الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 112 ] الباب الأول في معرفة الله - تعالى - وما يتعلق بذلك من تعداد الصفات التي يثبتها المتكلمة كالسلف وأسمائه - تعالى - وكلامه وغير ذلك


( ( أول واجب على العبيد معرفة الإله بالتسديد ) )      ( ( بأنه واحد لا نظير
له ولا شبه ولا وزير ) )      ( ( صفاته كذاته قديمة
أسماؤه ثابتة عظيمة ) )

( ( أول واجب على العبيد ) ) جمع عبد ، وله أحد عشر جمعا ، جمعها ابن مالك في قوله :

[ ص: 113 ]

عباد عبيد جمع عبد وأعبد     أعابد معبوداء معبدة عبد
كذلك عبدان وعبدان أثبتا     كذاك العبدى وامدد إن شئت أن تمد

قال أبو علي الدقاق : ليس شيء أشرف ، ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية ، قال الشاعر :

لا تدعني إلا بيا عبدها     فإنه أشرف أسمائي



وقال الآخر :


أصم إذا نوديت باسمي وإنني     إذا قيل لي يا عبدها لسميع



( معرفة الإله ) - سبحانه وتعالى - وهي عبارة عن معرفة وجود ذاته - تعالى - بصفات الكمال ، فيما لم يزل ولا يزال ، دون معرفة حقيقية ذاته وصفاته لاستحالة ذلك عقلا عند الأكثرين ، يعني أن العقل يحيل معرفة كنه ذاته . وقوله : أول واجب يعني لنفسه على كل مكلف بالنظر في الوجود والموجود ، ووجوب ذلك بالشرع دون العقل ; لأن العقل لا يوجب ولا يحرم ، وهذا مذهب أهل السنة . وقالت المعتزلة : وجبت معرفة الله عقلا لا شرعا ; لأنها دافعة للضرر المظنون ، وهو خوف العقاب في الآخرة ، حيث أخبر جمع كثير بذلك ، وخوف ما يترتب في الدنيا على اختلاف الفرق في معرفة الصانع من المحاربات وهلاك النفوس ، وتلف الأموال ، وكل ما يدافع الضرر المظنون بل والمشكوك واجب عقلا ، كما إذا أردت سلوك طريق فأخبرت بأن فيها عدوا أو سبعا ، فإنه يجب عليك اجتنابها خوف الوقوع في الهلكة . ورد قولهم بمنع ظن الخوف في الأعم الأغلب ، إذ لا يلزم الشعور بالاختلاف ، ولا بما يترتب عليه من الضرر ولا بالصانع ، وبما رتب في الآخرة من الثواب والعقاب ، والإخبار بذلك إنما يصل إلى بعض البعض ، وعلى فرض الوصول لا رجحان لجانب الصدق ; لأن التقدير عدم معرفة الصانع ، وبعثة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام ، ودلالة المعجزات ، ولو سلم ظن خوف ، فلا نسلم أن تحصيل المعرفة يدفعه ; لأن احتمال الخطأ قائم ، فخوف العقاب أو الاختلاف بحاله والعناء زيادة . وفي كتاب الشيرازي ( جامع الأنوار لتوحيد الملك الجبار ) من الأشعرية أن وجوب معرفة الله بالعقل والشرع معا . والتحقيق وجوب معرفة الباري - جل شأنه - شرعا ، وقوله ( بالتسديد ) أي التقويم [ ص: 114 ] والتوفيق للسداد ، أي الصواب ; يعني بالنظر الصائب في الوجود والموجود ; كما مر آنفا ، ويجب النظر قبلها لتوقفها عليه ، فهو أول واجب لغيره ، وقال القاضي : أول واجب وطاعة اكتساب إرادة النظر المؤدي إلى المعرفة ، فمن تركه مع القدرة عليه لغير عذر أثم ، ولا إثم على الناظر في مدة نظره ، والنظر والمعرفة اكتساب ، وقد يوهبان لمن أراد الله هداه ، ولا يقعان ضرورة ، وقيل : بلى ، وحمل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية على المعرفة النظرية ، كمعرفة إبليس لا المعرفة الإيمانية ، وقال : مثبتو النبوات تحصل لهم المعرفة بالله بثبوت النبوة من غير نظر ولا استدلال في دلائل العقول ، ذكره القاضي أبو يعلى في ( عيون المسائل ) وغيره من كتبه ، وذكر ابن حمدان في ( نهاية المبتدئين ) أن معرفة الله تحصل باكتساب موجب ، أي أن البداية سبقت بالتوفيق لإصابة الدليل الموصل إلى المعرفة ، واختصاص المريد بمعرفته سبق بفضله ومقارنة عونه بالوصول إلى تمام أدلته ، فتكون المعرفة الحقيقية معرفة الدليل الموصل إلى حقيقة معرفة الله تعالى ، وهو اكتساب موهوب كقصة إبراهيم الخليل عليه السلام في النظر ، والمعرفة تزيد وتنقص كالإيمان . نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه فمعرفة التفصيل أزيد من معرفة الجملة .

وأول نعم الله تعالى الدينية على المؤمن وأعظمها أن أقدره على إرادة النظر والاستدلال لمعرفته - تعالى ، وقال خاتمة المحققين العلامة الشيخ عثمان النجدي في تعليقته في أصول الدين : أول نعم الله الدينية على عبده أن أقدره على معرفته ، وقال ابن حمدان بعد أن ذكر الأول : وقيل أن هداه للإيمان ، وأول نعمه الدنيوية الحياة العرية عن ضرر ، وقال القاضي : إدراك اللذات ونيل المشتهيات ، التي لا يتعقبها ضرر لأجلها ، وهو يعم كل حيوان ، ولكن يقيد المكلف بالشكر ، وهو اعترافه بنعمة المنعم على جهة الخضوع والإذعان ، وصرف كل نعمة في طاعة ، فشكر المنعم واجب شرعا ، خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب شكر المنعم عقلا ، فيجب على كل مكلف [ ص: 115 ] شرعا أن يعرف الله - تعالى - بصفات الكمال ، ويجزم ( بأنه ) - سبحانه وتعالى - ( واحد ) لا يتجزأ ولا ينقسم ، فرد صمد ، ( لا نظير له ) ، أي لا مثل له ، ( ولا شبه ) له في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، ولا شريك له في ملكه ، ( ولا وزير ) له - تعالى ، والوزير حبا الملك الذي يحمل ثقله ويعينه برأيه ، فلا وزير للباري - جل شأنه - يحمل ثقله ، ويعينه في تدبير خلقه ، ولا [ ص: 116 ] ظهير له في صنعه ، ولا معين له في ملكه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث