الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل في بيان النوع الثاني من المحرمات إلى أمد وهن ( المحرمات لعارض يزول تحرم عليه زوجة غيره ) لقوله تعالى { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } ( 1 ) .

( و ) تحرم أيضا عليه ( المعتدة ) من غيره لقوله { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } ( 2 ) ( و ) تحرم أيضا ( المستبرأة منه ) أي من غيره لأن تزوجها زمن استبرائها يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب ، وسواء في ذلك المعتدة ، والمستبرأة ( من وطء مباح أو محرم ) كشبهة وزنا ( أو من غير وطء ) كالمتوفى عنها زوجها قبل الدخول ، لعموم ما تقدم .

( و ) كذا ( المرتابة بعد العدة بالحمل ) لا يصح نكاحها لغيره حتى تزول [ ص: 83 ] الريبة ويأتي في العدد ( وتحرم الزانية إذا علم زناها على الزاني وغيره حتى تتوب وتنقضي عدتها ) لقوله تعالى { والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } وهو خبر ومعناه النهي ولمفهوم قوله تعالى { والمحصنات من المؤمنات } ( 2 ) وهن العفائف ولقوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين : { لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره } يعني إتيان الحبالى رواه أبو داود والترمذي وحسنه .

( فإن كانت ) الزانية ( حاملا منه ) أي من الزنا ( لم يحل نكاحها قبل الوضع ) لما سبق ( وتوبتها ) أي الزانية ( أن تراود عليه ) أي الزنا ( فتمتنع ) منه " لما روي أنه قيل لعمر كيف تعرف توبتها : قال يريدها على ذلك : فإن طاوعته فلم تتب ، وإن أبت فقد تابت " فصار أحمد إلى قول عمر اتباعا له .

قال في الاختيارات : وعلى هذا كل من أراد مخالطة إنسان امتحنه ، حتى يعرف بره أو فجوره أو توبته ويسأل ذلك من يعرفه ( وقيل توبتها ) أي الزانية ( كتوبة غيرها ) ندم وإقلاع وعزم أن لا تعود ( من غير مراودة ) واختاره الموفق وغيره وقال لا ينبغي امتحانها بطلب الزنا منها بحال .

وقدمه في الفروع ( فإذا تابت ) من الزنا وانقضت عدتها ( حل نكاحها للزاني وغيره ) عند أكثر أهل العلم منهم أبو بكر وعمر وابنه وابن عباس وجابر وروي عن ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة " أنها لا تحل للزاني بحال " فيحتمل أنهم أرادوا بذلك ما قبل التوبة أو قبل استبرائها فيكون كقولنا .

( ولا يشترط ) لصحة نكاحها ( توبة الزاني بها إذا نكحها ) أي إذا أراد أن ينكح الزانية كالزاني بغيرها ( وإن زنت امرأة ) قبل الدخول أو بعده لم ينفسخ النكاح ( أو ) زنى ( رجل قبل الدخول ) بزوجته ( أو بعده لم ينفسخ النكاح ) بالزنا لأنه معصية لا تخرج عن الإسلام أشبه السرقة ، لكن لا يطؤها حتى تعتد إذا كانت هي الزانية ويأتي .

واستحب أحمد للزوج مفارقته امرأته إذا زنت وقال لا أرى أن يمسك مثل هذه لأنه لا يأمن من أن تفسد فراشه ، وتلحق به ولدا ليس منه وإن زنى بأخت زوجته لم يطأ زوجته حتى تنقضي عدة أختها وإن زنى بأم زوجته أو بنتها انفسخ النكاح .

( ولا يطأ الرجل أمته إذا علم منها فجورا ) أي زنا حتى تتوب ويستبرئها خشية أن تلحق به ولدا [ ص: 84 ] وليس منه قال ابن مسعود أكره أن أطأ أمتي وقد بغت .

( وتحرم مطلقته ثلاثا ) بكلمة أو كلمات ( حتى تنكح زوجا غيره ) نكاحا صحيحا ويطؤها لقوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } { ولقوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة لما أن أرادت أن ترجع إليه بعد أن طلقها ثلاثا وتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير لا حتى تذوقي عسيلته } ( ويأتي في الرجعة بأبسط من هذا وتحرم المحرمة حتى تحل ) .

لحديث مسلم { لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا - يخطب } ( وتقدم في محظورات الإحرام ) بأوسع من هذا ( ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال ) حتى يسلم لقوله تعالى { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } وقوله { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } .

( ولا ) يحل ( لمسلم ولو ) كان ( عبدا نكاح كافرة ) لقوله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ولقوله { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ( إلا حرار نساء أهل الكتاب ولو ) كن ( حربيات ) لقوله تعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } .

ولا يحل لمسلم ولو عبدا نكاح أمة كتابية لقوله تعالى { من فتياتكم المؤمنات } ولئلا يؤدي إلى استرقاق الكافر ولدها المسلم ( والأولى أن لا يتزوج من نسائهم وقال الشيخ : يكره ) .

أي مع وجود الحرائر المسلمات قال في الاختيارات وقاله القاضي وأكثر العلماء لقول عمر للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب " طلقوهن " و ( ك ) أكل ( ذبائحهم بلا حاجة ) تدعو إليه ومنع النبي صلى الله عليه وسلم من نكاح كتابية ( و ) منع ( أيضا من نكاح أمة مطلقا ) أي مسلمة كانت أو كتابية وتقدم في الخصائص موضحا .

( وأهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل ) لقوله تعالى { أن تقولوا إنما [ ص: 85 ] أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } ( كاليهود والسامرة ) فرقة من اليهود والنصارى ومن وافقهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم فأما المتمسك من الكفار بصحف إبراهيم وشيث وزبور داود ( فليسوا بأهل كتاب ) للآية السابقة و لأن تلك الكتب ليست بشرائع إنما هي مواعظ وأمثال ف ( لا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم كالمجوس وأهل الأوثان وكمن أحد أبويها غير كتابي ولو اختارت دين أهل الكتاب ) لأنها لم تتمحض كتابية ولأنها مولدة بين من يحل وبين من لا يحل فلم تحل كالسمع والبغل .

وعلم منه أنه لو كان أبواها غير كتابيين واختارت دين أهل الكتاب لم تحل لمسلم قال في الإنصاف والمبدع وهو المذهب وقدمه في الفروع وقيل تحل اعتبارا بنفسها اختاره الشيخ تقي الدين وقطع به المصنف في أواخر أحكام الذمة .

( و ) يحل ( لكتابي نكاح مجوسية ) ويحل لكتابي أيضا ( وطؤها ) أي المجوسية ( بملك يمين ) كالمسلم ينكح الكتابية ويطؤها بملك اليمين ( ولا ) يحل ( لمجوسي ) نكاح ( كتابية نصا ) لأنها أشرف منه فإن ملكها فله وطؤها على الصحيح قدمه في الرعايتين قاله في الإنصاف .

( وتحل نساء بني تغلب ومن في معناهن من نصارى العرب و ) من ( يهودهم ) لأنهن كتابيات فيدخلن في عموم الآية ( والدروز والنصيرية والتبانية ) فرق بجبل الشوف وكسروان لهم أحوال شنيعة وظهرت لهم شوكة أزالها الله تعالى ( لا تحل ذبائحهم ولا يحل نكاح نسائهم ولا أن ينكحهم المسلم وليته ) .

قلت : حكمهم كالمرتدين ( والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت ) عليه وإن تدينت بدين أهل الكتاب لأنها لا تقر على دينها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث