قوله : " لنا على العموم " ، أي : على عموم كون قول الصحابي المذكور حجة من غير اختصاص بالشيخين ولا غيرهما قوله - عليه السلام : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وهو عام في جميعهم ، ودلالة الحديثين قبلهما على الاختصاص دلالة مفهوم ضعيف ، ثم مفهوم كل واحد منهما معارض بمفهوم الآخر .

قوله : " وخص في الصحابي بدليل " . هذا جواب سؤال مقدر .

وتقريره أن يقال : إن قوله - عليه السلام : بأيهم اقتديتم اهتديتم هو خطاب لعوام عصره ، وإذن لهم في تقليد الصحابة في الفتيا ، لا أن قول الصحابي حجة على [ ص: 187 ] المجتهدين ، بدليل أن الصحابي غير داخل في مقتضى الحديث ، إذ لو كان كذلك لكان مقتضاه أن قول الصحابي حجة على صحابي مثله ، وهو باطل بالاتفاق ، على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس حجة على غيره من مجتهدي الصحابة ، إماما كان الصحابي ، أو حاكما ، أو مفتيا ، وإذا لم يكن الصحابي مرادا من الحديث دل على أن المراد به العوام وهو محل وفاق .

وجوابه : أن الحديث يقتضي عموم الاقتداء بكل صحابي ، ولكل صحابي ، لكن الصحابي خص من هذا العموم بدليل ، فبقي الحديث متناولا لغيره من مجتهدي التابعين فمن بعدهم ، والدليل الذي خص به الصحابي من عموم الحديث المذكور ، إما الإجماع ، أو قرينة كونه مأمورا بالاقتداء به ، فلا يكون هو مقتديا بغيره ؛ لئلا يكون المتبوع تابعا ، ولأن الصحابيين إن كانا مقلدين ، فحكمهما التقليد ، أو أحدهما مقلدا ، فحكمه كذلك ، وإن كانا مجتهدين ، لم يكن أحدهما بأولى بأن يقلد الآخر من العكس ، فيستقل كل منهما باجتهاده ، ولا يكون قول صاحبه حجة عليه ، وهو المطلوب .

قوله : " قالوا : غير معصوم " ، أي : احتج الخصم بأن الصحابي غير معصوم من الخطأ ، فيكون " العام والقياس أولى " من قوله ، وحينئذ لا يخص به العام ، ولا يترك به القياس ، وهو المعني بكونه ليس بحجة .

قوله : " قلنا : كذا المجتهد " ، أي : الجواب عما ذكرتموه أن المجتهد غير [ ص: 188 ] معصوم ، وقد وجب على العامي تقليده باتفاق ، ومجتهدو الأمة بالنسبة إلى مجتهدي الصحابة كالعامة مع العلماء ؛ لاختصاصهم " بحضور التنزيل ، ومعرفة التأويل " ، فيترجحون بذلك على سائر المجتهدين . " وقوله " أي : وقول الصحابي " أخص من العموم " وأقوى من القياس ، " فيقدم " عليهما ؛ لأن القاعدة تقديم الخاص على العام ، والقوي على الضعيف ، ودليل قوة قوله أنه أعلم بمواقع الأدلة لما ذكرنا ، فما خالف العام والقياس إلا عن حجة وبينة .

قوله : " وإذا اختلف الصحابة ، لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل " ، إلى آخره . أي : إذا اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - على قولين فأكثر ، لم يجز للمجتهد من غيرهم الأخذ بأحد الأقوال من غير دليل ، وأجاز ذلك " بعض الحنفية و " بعض " المتكلمين ، بشرط أن لا ينكر " ذلك القول المأخوذ به على قائله .

" لنا " على المنع من ذلك وجهان :

أحدهما : " القياس على تعارض دليلي الكتاب والسنة " وأولى ، أي : إن قول الصحابي لا يزيد في القوة على الكتاب والسنة ، ولو تعارض دليلان منهما ، لم يجز الأخذ بأحدهما إلا بترجيح ونظر ، فكذلك أقوال الصحابة أولى .

الوجه الثاني : أن أحد القولين " خطأ قطعا " ؛ لاستحالة كون الصواب في نفس الأمر في جهات متعددة ، وإذا كان أحد قولي الصحابة خطأ ، فالطريق إلى تمييز الخطأ من الصواب ليس إلا الدليل .

قوله : " قالوا " ، إلى آخره . أي : احتج الخصم على جواز الأخذ بأحد [ ص: 189 ] القولين من غير دليل بوجهين :

أحدهما : أن اختلاف الصحابة على القولين " تسويغ للأخذ بكل " واحد " منهما " ، فيكون الأخذ بكل منهما جائزا باتفاق منهم ، وهو المطلوب .

الثاني : أن عمر - رضي الله عنه - رجع إلى قول معاذ - رضي الله عنه - في ترك رجم المرأة ، يعني أن عمر - رضي الله عنه - أراد أن يرجم امرأة حاملا لأجل الزنى ، فقال له معاذ بن جبل : إن كان لك سبيل عليها ; فليس لك سبيل على ما في بطنها ، فرجع عمر إلى قوله ، وأخرها حتى وضعت . فرجوعه إلى قول معاذ في هذه القضية بدون أن يستعلم رأي غيره فيها دليل على ما قلناه .

قوله : " قلنا " ، أي : الجواب عما ذكرتموه .

أما عن الوجه الأول : فإن الصحابة باختلافهم على قولين " إنما سوغوا الأخذ بالأرجح " منهما ، وذلك يستدعي ترجيحا واجتهادا ، لا أنهم سوغوا الأخذ بأحدهما تشهيا من غير حجة .

وأما عن الوجه الثاني ، فبأن " رجوع عمر " إلى قول معاذ - رضي الله عنهما - إنما كان " لظهور " رجحانه عنده ، لا أنه أخذ بقوله تقليدا وتشهيا ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث