الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الرابع الاستصلاح

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 204 ] الرابع : الاستصلاح : وهو اتباع المصلحة المرسلة .

والمصلحة : جلب نفع أو دفع ضر ، ثم إن شهد الشرع باعتبارها كاقتباس الحكم من معقول دليل شرعي ، فقياس ، أو ببطلانها كتعين الصوم في كفارة رمضان على الموسر كالملك ونحوه ، فلغو ، إذ هو تغيير للشرع بالرأي ، وإن لم يشهد لها ببطلان ولا اعتبار معين فهي :

إما تحسيني ، كصيانة المرأة عن مباشرة عقد نكاحها المشعر بما لا يليق بالمروءة بتولي الولي ذلك .

أو حاجي ، أي : في رتبة الحاجة ، كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لحاجة تقييد الكفء خيفة فواته ، ولا يصح التمسك بمجرد هذين من غير أصل . وإلا لكان وضعا للشرع بالرأي . ولاستوى العالم والعامي لمعرفة كل مصلحته .

التالي السابق


" الرابع " : أي : من الأصول المختلف فيها : " الاستصلاح " ، وهو استفعال من صلح يصلح ، " وهو اتباع المصلحة المرسلة " ، فإن الشرع أو المجتهد يطلب صلاح المكلفين باتباع المصلحة المذكورة ومراعاتها .

قوله : " والمصلحة جلب نفع ، أو دفع ضر " .

لما ذكر أن الاستصلاح اتباع المصلحة المرسلة ، احتيج إلى بيان حقيقة المصلحة ، وهي كما ذكر جلب نفع ، أو دفع ضرر ؛ لأن قوام الإنسان في دينه ودنياه ، وفي معاشه ومعاده بحصول الخير واندفاع الشر ، وإن شئت ، قلت : بحصول الملائم واندفاع المنافي .

[ ص: 205 ] مثاله أن الإنسان لما كان يؤذيه غلبة الحر والبرد ، احتاج في الصيف إلى رقيق اللباس ، والتعرض للهواء البارد بالجلوس في أماكنه ، وتبريدها بالماء ونحو ذلك . ليحصل له الروح الموافق ، ويندفع عنه الكرب المنافي ، وفي الشتاء على العكس من ذلك ، والأمثلة كثيرة .

قوله : " ثم إن شهد الشرع باعتبارها " ، إلى آخره . هذا بيان لأنواع المصلحة وأقسامها ، وهي ثلاثة :

القسم الأول : هذا ، وهو ما شهد الشرع باعتباره ، " كاقتباس الحكم " ، أي : استفادته وتحصيله " من معقول دليل شرعي " ، كالنص والإجماع ، فهو " قياس " ، كاستفادتنا تحريم شحم الخنزير من تحريم لحمه المنصوص عليه بالكتاب ، واستفادتنا تحريم النبيذ المسكر من تحريم الخمر المنصوص عليه بالكتاب والسنة ، مع أن النبيذ منصوص على تحريمه مع غيره بقوله - عليه الصلاة والسلام : كل مسكر خمر ، وكقولنا : يجب الحد بوطء ذات المحرم بعقد النكاح قياسا على وطئها بالزنى ، وهو محل إجماع ، وأشباه ذلك .

القسم الثاني : ما شهد الشرع ببطلانه من المصالح ، أي : لم يعتبره كقول من يقول : إن الموسر كالملك ونحوه يتعين عليه الصوم في كفارة الوطء في رمضان ، ولا يخير بينه وبين العتق والإطعام ؛ لأن فائدة الكفارة الزجر عن الجناية على العبادة ، ومثل هذا لا يزجره العتق والإطعام لكثرة ماله ، فيسهل عليه أن يعتق رقابا في قضاء شهوته ، وقد لا يسهل عليه صوم ساعة ، فيكون [ ص: 206 ] الصوم أزجر له ، فيتعين .

فهذا وأمثاله ملغى غير معتبر ؛ لأنه تغيير للشرع بالرأي وهو غير جائز ، ولو أراد الشرع ذلك ، لبينه أو نبه عليه في حديث الأعرابي أو غيره ، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وإيهام التسوية بين الأشخاص في الأحكام مع افتراقهم فيها لا يجوز .

القسم الثالث من المصالح : ما لم يشهد له الشرع " ببطلان ولا اعتبار معين " ، فهو ، أي : هذا القسم ، على ثلاثة أضرب :

أحدها : " التحسيني " الواقع موقع التحسين والتزيين ، ورعاية حسن المناهج في العبادات والمعاملات ، وحسن الأدب في السيرة بين الناس ، " كصيانة المرأة عن مباشرة عقد نكاحها " بإقامة الولي مباشرا لذلك ؛ لأن المرأة لو باشرت عقد نكاحها ، لكان ذلك منها مشعرا " بما لا يليق بالمروءة " من غلبة القحة ، وقلة الحياء ، وتوقان نفسها إلى الرجال ، فمنعت من ذلك حملا للخلق على أحسن المناهج وأجمل السير ، وقد ضرب المثل في هذا الباب بأم خارجة ، وهي امرأة كانت في الجاهلية نكحت نحو سبعين من الرجال وتطلقهم ، فكان الرجل يأتيها ، فيقول : خطب ، فتقول هي : نكح ، أي : يقول لها : أنا خاطب لك ، فتقول هي : قد أنكحتك نفسي ، فجاءها بعض الأيام رجل خاطب وهي على بعير فخطبها ، فأنكحته نفسها ، ثم أعجلت البعير أن يبرك ، فوثبت عنه وهو قائم لتجتمع بزوجها ، فاندقت عنقها ، فقيل : أسرع من نكاح أم خارجة ، يضرب مثلا لكل من يبالغ في العجلة .

الضرب الثاني من هذا القسم من المصالح هو " الحاجي ، أي " : الواقع [ ص: 207 ] " في رتبة الحاجة " ، أي : تدعو إليه الحاجة ، " كتسليط الولي على تزويج الصغيرة ؛ لحاجة تقييد الكفء " خشية أن يفوت ، فإن ذلك مما يحتاج إليه ويحصل بحصوله نفع ، ويلحق بفواته ضرر ; وإن لم يكن ضروريا قاطعا ، ونسبة الضرب الأول إلى هذا نسبة كتاب " الزينة " من الطب إلى باقي كتبه على ما عرف فيه .

قوله : " ولا يصح التمسك بمجرد هذين " ، يعني الضربين المذكورين من المصلحة وهما التحسيني والحاجي " من غير أصل " يشهد لهما بالاعتبار ، أي : لا يجوز للمجتهد أنه كلما لاح له مصلحة تحسينية أو حاجية اعتبرها ، ورتب عليها الأحكام حتى يجد لاعتبارها شاهدا من جنسها ، ولو لم يعتبر للتمسك بهذه المصلحة وجود أصل يشهد لها ، للزم منه محذورات :

أحدها : أن ذلك يكون " وضعا للشرع بالرأي " ؛ لأن حكم الشرع هو ما استفيد من دليل شرعي : إجماع ، أو نص ، أو معقول نص ، وهذه المصلحة لا تستند إلى شيء من ذلك ، فيكون رأيا مجردا .

الثاني : لو جاز ذلك ، " لاستوى العالم والعامي " ؛ لأن كل أحد يعرف مصلحة نفسه الواقعة موقع التحسين أو الحاجة ، وإنما الفرق بين العالم والعامي معرفة أدلة الشرع واستخراج الأحكام منها .

الثالث : لو جاز ذلك ، لاستغني عن بعثة الرسل وصار الناس براهمة [ ص: 208 ] لنحو ذلك ؛ لأنهم قالوا : لا حاجة لنا إلى الرسل ؛ لأن العقل كاف لنا في التأديب ومعرفة الأحكام ، إذ ما حسنه العقل ، أتيناه ، وما قبحه ، اجتنبناه ، وما لم يقض فيه بحسن ولا قبح ، فعلنا منه الضروري ، وتركنا الباقي احتياطا ، فالتمسك بهذين الضربين من المصالح من غير شاهد لهما بالاعتبار يؤدي إلى مثل ذلك ونحوه ، فيكون باطلا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث