[الرئيسية]    مرحبا بكم فى موقع مقالات إسلام ويب
اشترك بالقائمة البريدية

من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

تصويت

الاحتساب و استحضار النيات الصالحة يعزز الإخلاص و يحول العادات إلى عبادات و يهون المشقة . فماذا تستحضر من النيات عند الذهاب إلى عملك ؟!

كسب الحلال النفقة على الأسرة نفع الناس الصدقة من الراتب كل ذلك

ضرورة الشريعة (2- 2)
24/10/2013
اسلام ويب
إذا كانت طبيعة الإنسان تقتضي الاجتماع، فإن لازم الاجتماع حدوث نوع من الظلم أو البغي أو العدوان، وحدوث خلاف أو تنازع أو صراع، لذا كان وجود قانون ناظم وسلطة حاكمة تردع الناس عن الظلم..
 
قراءة : 6033 | طباعة : 909 |  إرسال لصديق :: 0 |  عدد المقيمين : 1

إذا كانت طبيعة الإنسان تقتضي الاجتماع، فإن لازم الاجتماع حدوث نوع من الظلم أو البغي أو العدوان، وحدوث خلاف أو تنازع أو صراع، لذا كان وجود قانون ناظم وسلطة حاكمة تردع الناس عن الظلم والعدوان وترفع عنهم التنازع والصراع ضرورة لازمة .
يقول الفخر الرازي ـ رحمه الله ـ: " الإِنسَانُ مَدَّنِيٌّ بالطَّبعِ، ثُمَّ إِنَّ الاجتِمَاعَ يسبب المــُنَازَعَةِ المــُفضِيَةِ إِلى المــُخَاصَمَةِ أوَّلًا، والمــُقَاتَلَةِ ثَانِيًا، فلابُدَّ في الحِكمَةِ الإِلَهِيَّةِ مِن وَضعِ شَرِيعَةٍ بَينَ الخَلقِ، لتَكُونَ الشَّرِيعَةُ قَاطِعَةً للخُصُومَاتِ والمــُنَازَعَاتِ، فالأَنبِيَاءُ -عليهم السَّلام - الَّذِينَ أُوتُوا مِن عِندِ اللهِ بهذه الشَّرَائِعِ هُمُ الَّذِينَ دَفعَ اللهُ بسببهم وبِسبَبِ شَريعَتِهم الآفَاتِ عن الخَلقِ، فإِنَّ الخَلقَ مَا دَامُوا يَبقَونَ مُتَمَسِّكِي نَ بالشَّرَائِعِ لا يَقَعُ بَينَهُم خِصَامٌ ولا نِزَاعٌ"، ويضيف: "واعلَم أَنَّهُ كما لابُدَّ في قَطعِ الخُصُومَاتِ والمــُنَازَعَاتِ مِن الشَّرِيعَةِ، فكَذَا لابُدَّ في تَنفِيذِ الشَّرِيعَةِ مِن المــُلكِ"، ويضيف: "ولِهَذَا يَدفَعُ اللهُ تعَالَى عَن المــُسلِمِينَ أَنوَاعَ شُرُورِ الدُّنيَا بِسَبَبِ وَضعِ الشَّرَائِعِ، وبِسَبَبِ نَصبِ المــُلُوكِ وتَقوِيَتِهم " .

ويوسع ابن تيمية ـ رحمه الله ـ نظرته، ليؤكد: " أنَّ الِاجتِمَاعَ والتَّمَدُّنَ لا يُمكِنُ إِلَّا مع قَانُونِ عَدلِيٍّ فلا يُمكِنُ أَهلُ مَدِينَةٍ أَن يَجتَمِعُوا عَلَى إِبَاحَةِ ظُلمِ بَعضِهِم بَعضًا مُطلَقًا; لِأَنَّهُ لا حَيَاةَ لَهُم مَعَ ذَلِكَ " .
ويقول: " ولهذا اتفق العقلاء على أن بني آدم لا يعيشون جميعًا إلا بشرع يستلزمونه، ولو بوضع بعض رؤسائهم، يفعلون ما يأمر به ويتركون ما ينهى عنه، فإنَّ تَركَهُم بِدونِ ذلك مُستَلزِمٌ أن يَفعَلَ كُلُّ قَادِرٍ منهم ما يهواه، وذلك يمنعُ بقاءَهم، ويوجب فسادَهم وهلاكهم، لأن أهواءهم وإراداتهم إذا لم تتعاون وتتناصر فإنها تتهاون تارة، وتتمانع تارة، وتتخاذل تارة فإذا تهاونت فلم يُعِنْ هذا هذا، ولا هذا هذا، عجزوا عن مصالحهم التي لا بُدَّ لهم منها فوقع الفساد، وإن تخاذلت فلم ينصر هذا هذا، ولا هذا هذا، لزم أن يستولي عليهم الحيوان الناطق والبهيم، بل ومن المؤذيات الجامدة ما يفسدهم ويهلكهم، وإذا تمانعت فلم يُمَكِّنْ هذا هذا من فعل ما يصلحه، ولم يُمكِّنْ هذا هذا من فعل ما يصلحه، لزم عجزهم عن جلب المنافع ودفع المضار، وإذا تغالبت فغلب هؤلاء هؤلاء تارة، وهؤلاء هؤلاء تارة، لزم فساد كل فريق إذا غُلبوا، بل وإذا غَلبوا أيضًا، إذا لم يكن لهم شرع يعتصمون به في تقاسم نفوس الأعداء وأموالهم، وأمثال ذلك . وبهذا وأمثاله يتبين أن الدِّين والشرع ضروري لبني آدم، لا يعيشون بدونه، وقد بسطناه في غير موضع، لكن ينقسم إلى شرعٍ غايته نوع من الحياة الدنيا، وشرعٍ فيه صلاح الدنيا فقط، وشرعٍ فيه صَلاحُ الدنيا والاَخرة، ولا يتصوَّر شرعٌ فيه صلاح الاَخرة دون الدنيا، فإن الاَخرة لا تقوم إلا بأعمال في الدنيا مستلزمة لصلاح الدنيا، وصلاحها غير التناول لفضولها " .

إذن الشرعة والقانون أمر ضروري لأي اجتماع، ولا يمكن أن يتصور اجتماع بدونهما، ويربط ابن تيمية بين هذه الحقيقة ومقصد الرب الحكيم بوضع الشريعة فيقول: " والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لابد له من حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفعه، والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده "، ويضيف: " فلا يمكن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه ويتركونه‏ " . فلا يكفي الناس القانون العدلي وإن كان حاجة لهم: " ليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لابد له من فعل وترك، فإن الإنسان همام حارث، .. ولابد أن يعرف ما يريده، هل هو نافع له أو ضار‏؟‏ وهل يصلحه أو يفسده‏؟‏ وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم؛ وبعضهم يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم؛ وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم لهم ‏" .

ويقول الفقيه عبد الرحمن الإيجي ـ رحمه الله ـ: ".. ولذلك قيل الإنسان مدني بالطبع، فإن التُّمدُّن هو هذا الاجتماع، ولا بد لهم في التعاون من معاملة ومعاوضة يجريان بينهم، ولا بد فيهما من قانون عدل يحافظ عليه دفعا للظلم، وإليه أشار بقوله: ولولا شريعة ينقاد لها الخاص والعام لاشرأبت كل نفس، أي مدت عنقها، إلى ما يريده غيره، وطمح، أي ارتفع عين كل، إلى ما عند الآخر، فحصل بينهم التنازع، وأدى ذلك التنازع إلى التواثب والتشاجر، أي الاختلاف والتقاتل والتناحر، وشمل الناس الهرج، أي القتل، والمرج، أي الاختلاط، واختل أمور المعاش والمعاد " .

وينصُّ ابن تيمية في (كتاب الحسبة) على أَنَّ: " كل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا في الاجتماع والتناصر، فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال الإنسان مدني بالطبع" . وعلى هذا الأساس: " فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لابد لهم من طاعة آمر وناه، فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود لمصالح دنياهم مصيبين تارة ومخطئين أخرى؛ وأهل الأديان الفاسدة من المشركين وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل أو بعد النسخ والتبديل: مطيعون فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم " .

إذن إذا وجدت شريعة إلهية يلتزم الناس بها، كانت هي القانون المتبع، وإذا ما غابت دخل الناس في قوانين الملوك سواء كانت عدلية أو ظالمة. لذلك يقول الرازي: " ثمَّ إن ذلك السلطان القاهر السائس إن كان حكمه على وفق هواه ولطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق، فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه، وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق، وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك، أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحق الإلهية انتظمت مصالح العالم، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه. فهذا هو المراد من قوله تعالى: { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ }(صّ: من الآية26)، يعني لا بد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك الحاكم، ثم قال تعالى: { وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ }(صّ: من الآية26) .." .
إذن فعلماء الإسلام يقررون ابتداء حاجة الاجتماع البشري إلى قانون، وأن يكون هذا القانون عادلا، فأهل الإيمان بالرسالات السماوية يتبعون ما أنزل الله تعالى لاعتقادهم بأنه الحق والعدل المطلق، وأما سواهم فإنهم يتصورون العدل فيما تدلهم عليه أذواقهم أو عقولهم أو تجاربهم أو سادتهم وكبراؤهم. وفي العموم فإن الجميع مفتقر إلى شرع يخضع إليه. فالحاجة إلى إقامة شرعة لابد منها، ولذلك فإنه لا خيار للناس: إما شرع الله أو الطاغوت والهوى. يقول ابن القيم: "حاجة الناس إلى الشريعة ضروريَّة فوق حاجتهم إلى كلّ شيءٍ، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطبّ إليها، ألا ترى أن أكثر العالم يعيشون بغير طبيب " .

وفي حالة التباين بين مكونات المجتمع، بحيث يكون غير متجانس عرقيا ودينيا وثقافة، ولم تكن لطرف منهم غلبة وقهر على الآخرين كانت هناك حاجة لاعتبار الخصوص والعموم في صياغة دستور هذا المجتمع، وهي حالة قد تنشأ لظروف تاريخية أو سياسية أو اقتصادية معينة، حين يندمج الجميع ـ بصورة أو بأخرى - في بيئة جغرافية واحدة لا يستقل بعضهم بامتلاكها والتصرف فيها دون الآخر . وهذه الحالة عادة توجد تنافسا على المصالح، وصراعا من أجل الهيمنة . وهذا ما يشهد له التاريخ، بما وقع فيه من أحداث بين أهل الديانات والمذاهب والقوميات والثقافات، قديما وحديثا. فإِنَّ منطق الغلبة كان السائد بين الطوائف لانتزاع السلطة ومن ثمَّ المصالح، وربما أدى ذلك لإفناء المختلفين عنهم عِرقًا أو ثقافة، أو المختلفين معهم ديانة أو مذهبا .
ونادرا ما كانت الأكثرية أو الفئة المهيمنة في مجتمع ما تلجأ إلى نوع من التوافق والتعايش الذي يتيح للآخرين تدبير شئونهم والتمتع بديانتهم أو مذهبهم أو ثقافتهم أو تقاليدهم إذا كانوا أقلية أو أكثرية ضعيفة، فإن العصبية والعنصرية والطائفية هي التي سادت عبر التاريخ، حتى قُتِلَ لأجلها خَلْقٌ كثير. وهذا ما كان يواجه كافة الأنبياء والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام - عند نشوء دعوتهم، لذلك لم يكن ينزل عليهم من الشريعة العامة شيء بادئ الأمر .
ومن الطبيعي في ظل أوضاع كهذه، يغيب عنها العقد الجامع والسلطة النافذة، أن يتعاقد الناس ويتوافقوا على أمر يصلح به حالهم ويستقيم معه عيشهم. وهو ما أشار إليه ابن تيمية أثناء حديثه عن طبيعة قيام المجتمعات. يقول: " كل اجتِمَاع فِي العَالم لَا بُدَّ فيه مِن التَّحَالُف وهو الاتِّفَاقُ والتعاقدُ على ذلك من اثنَينِ فَصَاعِدا. فإِنَّ بني آدمَ لا يُمكنُ عَيشُهم إلَّا بما يشتركُون فيه مِن جَلبِ مَنفَعَتِهم ودَفعِ مَضرَّتِهم، فاتِفَاقُهم على ذلك هو التعاقدُ والتَّحالفُ؛ ولهذا كان الوفاءُ بالعهودِ مِن الأُمُورِ التي اتَّفقَ أهلُ الأرضِ على إِيجَابِها لبعضهم على بعض ؛... فإذا اتَّفقُوا وتَعَاقَدُوا على اجتلابِ الأمر الذي يحبونه ودفع الأمر الذي يكرهونه أعانَ بعضُهم بعضاً على اجتلاب المحبوب، ونَصَرَ بعضُهم بعضاً على دفع المــَكرُوهِ، ولو لم يتعاقدوا بالكلام فنَفسُ اشتراكهم في أَمرٍ يُوجبُ عليهم اجتلابَ ما يصلحُ ذلك الأمرَ المـُشتَرك ودَفعَ مَا يضرُّهُ، كأَهلِ النَّسَبِ الوَاحِدِ وأَهلِ البَلَدِ الوَاحِدِ، فَإِنَّ التَّنَاسُبَ والتَّجَاوُرَ يُوجِبُ التَّعَاوُنَ على جَلبِ المــَنفَعَةِ المــُشتَركَةِ وَدَفعِ الضَّرَرِ المــُشتَركِ. فَصَارَ الاشتِرَاكُ بينهم تارةً يَثبُتُ بِفِعلِهم وهو التَّعَاقُدُ على ما فيه خيرُهم، وتارةً يَثبُتُ بِفعلِ اللهِ تعالى"؛ مضيفا: "وإذا كان لا بُدُّ في كُلِّ ما يَشتَرِكُون فيه مِن تَحَالُفٍ وغَيرِ تَحَالُفٍ مِن التَّعَاونِ على جَلبِ المحبُوبِ والتَّنَاصُرِ لدَفعِ المــَكرُوهِ، فالمحبُوبُ هو الموَالِي والمــَكرُوهُ هو المـُعَادِي. فلا بُدَّ لِكُلِّ بني آدَمَ مِن وِلَايَةٍ وعَدَاوةٍ، ولهذا جميعُهم يَتَمَادَحُونَ بالشَّجَاعَةِ والسَّمَاحَةِ، فإِنَّ السَّمَاحَةَ إِعَانَةٌ على وُجُودِ المحبُوبِ بالأَموَالِ والمــَنَافِعِ وغير ذلك، والشَّجَاعَةَ نَصرٌ لدَفعِ المــَكرُوهِ بِالقِتَالِ وغيره، ولا قِوَامَ لشيءٍ مِن أُمُورِ بني آدمَ إِلَّا بذلك، ومبنى ذلك بينهم على العدل في المـُـشاركات والمعاوضات. فَظَهَرَ أَنَّ جَمِيعَ أُمُورِ بني آدمَ لا بُدَّ فيها مِن تَعَاونٍ بينهم ودَفعٍ ومَنعٍ لغيرِهم، فلا بُدَّ لهم مِن عَقدٍ وقُدرَةٍ، والعَقدُ أَصلُهُ الإِرَادَةُ، كما قال تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ }(النساء: من الآية1) .. أي يتعاهدون ويتعاقدون، وَالْقُدْرَة الْقُدْرَة .
ومعلُومٌ أَنَّه لا بُدَّ في كُلِّ فِعلٍ مِن إِرَادَةٍ وقُدرَةٍ، والمـُشتَرِكُونَ لا بُدَّ مِن اتِّفَاقِهم في إِرَادَةٍ وفي قُدرَةٍ، فالذي يَنَالُهُ بعضُهم مِن جَلبِ مَحبُوبٍ ودَفعِ مَكرُوهٍ مِن بَعضٍ هو بالإِرَادَةِ والطَّوعِ، والذي يَنَالُونَهُ مِن غيرِهم مِن جَلبِ مَحبُوبٍ ودَفعِ مَكرُوهٍ هو بالقُدْرَةِ على ذلك العَدُوِّ الْمَكْرُوه مِنْهُ"؛ ويضيف: "واشتراكُهم في الجَلبِ والدَّفعِ إِمَّا أَن يَكُونَ تَبَعاً لتَعَاقُدِهم ( اتفاقهم واختيارهم )، وإِمَّا أَن يَكُونَ بأَمْرِ آمُرٍ مُطَاعٍ فيهم؛ فالأول هو التَّحَالُفُ، والثَّاني ما يُطَاعُ بغيرِ تَحَالُفٍ، سَوَاءَ كانت طَاعَتُهُ بِحَقٍّ أو بِغَيرِ حَقٍّ، فالذي بِحَقٍّ ما أَمَرَ اللهُ بِطَاعَتِهِ مِن أَنبِيَائِهِ وأُولِي الأَمرِ مِن المــُؤمِنِينَ، وطاعةِ الوَالِدينِ ونحو ذلك، ومَا يُجَابُ بِهِ بَعضُهم إلى مُرَادِ بَعضٍ بِحَقٍّ فَإِنَّ ذلك هو مَعنَى الطَّاعَة إِذ المــَقصُودُ بِهَا مُوَافقَةَ الــمَطلُوبِ؛ وأَمَّا بِغَيرِ حَقٍّ فَكَطَاعَةِ الطَّواغِيتِ، وهو كُلُّ ما عُظِّمَ بباطِلٍ".
 
ويقول في ذات المعنى: " لا بُدَّ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِن بني آدم مِن دِينٍ يجمعُهُم...، إِذ لا غِنَى لبَعضِهم عن بعضٍ، وأحدُهم لا يستَقِلُّ بجَلبِ منفعَتِهِ ودَفعِ مَضرَّتِهِ، فلا بُدَّ من اجتِمَاعهم، وإِذا اجتَمعُوا فلا بُدَّ أَن يشتركوا فِي اجتلاب مَا يَنفَعهُم كُلَّهم،.. وفي دفع ما يَضُرُّهم،.. فَصَارَ ولا بُدَّ أَن يشتركوا في محبَّةِ شَيء عامٍ، وبغض شَيء عامٍ، وهذا هو دينَهم المــُشتَرك العَام"؛ ثُمَّ يضيف: "وإذا كان كذلك.. فالأمور التي يحبونها يَحتَاجُونَ أَن يُوجِبُوها على أَنفُسِهم، والأمور التي تَضُرُّهم يَحتَاجُونَ أَن يُحرِّمُوها على أنفُسِهم، وذلك دِينَهم، وذلك لا يكون إِلَّا باتفاقهم على ذلك وهو التعاهد والتعاقد. ولهذا جَاءَ في الحديث: ( لا إِيمَانَ لمـَن لا أَمَانَة لَهُ، ولا دِينَ لمـَن لا عَهدَ لَهُ ) رواه أحمد، فهذا هو مِن الدَّينِ المــُشتَرك بينَ جَمِيعِ بني آدمَ، مَن التِزَامِ واجِبَاتٍ ومُحرَّماتٍ، وهو الوَفَاءُ والعَهدُ، وهذا قد يكون باطِلا فاسِدا إِذا كان فيه مضرَّةٌ لهم راجحةٌ على منفعَتِهِ، وقد يكون دينا حقا إِذا كان مَنفَعَةً خَالِصَّةً أَو رَاجِحَةً ".

ويطرح ابن تيمية مسألة التعاقد والتحالف كضرورة بشرية عند غياب سلطة جامعة، فيقول: "التَّحَالُفُ يكونُ وِفقاً لشَّرِيعَةٍ مُنزَلَةٍ أو شَرِيعَةٍ غَيرَ مُنزَلَةٍ أو سِياسَةٍ، وكُلُّ قَومٍ لا تَجمَعُهم طَاعَةُ مُطَاعٍ في جَمِيعِ أُمُورِهم فلا بُدَّ لهم مِن التَّعَاقُدِ والتَّحَالُفِ فيما لم يَأمُرهُم به المـُطاعُ "، و" وإِذا لم يَكُونُوا على شَرِيعَةٍ مُنزلَةٍ مِن عِندِ اللهِ فإِمَّا أَن يَكُونُوا على شَرِيعَةٍ غَيرِ مُنزلَةٍ أو سِياسَةٍ وَضعَها بعضُ المـُعظَمِينَ فيهم بنوعِ قُدرَةٍ وعِلمٍ ونَحو ذلك، وما بقُدرَةٍ مِن هذه الأُمورِ الجامعةِ أَوجَبَ التَّحَالُفَ بَينَهم، فَإِنَّهُ لا يَنتَظِمُ لهم أَمرٌ إلَّا بطَاعَةِ آمُرٍ مُتَحَالِفُون عليه أو يَأْمُرهُم بِهِ مَن يُطِيعُونَه، ولهذا أنكر التَّحالُفُ في الأُمم الخارجةِ عن الشَّريعةِ وفي الخارجين عنها، وفي الأُمُورِ التي لا تُرَدُّ إلى الشَّريعة، وإِنَّما يَظْهَرُ ذلك حَيثُ تُدرَسُ آثَارُ النُّبُوَّةِ المـُطاعَةِ، فيتحالفُ قَومٌ على طاعةِ مَلِكٍ أو شَيخٍ أو طاعة بعضهم لبعض في أُمُورِ يتفقون عليها، ويتحالفون كما كان العَرَبُ في جاهليتهم يتحالفون..."، " وأَيمَانُ التَّعاقُدِ والتَّحالُفِ عامٌ لبني آدم، وهُم في جاهليتِهم تارة يتحالفون تحالُفًا يُحِبهُ اللهُ، كما قال النَّبِي – صلى الله عليه وسلم ـ: ( لَقَد شَهِدتُّ حِلفًا مع عُمُومَتي في دارِ عبدالله بن جدعان ما يَسُرُّني بمثلِهِ حُمرُ النَّعَمِ ) رواه أحمد، أو قال: ( ما يَسُرُّني حُمرُ النَّعَمِ وأَنْ أَنقُضَهُ، ولو دُعِيتُ إلى مِثلِهِ في الإِسلام لأَجَبتُ ).."، "فأَمَّا إِذا كان القولُ على الشَّرِيعَةِ التي بعثَ اللهُ بها رسُولَهُ في دِينِهم ودُنياهم فَإِنَّ ذلك يُغنِيهم عن التَّحَالُفِ إِلَّا عليها، فعليها يكونُ تَحَالُفُهم وتَعَاقُدُهم وتَعَاوُنُهم وتَنَاصُرُهم "؛ و" أَمرُ الدَّينِ ومَا يُحِبهُ اللهُ ويُقرِّبُ إليه فليس لعُقُودِ بَني آدَمَ فيه أَثَرٌ، بَل المرجِعُ في ذلك إلى أَمرِ اللهِ ورسُولِهِ، فَلَا دِينَ إِلَّا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ. وَمَن اتَّبعَ في ذلك عُقُودَ بَني آدَمَ فَهُم الَّذِينَ اتبعُوا شُرَكَاءَهم الَّذِينَ شَرَعُوا لَهُم مِن الدَّينِ مَا لم يَأذَنْ اللهُ بِهِ. وهذه حَالُ جَمِيعِ مَا ابتُدِعَ مِن الدَّينِ؛ فَإِنَّ الذي ابتَدَعَهُ وَافَقَهُ عليهِ غَيرُهُ وحَالَفَهُ فاتَّخَذُوهُ دِينًا، فتَدَيُّنٌ هذا فِيهِ يَظهَرُ حَالَ جميعِ أَهلِ البِدَعِ المــُخَالِفَةِ للكِتَابِ والسُّنَّةِ، وأَنَّ المــُوَافَقَةَ عليها هي مِن هذا البَابُ. وأَكثَرُ مَا يَنفُقُ بينَ المــُسلِمينَ مَا فيه حَقٌ وبَاطِلٌ، إِذ البَاطِلُ المــَحضُ لا يَبقَى بَينَهم، وذلك يتَضَمَّنُ التَّحَالُفَ عَلَى غِيرِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، والتَّبدِيلَ لِدِينِ اللهِ بِمَا لُبِّسَ مِن الحَقِّ بالبَاطِلِ، وهذه حَالُ اليَهُودِ والنَّصَارَى وسَائِرِ أَهلِ الضَّلالِ، فَإِنَّهُم عَدَلُوا عمَّا أَمَرَهم اللهُ باتِّبَاعِهِ فلَبَّسُوه ببَاطِلٍ ابتَدَعُوهُ بَدَّلُوا بِهِ دِينَ اللهِ وتَحَالَفُوا على ذلك الذي ابتَدَعُوهُ . وأَمَّا المــُعَامَلَاتُ في الدُّنيَا فالأَصلُ فيها أَنَّه لا يَحرُمُ منها إِلَّا ما حَرَّمَه اللهُ ورَسُولُه، فلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللهُ، ولَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ، وإِذا لم يُحرَّم إِلَّا مَا حَرَّمَه اللهُ ورَسُولُه فكَأَنَ مَا كَانَ بَدَلَهُ بِدُونِ التَّعَاقُدِ يَجِبُ بالتَّعَاقُدِ، فَإِنَّ العَقدَ يُوجِبُ على كُلِّ وَاحِدٍ من المـُتَعَاوِضِينَ والمـُـتَشَارِكِينَ مَا أَوجَبَهُ الآخَرُ على نَفسِهِ لَهُ " .

وبذلك يظهر جليا من كلام ابن تيمية بأن أهل الملة ـ من أهل الكتاب والمسلمين - إذا كانوا مستقلين بشأنهم متمكنين من القيام بإرادتهم ومصالحهم لا يجوز لهم الاتفاق والتعاقد على غير شرع الله لهم، أما إذا كانوا أخلاطا مع الناس فإنَّ قيام مصالحهم ومعاشهم لا يتم إلا باتفاق وتعاقد مع غيرهم فيما أطلق عليه بالدين المشترك بينهم. ومعنى كلامه أن يكون مؤدى التعاقد والتعاهد إيجاب واجب وتحريم محرم وإن لم يكن على سبيل الدِّين بينهم وبين مخالفيهم. وذلك لا يعني عدم احتفاظهم بدينهم الأخص، فالكلام هنا على القدر المشترك الذي يوجبه الاجتماع، أما الاستقلال بخاصة أمرهم فهو ما يجب عليهم شرعا .
وما أشار إليه ابن تيمية لا يختلف عمَّا قام به الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم - في المدينة بعد أَنْ قَدِمَ إليها مُهَاجِرًا من مكة، وكان يَقطُنُها قبائلُ عربية وأخرى من يهود، فقد كان فيها المؤمنون به ممن أسلم من الأوس والخزرج، وبقية من مشركي المدينة، ويهود، ولم تكن لأي من هذه الأطراف السيادة الكاملة على المدينة أو الاستقلال التام بمصالحها، فعقد معهم عهدا وكتب كتابا بينهم وبين المسلمين عُرف فيما بعد بـ" وثيقة المدينة ".
يقول ابن تيمية: " لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قَدِمَ المدينة وادع جميع اليهود الذين كانوا بها موادعة مطلقة، ولم يضرب عليهم جزية، وهذا مشروع عند أهل العلم بمنزلة المتواتر بينهم، حتى قال الشافعي: لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسِّيَر أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وهو كما قال الشافعي . وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود، وهم: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وكان بنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج، وكانت قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- هادنهم ووادعهم، مع إقراره لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه، حتى أنه عاهد اليهود على أن يعينوه إذا حارب. ثُمَّ نقض العهد بنو قينقاع ثم النضير ثم قريظة "، و"هذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم ". ويقول: " وأما النضير وقريظة فكانوا خارجا من المدينة، وعهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشهر من أن يخفى على عالم " .

ونقل ابن تيمية عن الواقدي قوله: "حدثني عبدالله بن جعفر عن الحارث بن الفضيل عن محمد بن كعب القرظي قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وادعته يهود كُلُّها، فكتب بينه وبينها كتابا، وألحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ قومٍ بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانا، وشرط عليهم شروطا، فكان فيما شرط: أن لا يظاهروا عليه عدوا"، وعلق قائلا: " وهذا مما لا نعلم فيه ترددا بين أهل العلم بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة " .

إذن فوثيقة المدينة ـ أو الصحيفة - تمثل أوَّل دستور ينتظم علاقة مجتمع مكون من قوى مختلفة في أعراقها ومعتقداتها وفق رؤية الإسلام ومقاصده. حيث كان لا يزال (الوطن) غير خاضع لإرادة المسلمين المستقلة الغالبة والقاهرة، وكونها تحالفا مكتوبا لا يلغي معنى كونها دستورا مرجعيا ينتظم علاقة الأطراف المتوافقة عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ. أنور قاسم الخضري

اشترك بالقائمة البريدية
تصويت

الاحتساب و استحضار النيات الصالحة يعزز الإخلاص و يحول العادات إلى عبادات و يهون المشقة . فماذا تستحضر من النيات عند الذهاب إلى عملك ؟!

كسب الحلال النفقة على الأسرة نفع الناس الصدقة من الراتب كل ذلك
1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة
| | من نحن