الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الوصايا يعم الوصية والإيصاء يقال : أوصى إلى فلان أي جعله وصيا والاسم منه الوصاية وسيجيء في باب مستقل [ ص: 648 ] وأوصى لفلان بمعنى ملكه بطريق الوصية فحينئذ ( هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت ) عينا كان أو دينا . قلت : يعني بطريق التبرع ليخرج نحو الإقرار بالدين فإنه نافذ من كل المال كما سيجيء ولا ينافيه وجوبها لحقه تعالى فتأمله ( وهي ) على ما في المجتبى أربعة أقسام ( واجبة بالزكاة ) والكفارة ( و ) فدية ( الصيام والصلاة التي فرط فيها ) ومباحة لغني ومكروهة لأهل فسوق ( وإلا فمستحبة ) ولا تجب للوالدين والأقربين لأن آية البقرة منسوخة بآية النساء .

التالي السابق


كتاب الوصايا

إيراده آخر الكتاب ظاهر المناسبة ، لأن آخر أحوال الآدمي في الدنيا الموت ، والوصية معاملة وقت الموت وله زيادة اختصاص بالجنايات والديات لما أن الجناية قد تفضي إلى الموت الذي وقته وقت الوصية عناية والمراد هنا أنه آخر نسبي نعم على ما في الهداية هو حقيقي لأنه لم يذكر فيها الفرائض لكن فيه أنه ذكر في الهداية بعده كتاب الخنثى فهو نسبي أيضا كما أفاده الطوري ( قوله يعم الوصية والإيصاء إلخ ) في المغرب أوصى إلى زيد بكذا إيصاء ووصى به توصية والوصية والوصاة اسمان في معنى المصدر ثم سمي الموصى به وصية والوصاية بالكسر مصدر لوصى وقيل الإيصاء طلب الشيء من غيره ليفعله على غيب منه حال حياته وبعد وفاته .

وفي حديث الظهار : { استوصي بابن عمك خيرا } أي اقبلي وصيتي فيه ، وانتصاب خيرا على المصدر أي استيصاء خيرا ا هـ . وفي المصباح : وصيت إلى فلان توصية وأوصيت إليه إيصاء والاسم الوصاية بالكسر والفتح لغة ، وأوصيت إليه بمال جعلته ا هـ . وفي القاموس : أوصاه ووصاه توصية عهد إليه والاسم الوصاة والوصاية والوصية ا هـ . ونقل الإمام النووي عن أهل اللغة : أنه قال أوصيته ووصيته بكذا وأوصيت ووصيت له وأوصيت إليه جعلته وصيا . قلت : وبه ظهر أنه لا فرق في اللغة بين المتعدي لنفسه أو باللام أو بإلى في أن كلا منها يستعمل بمعنى جعلته وصيا وإن المتعدي بإلى يستعمل بمعنى تمليك المال ، وأن كلا من الوصية والإيصاء حتى لهما ، وأن التفرقة بين المتعدي باللام والمتعدي بإلى اصطلاحية شرعية كما يفهم من الدرر ، وبه صرح الطوري عن بعض المتأخرين ، وكأنهم نظروا في ذلك إلى أصل المعنى ، فإن معنى أوصيت إليه عهدت إليه بأمر أولادي مثلا ، ومعنى أوصيت له : ملكت له كذا فعدوا كلا منهما بما يتعدى به ما تضمنا معناه .

ثم اعلم : أن جمع وصية وصايا وأصله وصايي فقلبت الياء الأولى همزة لوقوعها بعد ألف مفاعل ، ثم أبدلت كسرتها فتحة فانقلبت الياء الأخيرة ألفا ثم أبدلت الهمزة ياء لكراهة وقوعها بين ألفين بقي أن عمومه للوصية والإيصاء ليس على معنى أنه جمع لها كما لا يخفى ، بل على معنى أن الوصية تأتي اسما من المتعدي بإلى والمتعدي باللام فجمعت على وصايا مرادا بها كل من المعنيين فلا يرد أن ذكر باب الوصي في هذا الكتاب على سبيل [ ص: 648 ] التطفل فليتأمل ( قوله فحينئذ ) تفريع على قوله بمعنى ملكه بطريق الوصية ، والأوضح أن يقول : وهي تمليك بزيادة واو ويرجع الضمير إلى الوصية في كلامه ط ( قوله عينا كان أو دينا ) عبارة المنح وغيره عينا أو منفعة ا هـ ح ( قوله بطريق التبرع ) متعلق بتمليك ا هـ ح وهذا القيد ذكره الزيلعي تبعا للنهاية ( قوله ليخرج نحو الإقرار بالدين ) أي الإقرار به لأجنبي ، وفيه أن القائلين من علمائنا : بأن الإقرار إخبار لا تمليك استدلوا بهذه المسألة ، فإنه لو كان تمليكا لزم أن لا ينفذ من كل المال كما أوضحناه في كتاب الإقرار ، فحينئذ لا حاجة لإخراجه لأنه لم يدخل والتحقيق أن قيد التبرع لإخراج التملك بعوض كالبيع والإجارة وأنه احترز بقوله مضاف إلى ما بعد الموت عن نحو الهبة فإنها تمليك تبرع للحال ( قوله كما سيجيء ) أي في أول باب العتق في المرض ( قوله ولا ينافيه إلخ ) جواب سؤال يرد على قوله يعني بطريق التبرع تقريره ظاهر ، وأشار بقوله فتأمله إلى دقة الجواب ، وذلك لأن الواجب لحقه تعالى لما سقط بالموت أشبه التبرع ولم يكن كديون العباد ا هـ ح .

أقول : هذا مبني على أن المراد بالتبرع ما إن شاء فعله ، وإن شاء تركه وعلى ما قدمناه يراد به ما كان مجانا لا بمقابلة عوض وبه يندفع السؤال ( قوله وهي على ما في المجتبى ) عبارته والوصية أربعة أقسام واجبة كالوصية برد الودائع والديون المجهولة ، ومستحبة كالوصية بالكفارات وفدية الصلاة والصيام ونحوها ومباحة كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب ، ومكروهة كالوصية لأهل الفسوق والمعاصي ا هـ وفيه تأمل لما قاله في البدائع الوصية بما عليه من الفرائض والواجبات كالحج والزكاة والكفارات واجبة ا هـ شرنبلالية . ومشى الزيلعي على ما في البدائع ، وفي المواهب تجب على مديون بما عليه لله تعالى أو للعباد ، وهذا ما مشى عليه المصنف خلافا لما في المجتبى من التفرقة بين حقوقه تعالى ، وحقوق العباد وما مر من سقوط ما وجب لحقه تعالى بالموت لا يدل على عدم الوجوب لأن المراد سقوط أدائها ، وإلا فهي في ذمته فقول الشارح على ما في المجتبى : أي من حيث التقسيم إلى الأربعة تأمل ( قوله ومباحة لغني ) لعل المراد إذا لم يقصد القربة أما لو أوصى له لكونه من أهل العلم أو الصلاح إعانة له أو لكونه رحما كاشحا أو ذا عيال فينبغي ندبها تأمل ( قوله ومكروهة لأهل فسوق ) يرد عليه ما في صحيح البخاري لعل الغني يعتبر فيتصدق والسارق يستغني بها عن السرقة والزانية عن الزنا وكان مراده ما إذا غلب على ظنه أنه يصرفها للفسوق والفجور ا هـ رحمتي .

أقول : وظاهر ما مر أنها صحيحة لكن سيأتي آخر باب الوصية للأقارب تعليل القول ببطلان الوصية بتطيين القبر بأنها وصية بالمكروه وسيأتي تمامه هناك ( قوله وإلا فمستحبة ) أي إذا لم يعرض لها ما يبطلها ( قوله ولا تجب إلخ ) رد على من قال بوجوبها للوالدين والأقربين إذا كانوا ممن لا يرثون لآية البقرة ، وهي قوله تعالى { - كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت - } الآية والمراد بآية النساء آية المواريث . وأخرج البخاري في صحيحه عن عطاء وابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال : كان المال للولد ، فكانت الوصية للوالدين فنسخ الله ذلك بأحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما [ ص: 649 ] السدس ، وروي في السنن مسندا إلى أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث } وأخرجه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي حسن وهذا الحديث مشهور تلقته الأمة بالقبول ، ونسخ الكتاب جائز عندنا بمثله أتقاني



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث