الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل ويقرر ( الصداق المسمى ) وهو المهر ( كاملا ، حرة كانت الزوجة أو أمة ، موت وقتل كالدخول ) لما روى معقل بن سنان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قضى في بروع بنت واشق وكان زوجها مات ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا ، فجعل لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط } رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح ، ولأنه عقد عمر ، فبموت أحدهما ينتهي فيستقر به العوض كانتهاء الإجارة ومتى استقر لم يسقط منه شيء بانفساخ النكاح ولا غيره ( حتى ولو قتل أحدهما ) أي الزوجين ( الآخر أو قتل ) أحدهما ( نفسه ) لأن النكاح قد بلغ غايته فقام ذلك مقام استيفاء المنفعة .

( و ) يقرره أيضا ( وطؤها في فرج ولو دبرا ) أو في غير [ ص: 151 ] خلوة لأنه قد وجد استيفاء المقصود فاستقر العوض ( و ) يقرره أيضا ( طلاق في مرض موت ) الزوج المخوف ( قبل دخوله ) بها .

المخوف يعني أن الزوج إذا مرض مرض الموت وطلق زوجته فرارا ثم مات تقرر عليه الصداق كاملا بالموت لوجوب عدة الوفاة عليها في هذه الحالة فوجب كمال المهر ما لم تتزوج أو ترتد وعبارته توهم خلاف المراد ، وصوابها ما قلته كما في المنتهى وغيره ( و ) يقرره أيضا ( خلوة ) الزوج ( بها ) أي بزوجته روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر روى أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال : " قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد أوجب المهر ، ووجبت العدة " وروي أيضا عن الأحنف عن ابن عمر وعلي .

وهذه قضايا اشتهرت ولم يخالفهم أحد في عصرهم ، فكان كالإجماع ولأن التسليم المستحق وجد من جهتها فيستقر به البدل كما لو وطئها أو كما لو أجرت دارها وسلمتها أو باعتها وأما وقوله تعالى { من قبل أن تمسوهن } فيحتمل أنه كنى بالمسبب عن السبب الذي هو الخلوة بدليل ما ذكرنا وأما قوله { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } فقد حكي عن الفراء أنه قال " الإفضاء الخلوة دخل بها أو لم يدخل " لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء وهو الخالي فكأنه قال وقد خلا بعضكم إلى بعض ويشترط للخلوة المقررة أن تكون ( من بالغ ومميز ولو ) كان ( كافرا وأعمى نصا ) ذكرا كان أو أنثى ، عاقلا ومجنونا ، وسواء كان الزوجان مسلمين أو كافرين ، أو الزوج مسلما والزوجة كتابية .

( ولو كان ) الزوج ( الخالي ) بزوجته ( أعمى أو نائما مع علمه ) بأنها عنده ( إن لم تمنعه ) الزوجة من وطئها ، فإن منعته منه لم يتقرر الصداق لأنه لم يحصل التمكين وإنما تكون الخلوة مقررة ( إن كان ) الزوج ( ممن يطأ مثله ) وهو ابن عشر وقد خلا .

( وبمن يوطأ مثلها ) فإن كان دون عشر أو كانت دون تسع لم يتقرر لعدم التمكن من الوطء ( ولا يقبل دعواه ) أي دعوى الزوج [ ص: 152 ] بعد أن خلا بزوجته ( عدم علمه بها ولو كان أعمى نصا إن لم تصدقه ) على ذلك ( لأن العادة أنه لا يخفى عليه ذلك ، فقدمت العادة هنا على الأصل قال الشيخ : فكذا دعوى إنفاقه ) .

على زوجة مقيم معها ( فإن العادة هناك ) أي في الإنفاق ( أقوى انتهى ) لكن المعروف في المذهب أن القول قولها في عدم الإنفاق لأنه الأصل .

( و ) إذا اختلفا في الوطء في الخلوة فإنه ( يقبل قول مدعي الوطء في الخلوة ) عملا بالظاهر ، وظاهره سواء كانت بكرا أو ثيبا وفيه شيء مما تقدم في العيوب ( وتقرره الخلوة المذكورة ولو لم يطأ ولو كان بهما ) أي الزوجين ( مانع أو ) كان ( بأحدهما مانع حسي كجب ورتق ونضاوة ) أي هزال ( أو ) مانع ( شرعي كإحرام وحيض ) ونفاس ( وصوم ) ولو كانت في نهار رمضان ، فإنها تقرر المهر كاملا إذا كانت بشروطها لأن الخلوة نفسها مقررة للمهر لعموم ما تقدم ( وحكم الخلوة حكم الوطء في تكميل المهر ووجوب العدة ) لما تقدم .

( و ) كذا في ( تحريم أختها ) إذا طلقها حتى تنقضي عدتها ( و ) في تحريم ( أربع سواها إذا طلقها حتى تنقضي عدتها ، و ) في ( ثبوت الرجعة عليها في عدتها ، و ) في وجوب ( نفقة العدة ) لأن ذلك فرع وجوب العدة .

( و ) في ( ثبوت النسب ) إذا خلا بها ثم طلقها وأتت بولد ولو فوق أربع سنين ولم تكن أقرت بانقضاء عدتها بالقرء ولأنها رجعية فهي في حكم الزوجات ( لا ) أي ليس حكم الخلوة حكم الوطء ( في الإحصان ) فلا يصير أحدهما محصنا بالخلوة .

( و ) لا في ( الإباحة لمطلقها ثلاثا ) فلا تحل له بالخلوة لحديث { حتى تذوقي عسيلته } ( ولا يجب بها الغسل ) إذ لا التقاء للختانين فيها ( ولا ) يجب بها ( الكفارة ) إذا خلا بها في الحيض أو الإحرام .

( ولا يخرج بها ) العنين من العنة ( ولا تحصل بها الفيئة ) من المولي ( ولا تفسد بها العبادات ولا تحرم بها الربيبة ) لأن هذه الأحكام منوطة بالوطء ولم يوجد ( ويقرره ) أي الصداق كاملا ( لمس ) للزوجة ( ونظر إلى فرجها بشهوة فيهما ) أي في اللمس والنظر للفرج ( وتقبيلها ولو بحضرة الناس ) لأن ذلك نوع استمتاع فأوجب المهر كالوطء ولأنه نال شيئا لا يباح لغيره ، ولمفهوم قوله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } الآية .

وحقيقة اللمس التقاء البشرتين و ( لا ) يتقرر الصداق ( بالنظر إليها ) دون فرجها لأنه ليس منصوصا عليه ولا في معنى المنصوص عليه .

( ولا ) يقرره أيضا ( تحملها ماء الزوج ) أي منيه من غير خلوة منه بها ولا وطء لأنه لا استمتاع منه بها فيه ( ويثبت به ) [ ص: 153 ] أي بتحملها ماءه ( النسب ) فإذا تحملت بمائه وأتت بولد لستة أشهر فأكثر لحقه نسبه لما يأتي .

( وهدية زوج ليست من المهر نصا فما ) أهداه الزوج من هدية ( قبل العقد ، إن وعدوه بالعقد ، ولم يفوا رجع بها قاله الشيخ ) لأنه بذلها في نظير النكاح ولم يسلم له وعلم منه أن امتناع هؤلاء رجوع له ، كالمجاعل إذ لم يف بالعمل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث